أنت غير مسجل في موسوعة طعس العربيه . للتسجيل الرجاء إضغط هنـا


القبائل العربية والتعرف عليها وعلى اماكن تواجدها أمور البادية والقبائل وعاداتها وتقاليدها ومشاهيرها على مر التاريخ وفنونها الشعبية وغيرها


المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام

أمور البادية والقبائل وعاداتها وتقاليدها ومشاهيرها على مر التاريخ وفنونها الشعبية وغيرها




إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 10-02-2007, 08:23 AM   #111 (permalink)
عضو
 
تاريخ التسجيل: Mar 2007
العمر: 27
المشاركات: 3,982
Rep Power: 349
ريم will become famous soon enough ريم will become famous soon enough
الفصل الحادي عشر بعد المئة

الفصل الحادي عشر بعد المئة
النقود




وفي الموارد الاسلامية بعض الأخبار عن نقود كانت متداولة في الحجاز عند ظهور الإسلام. وقد سميت تلك النقود بأسمائها َوأشير إلى وزنها ومقدارها. وعثر الباحثون على نماذج من نقود جاهلية تعود إلى عهود مختلفة في مواضع متعددة مختلفة من جزيرة العرب، قسمت لنا بعض المعارف عنها وعن مصادرها، فمن الموارد الاسلامية ومن بعض كتابات المسند التي اشر فيها إلى نقود جاهلية ومن قطع النقود الجاهلية التي عثر عليها المنقبون، جمعنا ما سنقوله عن نقود أهل الجاهلية.
وقد استعمل أهل العربية الجنوبية النقود في معاملاتهم، استعملوا نقودا ًسكّت من ذهب، ونقوداً سكت من فضة، وأخرى سكت من نحاس ومن معادن أخرى. وقد عثر على نماذج من كل نوع من هذه الأنواع. كما تعاملوا بالنقود الأجنبية كذلك، مثل النقود اليونانية والرومانية والمصرية والحبشية والفارسية. وقد عثر على نماذج من هذه النقود في مواضع متعددة من العربية الجنوبية: في اليمن، وفي حضرموت، وفي مواضع أخرى. وقد زاد تعامل أهل اليمن بالنقود الحبشية والساسانية في أثناء احتلال الحبش والساسانيين لليمن، ولا شك.
وفي بعض المتاحف ودور الآثار وعند بعض هواة جمع النقود والأشياء القديمة، قطع من نقود جاهلية ضربت في العربية الجنوبية، بعضها من ذهب، وبعضها من فضة، وبعض آخر من نحاس، ومنها الكبير،ومنها نقود صغيرة دون على بعضها اسم الملك الذي ضربت في أيامه، أو الحرف الأول من اسمه، وعلى بعض آخر رموز وصور ألف العرب الجنوبيون ضربها على النقود، مثل صورة "أثينة" أو "البوم" وهي من الطيور التي ألف العرب الجنوبيون إظهار صورتها على النقد، وعلى الحجارة المكتوبة وعلى جبهات البيوت.
والعملة تطور خطير من التطورات التي أثرت في الحياة الاقتصادية للبشر. أحدث اختراعها إنقلاباً كبيراً في النظم الاقتصادية والاجتماعية، ويعدّ ايجادها من المخترعات الكبرى التي لعبت دوراً خطيراً في حياة الإنسان ولا تزال تلعبه، قلصت أعمال المقايضة المرهقة المتعبة،وقضت على التعامل بالوزن في تقدير الأثمان. أعني التعامل بوزن الذهب والفضة " في تقدير قيم الأشياء، بأن يعطي إنسان إنساناً قيراطاً من ذهب، أو نصف مثقال، أو مثقالاً مقابل سلعة ثم التساوم على سعرها. أو وزن مثقال من فضة أو أقل، من ذلك أو أكثر في مقابل سلعة يريدها المشتري. وهو نظام سبق نظام النقد، الذي ولدت منه فكرة العملة. وهو نظام متقدم بالنسبة الى نظام المقايضة التي سبقته، قلصّ من صعوباتها كثيراَ، وأراح التاجر في التعامل، حتى ولدت فكرة سك العملة، فقلصت منه ومن تعقيداته، سهولة التعامل بالعملة، ولاكتسابها صفة رسمية وسعراً ثابتاً مقرراً ووزناً معيناً حددته الحكومات.
وفي وسعنا اطلاق مصطلح "النقد الطبيعي" على نظام المقايضة، أي مبدأ مبادلة سلعة بسلعة. فهو في الواقع نظام يستند على مبدأ التسعير وتثمين السلع وبيع سلعة بثمن سلعة أخرى. ولما وجد الإنسان صعوبة كبيرة في التعامل بهذه الطريقة، هداه عقله وتقدمه الفكري إلى ابتداع طريقة التعامل بالذهب والفضة وزناً. فخفف الإنسان بذلك كثيراً من التعقيدات والصعوبات التي كان يجابهها في تعامله بالمقايضة، فكان إذا أراد شراء حاجة عامل صاحبها بمقدار موزون من الذهب أو الفضة، يقدمه اليه في مقابل شرائها، ثم انتقل بعد ذلك إلى طريقة سك العملة. فسهل بذلك معاملاته في البيع والشراء كثيراً، ولا زال هذا النظام سائداً في كل أنحاء العالم، مع نظام العملة الورقية ونظام التعامل بالصكوك.
وقد تعامل الجاهليون بالطرق الثلاثة المذكورة. تعاملوا بالمبادلة، أي المقايضة، وتعاملوا بوزن الذهب والفضة، وتعاملوا بالعملة. ولما ظهر الإسلام كانت هذه الطرق لا تزال مألوفة عندهم متبعة، فكانوا يبيعون تمراً بتمر، وشعراً بشعير، وحنطة بحنطة. وقد أشير إلى هذه النوع في كتب الحديث، وأشرت إليها في باب البيوع. ولم يراع أهل الجاهلية تنوع الصنف في البيع، كأن يبيعوا حنطة من جنس معلوم بحنطة من جنس اخر، بل كانوا يبيعون الحنطة بالحنطة من نفس الجنس والنوع، بوزن مختلف لوجود تباين في الجودة أو تراب او حبوب غريبة في احدى الحنطتين. كما تعاملوا بتنوع السلع، مثل بيع حنطة بشعير وبالعكس، وبيع تمر بصوف أو بجلود، وما شاكل ذلك لوجود حاجة ولقلة النقد.
وتعاملوا بوزن الذهب والفضة، فاشتروا الرقيق بأواقي يحددونها من ذهب أو من فضة، وباعوا التجارة بأواقّي الذهب والفضة. تعاملوا يالأواقي وبأقل منها وبأكثر حسب قيم الأشياء ودرجة تثمينها. ونجد ذكر هذا التعامل في كتب الحديث والفقه، لما له من دور خطير في معاملات الناس في الجاهلية وفي الإسلام.
و "النقد" في مصطلح علماء العربية تمييز الجيد من الرديء. قال الشاعر: تنفي يداها الحصى في كل هاجرة نفي الدنانير تنقاد الـصـياريف
والنقد اعطاء النقد. ونقد الثمن أعطاه نقداً معجلاً. ويظهر إن الجاهليين كانوا يطلقون لفظة "النقد" على العملة، وعلى التعامل بها من أخذ وقبض وتمييز الجيد من الرديء منها.
و "السِكة": حديدة منقوشة كتب عليها، يضرب عليها الدنانير والدراهم. ومنه الحديث انه نهى عن كسر سكة المسلمين الجائزة بينهم إلا من بأس. أراد بها الدرهم والدنانير المضروبين، سمى كل واحد منهما سكة لانه طبع يالحديدة المعلمة له.
ونجد في كتب الحديث رواية تذكر إن أول من ضرب الدينار تبع، وهو
"أسعد بن كرب"، وان أول من ضرب الفلوس وأدارها في أيدي الناس: "نمروذ بن كنعان".
وقد وردت في كتابات سبئية وقتبانية إشارات إلى نقود سبئية وقتبانية كانت مستعملة في تلك الأيام. ويرجع بعض العلماء تأريخ أقدمها إلى حوالي سنة "400" قبل الميلاد. وقد ورد ذكر بعضهما مع أسماء ملوك سبئيين وقتبانيين، في تدوين عقود زراعية أو ضرائب في الغالب، وقد ذكرت حين الإشارة إلى دفع مبلغ أو إلى تحديد غرامات. ولكن ورود أسمائها في تلك العقود وفي الأوامر الملكية لأولئك الملوك لا يدل على أنها سكت في أيامهم، وضربت في عهدهم، فقد يجوز إن تكون قد ضربت قبل أيامهم بأمد طويل أو قصير، وأنها كانت مستعملة قبل أيامهم وفي أيامهم في الأسواق، ولذلك اًشير إليها في تلك الكتابات.
ونجد في أحد وجهي بعض النقود رأس رجل ظهرت ملامح وجهه إلى العنق، يحيط به غصنا شجر على هيأة دائرة، وقد تدلى شعر الرأس إلى للعنق، وظهرت عليه تموّجات الشعر على هيأة خصل محفورة. وأما صورة الأوجه، فهي جانبية اتجاهها نحو اليمين في الغالب. ولولا وجود بعض حروف المسند عليها لحسبتها من النقود المضروبة عند اليونان، ونجد في الوجه الآخر من النقد صورة البوم في الغالب: جسمها جانبي، اي قد امتد نحو الجانب. أما الوجه، فقد صور وكأنه ينظر اليك، وقد برزت عيناه بصورهّ واضحة ظاهرة حتى بدتا في شكل لا يتناسب أحياناً مع حجم الوجه. ومن ينظر إلى هذا الوجه يخيل اليه أنه ينظر إلى رأسي بومتين لا بومة واحدة.
وتحمل بعض النقود إشارات ورموزاً لها صلة بديانة العرب الجنوبيين قبل الإسلام، ومن ذلك، الهلال، إشارة إلى الإلهَ القمر. والهلال وفي داخله أو في مقابله كوكب ذو رؤوس تلتقي بنقطة في الوسط، وأحياناً على هيأة قرص دون رؤوس. يمكن اعتبارهما أساس الكوكب والهلال "النجمة والهلال" المستعمل في بعض الأعلام الإسلامية واللذين يشاهدان على قبب المساجد ويعتبران عند المسلمين وعند الغربيين شعاراً للاسلام. وهما في الأصل من شعائر الوثنيين الجاهليين.
وقد يكون الكوكب ذو الرؤوس أو القرص رمزاً يشير إلى الشمس.
وللعلماء الباحثين في النقود العربية الجنوبية آراء في الحروف المقطعة المضروبة على النقود. وفي الحروف المتصلة المربوطة بعضها ببعض في بعض الأحيان على هيأة الطغراء، وذهب بعضهم إلى إن هذه الحروف هي الأحرف الأولى لأسماء الملوك الذين ضربت تلك النقود في أيامهم، وذهب آخرون إلى انها أسماء المواضع التي ضربت فيها تلك النقود. وذهب آخرون إلى انها رموز للالهة، وقد ضربّت تبركاً باسمها. ومهما يكن من شيء، فبين الباحثين في النقود العربية الجنوبية اختلاف في هذا الموضوع، لم يتوصلوا فيه إلى حل متفق عليه.
ومن الملوك الذين ضربت بعض النقود في أيامهم، ملك ذكر لقبه وحده وهو "ينف" "ينوف"، دوَن اسمه الأول الذي يعرف به. وإذ قد تلقب، جملة ملوك بهذا اللقب، فمن الصعب البت في تعيين الملك صاحب هذا النقد. وملك ذكر اسمه الأول، وهو: "شمر"، والظاهر انه "شمر يهرعش" ملك سبأ وذي ريدان. و "كرب ال وتر يهنعم"، وهو ابن الملك "ذمر على بين" و "عمدن يهقبض"، و "عمدن بين"، وملوك آخرون.
وقد وردت لفظة "بلط" في نصوص المسند،ترجمت ب "نقد" وب Coin في الانكليزيةْ. و "أبلط" في عربيتنا بمعنى لصق بالأرض وافتقر، وذهب ماله، وأفلس. والبلطهّ المفلس.
وقد ذكر "نزيه مؤيد العظم"، إن أهل اليمن يطلقون على النقود لفظة "ظلط". ولعل لهذه اللفظة صلة ببعض أسماء النقود اليمانية قبل الإسلام. وهناك لفظة أخرى وردت في نصوص المسند، هي "خبصتم"، "خبصت". ويرى "رودوكناكس" اًنها اسم نقد أقل سعراً وثمناً من سعر النقد الذهب، وأنه لم يكن من ذهب ولا من الفضة بل من المعادن الأخرى.
ووردت لفظة "صيم" "رضى" بعد العدد خمسة، في نص سبئ. ذكرت مع العدد في أمر يشير إلى غرامة تفرض على المقصر والمتماهل في العمل، فحمل ذلك بعض الباحثين على الذهاب إلى أنها تسمية لنوع من القد الذي كان مستعملاً آنئذ. ولكن هناك من يرى أن اللفظة ليست تسمية وسمة لنوع من أنواع النقود، وإنما هي صفة لها، بمعنى مرضية ومرض وبمعنى تامة وافية صحيحة، غير مزيفة ولا منقوصة في الوزن.
وإذا كنا لا نستعمل اليوم في لغتنا الألفاظ والتعابير التي تدل على صحة النقود وسلامتها من الغش والتزوير كثيراً، فإن القدماء ولا سيما صيارفتهم وأصحاب المال كانوا يستعملونها في معاملاتهم اليومية وفي عقودهم التي كانوا يدوّنونها، لأن سك العملة وضربها لم يكن يومئذ متقناً ولا مضبوطاً من حيث المادة أو الوزن. وكان من السهل تقليد العملة وغشها والتلاعب بوزنها. ولذلك كان ثمنها عرضة للتغيير والتلاعب بالسعر في بعض الأحيان،كما كان من السهل غش الناس بإعطائهم العملة المزيفة، حتى حفظت كتب الماضين أمثلة عديدة على ذلك، وكتب القدماء فصولاّ في كشف الغش في النقود وفي معاقبة المسؤولين عنه.
الموضوع الأصلى من هنا: موسوعة طعس العربيه http://www.t3as.com/vb/t42703-12.html#post154075
ومن الألفاظ التي استعملها أهل العربية الجنوبية للتعبير عن صحة العمة وسلامتها من الغش والتي دوّنوها في كتاباتهم، لفظة "مصعم" "مصع"، بمعنى نصع وخلص، أي خالصة من كل غش، صحيحة لا شائبة فيها. ولفظة "رضيم" المتقدمة، ولفظة "خبصتم" "خبصت" من هذه التعابير على رأي بعض الباحثين.
ويلاحظ وجود أثر للسكة اليونانية على السكة العربية الجنوبية. وقد وجد شبه ايضاً بين بعض النقود العربية الجنوبية ونقود الساسانيين. ونظراً إلى وجود صلات تجارية بين اليونان والساسانيين والعرب الجنوبيين، فلا يستبعد تأثر دور ضرب السكة في اليمن وفي حضرموتْ بطريقة ضرب النقود عند اليونان والساسانين. ومن أهم ملامح تأثر ضرب النقود بنقود اليونان، هو وجود صورة "البوم" رمز "أثينة" مطبوعاً على النقود، على نحو ما طبعت على النقود اليونانية، حتى صار من الصعب التفريق بينهما، فكأنما أخذ عمال ضرب النقود قالباً للنقد اليوناني، ثم حفروا عليه حروف المسند وضربوه. ثم صور الملوك، وكراسي جلوسهم عليها، والصولجان الذي بأيديهم، فكل هذه نقلت نقلاً عن النقود اليونانية.
ولا بد أن تكون في اليمن دور لضرب النقود سكّت فيها عملتهم. وإني لآسفٌ إذ لم اقف على كتابات جاهلية فيها ما يفيدنا عن كيفية ضرب النقود عند العرب الجنوبيين أو عند غيرهم وأوزانها وأنواعها، وما شابه ذلك من أمور تتعلق بها، وليس لنا من أمل في زيادة علمنا بها غير الترقب والانتظار، فلعل يقظة العرب توليّ تأريخ العرب القديم ما يستحقه من عناية ورعاية وبحث، فيجدّون في تتبع مواطن الاثار الغنية المطمورة لاستخراج دفائنها التأريخية الثمينة التي تظهر لنا أموراً كثيرة من تأريخ تلك الأيام وقد عثر في بصرى وفي مواضع من المنطقة التي عرفت ب "المقاطعة العربية" "الكورة ألعربية" على نقود معظمها من نقود الرومان واليونان، كما عثر على نقود نبطية. ويذهب بعض الباحثين في النصّيات، أن الملك "الحارث الثالث" "87 - 62 ق. م."، هو أول ملك نبطي، أمر بضرب النقود، أخذ السكة من اليونان أثناء استيلائه على دمشق. وقد عثر على نقد من فئة "دينار" طبع عليه رمز يمثل اتفاق الحارث و "سكاورس" وصورة جمل وشجرة. وعثر على نقود أمر "الحارث" هذا بضربها، تشبه النقود التيّ ضربها "ديمتريوس الثاني ?" "الثالث" Demetrius Eukairos III بمدينة "دمشق" شبهاً كبيراً، ولهذا يرى الباحثون أنها تقليد ومحاكاة لها. ولم يصل الينا نقد من نقوده يحمل كتابة مدوّنة بالنبطية.
وجاد "عبادة" الثالث من ملوك النبط علينا بقطع من النقود، يرى الملك على أحد وجهيها ومعه صورة امرأة يظن انها صورة أمه، وانها تشير إلى مبدأ حكمه إذ كان قاصراً، فكانت أمه تدير الملك باسمه نيابة عنه، وذلك بالنسبة إلى النقود التي ضربت في أوائل أيام الحكم، وأما في النقود المتأخرة، فإنها صورة زوجته، التي كانت تساعده وتؤازره. وتشاهد صورة نسر واقف قابض على جناحيه في الوجه الثاني من أحد النقود، وعلى طرفي الصورة كتابة، وصورة رأس رجل ني القطعتين المرقمتين "7" و "8" يرى انها رأس الملك وعلى طرفي الصورة كتابات نبطية وتأريخ الضرب.
وتعدّ النقود التي ضربت في أيام "الحارث" الرابع من خير ما ضرب من النقود في أيام النبط، ولم يعثر على نقد له ضرب في مدينة "دمشق" في المدة التي استولى فيها على تلك المدينة، وقد ضرب بعضها باسم الملك وباسم زوجته "خلدو" "خلد"، زوجته الأولى. وصورت صورة زوجته هذه على النقد، وضرب بعضها باسمه وباسم زوجته الأخرى "شقيلة" وطبعت صورتها على النقد كذلك. وضرب بعض اخر باسم الملك وحده، وهي مختلفة: بعضها من الفضة، وبعض آخر من البرونز، وعلى عدد منها تأريخ الضرب.
وضرب ام "شقيلة" الثانية ملكة النبط مع اسم الملك "ملكو" "مالك" الثاني في نقد وصل الينا. وقد وصفت في النقود بأنها أخته. أما القطع التي وصلت الينا، فبعضها مصنوع من الفضة وبعض آخر من البرنز، وعلى نقوده شيء من التبديل والتغيير عن النقد الذي ضرب في أيام " الخارث" الرابع. وتبورك في بعض النقود مثل نقود "بصرى" بضرب صور الالهة أو نعوتها أو رموزها على النقود، فقد ضرب نعت الإلهَ "دو شرى" "ذو الشرى" على نقد ضرب في "بصرى". كما أشير إلى هذا الإلهَ في نقد ضرب ب "بصرى" بتصوير منظر من مناظر الاحتفالات السنوية التي كانت تقْام في كل عام اكراماً له، وتعرف ب"Actia Dusaria". أما آلهة المدينة التي ضربت صورتها على بعض النقود، فتشبه صورتها صورة "عشتاروت" "عشتروت" المعروفة بفلسطين وفينيقية. ويظهر أنها "اللات". وتشبه في بعض النقود صورة "أثينة"، وقد دعيت ب "Tyche" هي "اللات" عند أهل حوران. وعثر في جزيرة "فيلكَا" على نقود يونانية من بينها درهم ضرب في عهد الملك "انطيوخس" الثالث من ملوك السلوقيين، ويعود تأريخ هذا الدرهم إلى حوالى السنة "212" قبل الميلاد. وتبين أن بعض الدراهم قد ضرب في "جرها" "Gerhha" ، "الجرعاء"،كما عثر على نقود ضربت من النحاس، تبين أن قطعة منها ضربت في عهد "سلوقيوس" الأول، ضربها باسم الملك "الاسكندر" الأكبر، وأن قطعتين منها ضربتا في أيام "انطيوخس" الثالث. فهي تعاصر الدراهم المذكورة.
أما اهل الحجاز، فقد تعاملوا بالنقود الرومية والساسانية: تعاملوا بالدنانير، وتعاملوا بالدراهم، وتعاملوا بالدانق. وتعاملوا بنقود أهن اليمن، ولعلهم كانوا يتعاملون بنقود أهل الحبشة كذلك. فقد كان أهل مكة خاصة تجاراً يتاجرون مع اليمن ويتاجرون مع العراق وبلاد الشام والحبشة. وتجارتهم هذه تجعلهم يستعملون مختلف النقود.
ولم يرد في الأخبار ما يفيد قيام أهل العربية الغربية أو أي مكان آخر في جزيرة العرب بضرب النقود الجاهلية فيها، لكن ذلك لا يمنع من احتمال عثور النقّابين في المستقبل على نقود محلية ضربت في مكة أو في الطائف أو في يثرب أو في مكان آخر ولو على نطاق ضيق محدود.
وكان تعامل أهل مكة بالدنانير، ترد اليهم من بلاد الشام، ولا سيا دنانير هرقل. وبالدراهم الفارسية البغلية فكانوا لا يتبايعون إلا على أنها تبر.
وكان المثقال عندهم، معروف الوزن، وزنه اثنانْ وعشرون قيراطاً إلا كسراً، ووزن العشرة دراهم سبعة مثاقيل، فكان الرطل اثنتي عشرة أوقية. وكل أوقية أربعون درهماً. فأقر رسول الله " ذلك ومن جاء بعده إلى أيام "عبد الملك بن مروان"، فأمر أن تضرب الدراهم على خمسة عشر قيراطاً من قراريط الدينار.
وذكر أن الدنانير التي كانت ترد مكة في الجاهليهَ رومية، والدراهم كسروية.
وقد اشْتهرت دنانير "هرقل"، وعرفت ب "الهرقلية" حتى انها كانت تسمى الدنانير عامةّ "الهرقلية"،و الظاهر إن ذلك بسبب كونها مجلوة مطبوعة طبعاٌ حديثاً، لم تطمس أثارها ولم يمض زمن طويل عليها،أو لأن العرب حصلت في عهده على أكثر دنانيرها، فنسبتها اليه.
والدينار عملة من الذهب، عرف علماء اللغة أنها من الألفاظ المعربة، ولكنهم لم يتأكدوا من أصلها، فذهبوا إلى أنها من أصل فارسي. وهي معربة من أصل يوناني هو "ديناريوس" "Dinarius" مختصر Dinarius Aureus "Aureus Denarius"كما جاء ذلك في تأريخ "بلينيوس"، والظاهر أن العرب استعملوا التسمية التي كانت شائعة في بلاد الشام، منذ عهد إصلاح "قسطنطين" الأول "309 - 319 م" لنظام النقد. فأطلقوا على العملة الذهب لفظة دينار.
وقد كان أهل الشام قد اقتصروا على لفظة Dinarius منذ ذلك العهد. وقد ورد ذكر الدينار في القرآن الكريم: )ومن أهل الكتاب مَنْ إن تأمنه بقنطار يؤده اليك، ومنهم من إن تأمنه بدينارّ لا يؤده اليك إلا ما دمت عليه قائماً(. والقنطار وزن. وتأويل الكَلام أن من أهل الكتاب الذي إن تأمنه على عظيم من المال كثير يؤده اليك ولا بخنك فيه ومنهم الذي إن تأمنه على دينار يخنك فيه، فلا يؤده اليك إلا بالتقاضي والمطالبة.
ويعرف "الدينار" ب "العين". والعين الذهب عامة ، فكأنهم سموا عيناً، لأنه من ذهب.
وقد فكر المسلمون قبل "عبد الملك بن مروان" في موضوع النقود، وفي ضرورة تحويلها إلى نقد اسلامي. وكان "عمر" في جملة من فكر في ذلك.
انه أراد أن يجعل الدراهم من جلود الإبل، فلما استثار ذوي الخبرة، لم يقروه على رأيه فأمسك. وذكر انه امر بضرب الدراهم، فضربت سنة ثماني عشرة من الهجرةْ. وضرب "عثمان" الدراهم كذلك. ثم إن معاوية ضرب الدراهم السود، وضرب أيضاً دنانير عليها تمثال متقلد سيفاً. وضرب "زياد" النقد كذلك. ولما قام "عبد الله بن الزبير" بمكة ضرب دراهم مدورة. وكان أول من ضرب الدراهم المستديرة. وضرب "مصعب بن الزبير" دراهم بالعراق، ثم غيرها "الحجاج"، حتى استقر الأمر لعبد الملك، فعرب النقد على نحو ما هو معلوم.
وقد بقي العرب يتعاملون بالدنانير الرومية إلى أيام عبد الملك،.حيث أمر بضرب الدنانير، فضربت بدمشق. وقد نعت الدينار الجديد ب "أحرش" إذا كانت فيه خشونه لجدته. ومنه الحديث إن رجلاً أخذ،من رجل آخر دنانير حرشاً، وهي الجياد الخشن الحديثة العهد بالسكة التي عليها خشونة النقش. ومن أسماء الدينار "السكِيَ".
وقد ذكر علماء اللغة أن لفظة الدرهم فارسية الأصل، وقد عربت، وقالوا في جمعها دراهم ودراهيم. وهو نقد من الفضة. وقد عرف ب "درم" Diramفي الفارسية وب "درخمة" "درخما" Drachma في اليونانية. والظاهر ان العرب اخذوا بالتسمية الفارسية. وقد استعملوا في تعاملهم دراهم الفرس ودراهم اليونان.
وأشير إلى الدراهم في الآية: )فشروه بثمن بخس دراهم معدودة، وكانوا فيه من الزاهدين(0. ويذكر المفسرون أنه كان من عادة الجاهليين التعامل بوزن الدراهم بالأواقي إن زاد عددها على وزن أوقية أو كان وزن الأوقية أربعين درهماً. فما نقص عن هذا المقدار،جرى التعامل، عليه بالعدد، وما زاد عليه جرى التعامل عليه بالوزن.
وكانت الدراهم مختلفة كباراً وصغاراً، فكانوا يضربونها مثقالاً، وهو وزن عشرين قيراطاً، ويضربون عشرة قراريط، وهي أنصاف المثاقيل. وكان أهل الجاهلية يتعاملون بها حسب وزنها. وهي دراهم الأعاجم.
وقد قسمّ العلماء الدراهم التي كان يستعملها الجاهليون من أهل مكة وغيرهم إلى نوعين: الدراهم السود الوافية، والدراهم الطبرية العتق. والوافية هي البغلية.
وكان لهم دراهم تسمى "جوراقية". والدرهم الطبري: ثمانية دوانق، والدرهم البغلى: أربعة دوافق، وقيل العكس. والدرهم الجوراقي: أربعة دراهم ونصفْ.
وورد إن الدراهم كانت في أيام الفرس مضروبة على ثلاثة أوزان: منها درهم على وزن المثقال عشرون قيراطاً، ودرهم وزنه عشرة قراريط ودرهم وزنه اثنا عشر قيراطاً.
وعرفت دراهم الأكاسرة ب"دراهم الأسجاد". قيل انها عرفت بذلك، لأنها كانت عليها صور يسجدون لها، وقيل: كانت عليها صورة كسرى، فمن أبصرها سجد لها، أي طأطأ رأسه لها وأظهر الخضوع. وإياها عنى الأسود بن يعفر النهشلي في روابة من الروايات بقوله: من خمر ذي نطف أغنّ منطق وافى بها كدراهم الأسـجـاد
وذكر في رواية أخرى، إن الأسجاد: اليهود والنصارى، أو معناه الجزية. وكان الفرس، عند فساد أمورهم فسدت نقودهم من العين والورق غير خالصة، إلا انها كانت تقوم في المعاملات مقام الخالصة وكان غشها عفواً لعدم تأثيره بينهم الى أن ضربت الدراهم الاسلامية فتميز المغشوش من الخالص.
وورد انه كانت باليمن دراهم صغاراٌ، في الدرهم منها دانقين ونصف. وورد إن الدرهم اليمني كان دانقاً. ويظهر انه كان من أيام الحميريين، بدليل تسمية "الماوردي" لهذه الدراهم بدراهم حميرية، وكانت كما يقول قليلة. وعلى هذا يكون أهل مكة قد تعاملوا في الجاهلية بعملة الروم،وبعملة الفرس، وهي الدراهم على الأكثر، وبعملة اليمن، وأشار بعض العلماء الى عملة مغربية، لم يذكروا عنها شيئاً.
وذكر أن "عمر بن الخطآب"، أمر بضرب الدراهم على نقش الكسروية، وشكلها بأعيانها، غير أنه زاد في بعضها: "الحمد لله"، وفي بعضها: "محمد رسول الله"، وفي بعضها، "لا إله إلا الله وحده". وكان ذلك سنة ثماني عشرة من الهجرة. وفي آخر مدة عمر وزن كل عشرة دراهم ستة مثاقيل. فلما بويع "عثمان" ضرب في خلافته دراهم نقشها: "الله أكبر".
وفي عهد "معاوية"، ضرب الدراهم السود الناقصة من ستة دوانق، فتكون خمسة عشر قيراطاً، تنقص حبة أو حبتين. وضرب منها "زياد"، وجعل وزن كل عشرة دراهم سبعة مثاقيل، وكتب عليها، فكَانت تجري مجرى الدراهم. ولما قام "عبد الله بن الزبير" بمكة ضرب الدراهم مدورة، وكان أول من ضرب الدراهم المستديرة، وكان ما ضرب منها قبل ذلك ممسوحاً غليظاً قصيراً، فدورها عبد الله. وضرب مصعب بن الزبير دراهم بالعراق، جعل كل عشرة منها سبعة مثاقيل. فلما استوثق الأمر لعبد المْلك بن مروان ضرب الدنانير والدراهم في سنة ست وسبعين من الهجرة.
وجاء في رواية أخرى أن أصحاب رسول الله كانوا يتعاملون بدراهم العجم، فكان إذا زافت عليهم أتوا بها السوق، فقالوا: من يبيعنا بهذه? وذاك أنه لم يضرب النبي، ولا أبو بكر، ولا عمر، ولا عثمان ولا علي ولا معاوية. وأن أول من ضرب المنقوشة عبد الملك بن مروان. ونجد بين العلماء اختلاف في أول من أمر بضرب الدنانير والدراهم في الإسلام.
وذكر بعض أهل ألأخبار، أنه كانت لقريش، أوزان في الجاهلية، فدخل الإسلام، فأقرت على ما كانت عليه، كانت قريش تزن الفضة بوزن تسميه درهماً، وتزن ألذهب بوزن تسميه ديناراً، فكل عشرة من أوزان الدراهم سبعة أوزان الدنانير. وكان لهم وزن الشعيرة وهو واحد هن الستين من وزن الدرهم، وكانت لهم الأوقية وزن أربعين درهماً، النش وزن عشرين درهماً، وكانت لهم النواة وهي وزن خمسة دراهم، فكانوا يتبايعون باًلتبر على هذه الأوزان.
وقد أقرهم الرسول على ذلك. وكانوا يحتفظون بالأوزان المقررة، حتى إذا حدث اختلاف على الوزن، رجعوا إلى الوزن المقرر المعتبر. وكان "أبو وداعة ابن ضبيرة السهمي" يمتلك وزن مثقال في الجاهلية، يوزن به.
وقد كانوا يثلمون أطراف الدينار والدرهم، أو بقطعونها قطعاً، فيتعاملون بالقطع حسب الوزن، ويفعلون ذلك غشاً، كما كَانوا يكسرون النقود، لتأكد من صحة معدنها، أو لتحويل الدنانير الى تبر. وقد نهى في الإسلام عن التلاعب بالعملة، مثل قرضهم اطراف الدراهم والدنانير بالمقراض، لغرض الاستفادة من تلك القراضة، اذ يجمعونها فيسكبونها، فيخرجون بذلك النقد المقروض عن سعره.
والدرهم إذا عدل المثقال، فهو درهم وأف، وهو الذي لا يزيد ولا ينقص بل وفي بزنته.
وأطلق علماء اللغة على الدرهم لفظة "الورق"، على الموسر الماك للدراهم المورق، وسموّا الفضة وَرقاً. وقد وردتَ اللفظة في نصوص المسند، وكأنها نوع من أنواع العُمل، أَو وزن. فورد "خمسي، ورقم"، أي "خمسين ورق"، و "عشر ورقم"، أي "عشر ورق"، فكأن لفظة "ورق" هنا اسم علم لنوع معين من العملة، أو وزن معين وعيار كان معروفا عندهم. وذهب بعض العلماء إلى إن الورق: الذهب. وهذا التفسير ينطبق مع ما ذهب اليه المستشرقون من أن لفظة "ورق" في المسند،تعني ذهباَ ولو فسرناها بهذا المعنى ايضاً، فإن ذلك لا يمنع من أن يكون المراد من "ورقم" عملة خاصة ضربت من ذهب. وارجح إن المراد منها عملة خاصة عرفت بهذه التسمية. وذكر بعض العلماء أن "الورق: المال، ورجل و راق كثير المال. والدراهم بعينها والفضة.
وأطلق أهل الحجاز على الدرهم والدينار لفظة "الناض"، وذلك إذا تحول عينا بعد أن كان متاعاً. وفي حديث "عمر" كان يأخذ الزكاة من ناض المال، وهو ما كان ذهبا أو فضة، عيناً أو ورقا. وقالوا إن النض هو الدرهم الصامت. أما إذا كان الدرهم رديئاً، فيعبرون عنه بلفظة " بهرج" و "قسيّ". فيقولون درهم بهرج، أي رديء، وكل مردود عند العرب بهرج ونبهرج. وذكر بعض العلماء أن اللفظة فارسية من "نبهرة"، وأنها بمعنى الباطل والرديء،والدرهم البهرج الذي لا يباع به لرداءته، والذي فضته رديئة وكل رديء من الدراهم وكل مردود عند العرب بهرج.
وتعرف الدراهم ب "قطاع" بلغة هذيل.
ودرهم زائف مغشوش، مردود لغش فيه. يقال درهم زيف وزائف. وزاف فلان الدراهم جعلها زيوفاً. ودراهم فسول، دراهم زائفة، وأفسل عليه دراهمه، إذا زيفها. "ومنه حديث حذيفة انه اشترى ناقة من رجلين وشرط لهما من النقد رضاهما فأخرج لهما كبساً فأفسلا عليه، ثم أخرج كيساً فأفسلا عليه، أي أرذلا وزيفا منها. وأصلها من الفسل وهو الرديء الرذل من كل شيء". وكان "عبد الله بن مسعود" يكسر الزيوف وهو على بيت المال.
ويعبر عن الدراهم الموزونة ب "دراهم مجربة"، لأنها مجربة. وقد ظهر من التجربة انها صحيحة غر منقوصة.
وقد ورد فى الأخبار، إن الخمسمائة درهم، كانت تعادل في أيام النبي اثنتي عشرة أوقيه ونش. وأن الدرهم سبعة دوانيق، وكل عشرة دراهم سبعة مثاقبل. و "النش" نصف أوقية ، وهو عشرون درهماً، لأنهم يسمون الأربعين درهماً أوقية، ويسمون العشرين نشاً، ويسمون الخمسة نواة.
وقد ذكر علماء اللغة نقداٌ دعوه "النميّ"، وقالوا إنه الدرهم الذي فيه رصاص أو نحاس، وقال بعض آخر إنه الفلس من الرصاص بالروميةّ، وكانت بالحرة على عهد النعمان بن المنذر. قال النابغة أو أوس بن حجر: وقارفت وهي لم تجرب وباع لها من الفصافص بالنمي سفسـير
و"الدانق" من الأوزان ومن النقد. وهو " داناق"، أيضاً، من أصل فارسي هو "دانك" في الفهلوية، ومن dang و "دانك" danak في الفارسية، وهو "دنك" في الارمة. وهو يعادل سدس الدينار أو سدس درهم. وكان معروفاً عند أهل مكة في الجاهلية.
أما "الفلس"، فلفظة لاتينية يونانية الأصل، عرّبت من أصل Follis اللاتيني، ويراد بها نقود مسكوكة من النحاس. وقد استعملها العرب في تعاملهمواحتفظوا باًلأصل الأجنبي. وقد كان الفلس في أيام القيصر "أنستاس الأول" "أنسطاسيوس الأول" "491 -518م" زهاء ثلثين غراما ووسم بالحرف M. وظهرت بعد ذلك فلوس بأوزان تقل عن هذه. ولما ضرب المسلمون النقد، كانت الفلوس في جملة ما ضرب من نقد.
وذكر بعض أهل الأخبار إن "القيراط" جزء من الدينار أو الدرهم. وقد ذكر "القراط" في الحديث. في حديث رعي الرسول غنم قريش وفي احاديث أخرى. وذكر بعض العلماء إن العرب لم تكن تعرف القيراط الذي هو من النقد. وذكر "ابن الأثر" إن القيراط جزء من أجزاء الدينار، وهو نصف عشرة، ويظهر أن منهم من كان ستعمله وزناً، ومنهم من جعله جزءاً من الدنانير والدراهم.
ريم âيه ôîًَىà   رد مع اقتباس
قديم 10-02-2007, 08:24 AM   #112 (permalink)
عضو
 
تاريخ التسجيل: Mar 2007
العمر: 27
المشاركات: 3,982
Rep Power: 349
ريم will become famous soon enough ريم will become famous soon enough
الفصل الثاني عشر بعد المئة

الفصل الثاني عشر بعد المئة
الصناعة والمعادن والتعدين



الصناعة حرفة الصانع وعمله الصنعة. ورجل صنع، حاذق في الصنعة، وعماد الصانع على يديه، يستعملها في صنع الأشياء، كما يعتمد على ذكائه في تحويل الأشياء إلى أشياء أخرى أهم منها أو أي شيء آخر يريده أو يطلب منه.وهو بالطبع من أهم العناصر المنتجة اللازمة في الحياة الاقتصادية، فهو محور الانتاج، وعلى قدر انتاج أمه، يِقاس غناها ومقدار تقدمها في الحياة وتكون منزلتها بين الشعوب. فبالصناعة يتم تحويل المواد الخام، الفائضة عن الحاجة، إلى مواد أخرى أفيد منها، لستهلك في الأسواق المحلمة، أو تباع في الأسواق الخارجية.
والحرِفة، الطعمة والصناعة التي يرتزق منها، وهي جهة الكسب. وكل ما اشتغل الإنسان به وضرى به، أي أمر كان فإنه عند العرب يسمى "صنعة" و "حرفة". يقولون: صنعه فلان أن يعمل كذا، وحرفة فلان أن يفعل كذا، يريدون دأبه وديدنه. ذكر أن "علي بن أبي طالب"، قال: "إني لأرى الرجال، فيعجبني، فأقول، هل له حرفة ? فإن قالوا: لا سقط من عيني".
و "المهنة"، عند العرب الحذق بالخدمة وللعمل. وامتهنه: استعمله للمهنة وابتذله، والماهن: العبد والخادم. والمهنة العمل، والعامل هو الذى يقوم بعمل ما، والعملة العاملون بأيديهم، وهم الذين يرتزقون بعمل ايديهم. والعمالة رزق العامل الذي جعل له على ما قلد من العمل ومن العملة: العاملون في طين، أو في حفر، أو في بناء أو غير ذلك. وعامله معاملة سامه بعمل. والاعتمال الذين يقومون بما تحتاج اليه من عمارة وزراعة وتلقيح وحراسة ونحو ذلك. وما يعطاه العامل من أجر العمل هو "العملة".
وأغلب العَمَلة فقراء لا يملكون في شيئاً، رزقهم بعملهم، فإذا مرض أحدهم أو أصيب بعاهة انقطع رزقه. ثم إن أجورهم قليلة وأرزاقهم من عملهم شحيحة، ولذلك كانت حياتهم ضنكة. عليهم العمل قدر الإمكان لإعاشة أنفسهم وذويهم، والمشي على أرجلهم بحثاً عن عمل. ولهذا فلا عجب إذا ما عرفوا ب "بني عمل". و "بنو عمل" المشاة على أرجلهم من المسافرين. الذين وصفهم أحدهم الأعراب فقال: يحث بكراً كلما نـص ذمـل قد احتذى من الدماء وانتعـل
ونقب الأشعر منـه والأظـل حتى أتى طل الأراك فاعتزل
وذكر الله وصـلـى ونـزل بمنزل ينزله بـنـو عـمـل
لا ضفف يشغله ولاثقل والحرف، أي العمل باليد من الأمور المستهجنة عند الأعراب، وعند أكثر العرب أيضاً فلا يليق بالعربي الشريف الحرّ، أن يكون صانعاً، لأن الصناعة من حرف العبيد والخدم والأعاجم،والمستضعفين من الناس. وقد سبق أن تحدثت عن مكانة الصناع في المجتمع، وعن ازدراء الناس لهم، على الرغم من احتياجهم اليهم، وكونهم الطبقة المنتجة المثمرة في المجتمع وأن أيديهم هي التي تصنع ما يحتاج الإنسان اليه من حاجات، ومدحهم الرجل الصنع اليد، بقولهم: "رجل صنع اليدين". أي حاذق ماهر في الصنعة مجيد من قوم. صنعى الأيدي،حتى أنهم كانوا إذا وصفوا انساناً باًلبلاغة، قالوا: رحل صنع اللسان، ولسان صنع. قال الشاعر حسان بن ثابت: أهدى لهم مدحى قلب يوازره فيما أراد لسان حائك صنـع
ولا تقوم صناعة، إلا في مكان تتوفر فيه امكانياتها من استقرار وأمن، ومن وجود حاجة إليها، ومن توفر المواد الأولية فيها، والمواد الخام اللازمة لها. ومعنى هذا وجود مكان حضري. أما البداوة، فحاجاتها الى الانتاج قليلة، لسذاجة الحياة وبساطتها فيها. ولهذا تكون الصناعة فيها بسيطة، بساطة تتناسب مع بساطة ذلك المجتمع البدوي، ودرجة بداوته، ولهذا تفاوتت مستويات الصناعة البدوية، يتفاوت مستوى البداوة، وبتفاوت درجة حاجاتها الى الأشياء. فالبداوة المنعزلة عن الحضارة التي قل، اتصال أبنائها بالحضر، وبالعالم الخارجي، وشحت خيراتها ومواردها الأولية، لا يمكن أن تظهر فيها صناعة متطورة، ولا يعقل نموّ عمل مزدهر فيها، لانعدام الموارد الطبيعية المغذية للعامل، وللسادة أصحاب المال، ولعدم وجود حاجة إليها مع تلك البداوة القانعة بالبساطة في الحياة. ومن هنا في، أن الصناعة، لم تتطور، إلا في المجتمعات المتطورة،التي توفرت فيها امكانيات التصنيع، وشعرت بضرورة الاستفادة من الثروات الطبيعية المتوفرة لديها بتصنيعها، أي بتحويلها إلى موارد أخرى يحتاج إليها، وتوفرت فيها الوسائل اللازمة لظهور الصناعة والمجتمعات البسيطة كانت من البداوة أو البدائية، فإنها لا تخلو من وجود صناعات بها. صناعات بدائية ، هي من ناتج حاجات ذلك المجتمع، وناتجها يتناسب بالطيع مع حالة تلك البداوة. ولا يصح نفي وجود الصناعة بها.
وقد لعب الرقيق والموالي دورا كبيرا في أعمال الحرف والزراعة في جزيرة العرب. إذ استخدموا في التعدين وفي الزرع. وقد ذكر "الهمداني " أنه كان بمعدن "شمام" ألوف من المجوس الذين يعملون المعدن، حتى أنه كان لهم بيتا نار يعبدان في ذلك المكان. وذكر أنه كان ب "جهران" قوم من وضيع تبع، أي من الطبقة الوضيعة، وكذلك ب "قتاب"، حيث نسبوا إلى "تبع" قوله: فسكنت العراقَ خيارَ قومي وسكنَت النبيط قرى قتاب
وكان بمدينة العقيق، وهي معدن،مائتا يهودي. ولم يذكر "الهمداني" متى كانوا هناك ولا سبب وجودهم بهذا الموضع، للاتجار أو للعمل بالمعدن.
وقد نتج من هجرة الأجراء والصناع إلى القرى والمدن اختلاط في السكان، لا يحدث مثله عند أهل الوبر. وهو مما جلب ازدراء الأعراب على الحضر، فكان سكان "ذمار" جمع من حمير ومن أنفار من الأبناء. وكان أهل "جهران" من بطون حمير، وقوم من وضيع تبع. وقد استعمل الهمداني لفظة "أخلاط" للتعبير عن اختلاط سكان موضع ما، ووجود عناصر متباعدة فيه لا ترجع إلى قبيلة واحدة. واستعمل لفظة "خليط" كذلك، لأن مدن اليمن وقراها كانت خليطاً من بطون ترجع إلى عشائر مختلفة. وهي سمة الحياة الحضرية حيث يفد الناس إلى مواضع الحضارة من مختلف البطون والعشائر.
وقد استعمل "الهمداني" لفظة "لخوم العرب" في معنى بطون العرب،وكذلك لفظة "طخوم" في المعنى ذاته. وذلك في اثناء حديثه عن المواضع التي اختلط فيها للسكان لوجود فرص العمل بها والرزق الوافر الجزيل.
الإجارة
والأجر والأجرة يقال فيما كان عن عقد وما يجري مجرى العقد، والأجارة ما أعطيت من أجر في عمل. وهي شرعاً عقد على منفعة مقصودة معلومة قابلة للبذل والإباحة بعوض معلوم. وهي واسعة تشمل نواحي متعددة من فروع الاستئجار. والأجر، من يشتغل لغيره في مقابل أجر يدفع له. والأجرة، الكراء. وهو ما يعطى الأجير في مقابلة العمل. منهم من يشتغل في الحرف، مثل النجارة والحدادة والبناء وأمثال ذلك، ومنهم من يشتغل في الزراعة، ومنهم من يستأجر لأداء أعمال لأجل، مثل خدمة القوافل، أو حراسة زرع وما شابه ذلك، فاذا انتهى الأجل انتهى العمل.
وما يدفع إلى الأجر في مقابل عمله، يتوقف على الشروط التي اتفق صاحب الأرض مع الأجير عليها. فقد يكون الأجر نقداً، ويقال لذلك "ورقم" "ورق" في لغة المسند. وهو في القليل، لقلة النقد آنذاك. وقد يكون حصة، أي نصيباً يتفق عليه مع الملاك يؤخذ من الحاصل، وقد يكون مقايضة، بأن يدفع للاجير ما يحتاج اليه في حياته من ملبس أو غذاء،او حيوان، وأمثال ذلك، في مقابل جهده وتعبه.
ومن ذلك استئجار الإنسان للقيام بتنفيذ عقد يحدد ويبين ويتفق عليه" كأن يقوم برعي النعم والماشية مقابل مبلغ من مال أوشيئاً آخر يتفق عليه، كالذي روي من أن الرسول رعى غنم قريش على قراريط، 0 أو استئجار شخص أو أشخاص للعمل في سفينة أو في أرض او لارشاد قافلة أو نفر إلى طريق للوصول إلى موضعه. أو استئجار رجل يعمل عملاً محدد بأجل، أي بوقت، كأن يحدد بالساعات أو النهار أو الليل كالحراسة أو أياماً أو شهوراً أو سنة او أكثر آو بغير أجل موقوت. أو استئجار رجل للقيام بعمل محدود معين كالغزو، أو الحمل، أي أن يحمل حملاً ينقله إلى موضع يعين له. أو ينقله من مكان إلى مكان.
ومن ذلك استئجار النبي "عبد الله بن أريقط" من "بني الديل"، ثم من "بني عدي" ليكون هادياً للطريق يوصله إلى يثرب، فساحل به وبأبي بكر وبعامر بن فهيرة، حتى بلغ يثرب. وكان قد ساحل، لأن أهل مكة كانوا يتبعون طريق "بدر" إلى المدينة، أراد التخلص بذلك من تعقيبهم" واستئجار المقاتلين، للقتال عنهم. فقد كان أحدهم يعتذر عن المشاركة بنفسه في القتال لوجود أسباب مانعة، فيرسل غيره للقتال عنه، يدفع اليه أجراً عن ذلك.
و "الكروة" و "الكراء" أجرة المستأجر. والمكاري، هو الذي يكري دابته لغيره، في مقابل "كروة". والمكارين، هم الذين يكرون دوابهم، وتدخل الإبل فيها، فقد كان من أصحاب الإبل من يكاري إبله للتجار ولغيرهم تنقلهم إلى مسافات بعيدة أو قريبة.
ويستخدم الملاكون وسادة لأرض الأجراء ممن لا أرض لهم ولا مال لديهم يحصلون به على أرض يستغلونها، في الاشتغال بأرضهم وبمزارعهم لإصلاحها وزرعها وبنائها. ويعرف هؤلاء ب "ملجا" في بعض نصوص المسند. واللفظة من أصل "لجا" التي هي لجا في عربيتنا. ويقيم اللاجىء في ملجئه ويتمتع بحماية صاحبه وسيده ما دام فيه، يزرع ويبني لسيده في مقابل هذه الحماية التيّ يتمتع بها والحماية التي تحميه من أي ظلم أو اعتداء.
ويعبر عن الأجراء الذين يستخدمهم الملاّكون في زراعة الأرض واستغلالها مقابل أجر يدفع لهم بلفظة "اجرم" في المسندْ. أي أجير وأجراء. والأجراء جماعة كبيرة، تنقلت من ملك إلى ملك، ومن خدمة سيد إلى خدمة سيد آخر، لتخدم ملاّكاً في مقابل أجر يتفق عليه، وعقد يبرم بين المالك والأجير، فإذا انتهى العقد أو العمل، أو رأى المالك انتفاء الحاجة إلى خدمة الأجير، أنهى عمله. وقد كان الأجراء طبقة بائسة لا تملك شيئاً غير عمل يدها، ولهذا كانت مضطرة بحكم فقرها هذا إلى التنقل من مكان إلى مكان للحصول على عمل تقتات منه فكانت من جملة المشكلات الاجتماعية التي تعرضت لها حكومات جزيرة العرب في ذلك الهد.
وجاء في أحد النصوص المعينية: "كل معنم حرم واجرم"، أي: "كل معين أحرار وأجراء". ويقصد ب "كل معين" كل شعب معين. فقسم هذا النص شعب معين إلى أحرار، والى أجراء. وهم أكثر حرية من "الأدم"، أي "العبيد" والرقيق، لأنهم في مشتغلون بأجر وبعقود يتفقون عليها، فاذا انتهى العقد، أو حصل خلاف،جاز للاجير الانتقال الى موضع آخر، أو إلى صاحب محل آخر للعمل لديه، على حين لا يجوز للعبد فعل ذلك، لأنه ملك يمين.
ومن أجراء الزراعة أجراء "المحاينة"، يؤدون خدماتهم موسم الحصاد،. وينالون أجرهم في مقابل حصاد الحصاد، حسب ما اتفق عليه. فهم يحصدون الزرع وينقلونه مع سنبله إلى موضع تجميعه. ويكون ذلك في المزارع الكبيرة التي تحتاج إلى اعداد كبيرة من حصاد الزرع.
واليمن، هي في مقدمة أجزاء جزيرة العرب في الصناعة، ولا نكاد نجد في جزيرة العرب مكاناً يسبقها فيها. وهي الأولى في الانتاج أيضاً. وقد عرفت منتجاتها في كل موضع من بلاد العرب. وهي المكان الوحيد فيها، الذي زادت صادراته فيه على وارداته، وكان مستواه المعاشي فيه أعلى من المستوى المعاشي لبقية أجزاء جزيرة العرب. وكان مستهلكاً ومنتجاً، لحاجته إلى الاستهلاك. ثم هو المكان الوحيد، الذي نجد فيه التمايز الطبقي، والعنعنات الطبقية واضحة ظاهرة، لتباين الظروف المعاشية التي عاشت فيها طبقات المجتمع، فأسياد أغنياء، وطبقات وسط، وطبقات فقيرة معدمة، لا تجد رزقها إلا بشق الأنفس.
ولم تبرز صناعة اليمن في نوع واحد أو في صنف معين، بل برزت في كل نوع من انواعها المعروفة في ذلك العهد، والتي دعت الحاجة إلى ظهورها، والتي وجدت موادها الأولية فيها. مثل صناعة الحديد واستخراج المعادن، وتحويلها إلى مصنوعات، والنجارة و الحياكة، والدباغة، والأصباغ والصموغ، وغير ذلك من صناعات اشتهرت اليمن بها وارتبط اسمها بها.
و "الذهب" هو "ذهبن" في لغة المسند، أي "الذهب". ويقال له التبر أيظاً. وذكر أن "التبر" الذي في المعدن، والذي لم يخرب ولم يصنع. ومن أسمائه "العسجد". وقيل العسجد اسم جامع يطلق على الجوهر كله كالدر والياقوت. وذهب "ابريز"، بمعنى خالص. و "العقيان"، الذهب الخالص، أو الذهب الذي لا يستذاب من الحجارة، وإنما هو ذهب ينبت نباتاً. مما يدل على أنهم يقصدون وجود حبيبات منه خالصة في معادنه، يجمعونها، فيحصلون عليه من غير نار ولا اذابة حجر. وكانوا يطحنون أحجار الذهب،ويذرون تراب المعدن، لاستخلاص الذهب منه. يقال: "ذريت تراب المعدن، طلبت ذهبه". ويقال لتراب الذهب "السحالة"، وهي أيضاً قشر البر والشعير والأرز. وكانوا يضعون المعدن في التنور ليميع، ثم يجعلونه في "الكوج"، ليتخلص المعدن وينقى من الشوائب.
وقد ذكر الجغرافيون العرب أسماء مواضع عرفت بوجود خام الذهب بها، مثل موضع "بيشة" أو "بيش"، وقد كان الناس يجمعون التبر منه، ويستخلصون منه الذهب. و "ضنكان"، وكان به معدن غزير من التبر. والمنطقه التي بين القنفذة ومرسى". حلج". وورد أن ب "بيش" عدة معادن. وذكر "الهمداني" أن بقرية "بنات حرب" شيء من الذهب. وأن معدن "صعاد"، وهو من ديار "عقيل" هو أغزر معدن في جزيرة العرب، وهو الذي ذكره الرسول في قوله: "مُطرت أرض عقيل ذهباً". مما يدل على أنه كان معدن ذهب. وقد ذكر بعض العلماء -أن العرب تسمي معدن الذهب "خُزيَبة".
ومن معادن الذهب، معدن "القفاعة"، ومعدن "الأحسن"، "الحسن" وهو معدن لبني كلاب، من أول عمل المدينة وأدنى عمل المدينة إلى اليمامة. ومعدن "المؤخرة" ، وهو من مياه "بني الأضبط" من بني كلاب. وهو معدن ذهب وجزع أبيضْ، و "ثخب"، وهو جبل بنجد لبني كلاب، عنده معدن ذهب ومعدن جزع ،و "القشَرْاء"، و. "خصْلةّ"، ومعدن "خصلة" بحذائها، وكان به ذهب، ومعدن "شيبان"، وبه معادن الذهب والفضة والصفر ، ومعدن "موزر"، بضرية من ديار كلاب، و "ناضحة" بين اليمامة ومكة ومعدن "الهردة"، ومعدن "المخلفة"، وهو معدن ذهب جيد، بأرض حجور. وقد وصفه الهمداني، وذكر ما كان يستخرج منه من الذهب. وقد ضبط معدن الهردة ب "الهروة" في موضع آخر من "تاج العروس"، وقال إنه عند "الحوأب" وبه معددن ذهب، ومعدن "الهجيرة". ومعدن "الحراضة"، ويقع بين "ينبع" والمروة معادن للذهب ومعدن "الحُفير" بناحية "عماية" وهو معدن ذهب غزير، ومعدن "الحسن"، ومعدن "الثنية" ثنية "حصن بن عصام الباهلي"، ومعدن تياس، ذهب مخف بتياس. و "العقيق": وهو من معادن الذهب. وهو مدينة كان فيها مائتا يهودي ونخل كثير وآبارْ. ومعدن الصبيب، عن يسار الضبيب.
ويظهر أن منجم "مهد الذهب"، هو المنجم الذي كان لبني سُليم، فعرف باسمهم وقيل له: "معدن بني سليم" "معدن سليم"، وقد أقطعه الرسول "بلال بن الحارث". وقد عثرت شركة التعدين السعودية العربية على أدوات فيها استعملها الأولون قبل الإسلام في استخراج الذهب واستخلاصه من شوائبه، مثل رحى وأدوات تنظيف ومدقات ومصابيح، وشاهدت آثار القوم في حفر العروق التي تكون الذهب. وقد عرف معدن "بني سليم" ب "فران" "قران"، وقد نسب إلى "فران بن بلي" دخلوا في "بني سليم" ويأخذ عليه طريق الكوفة إلى مكة.
وتعرف "الفضة"، في نصوص المسند ب "صرفن" "الصرف". والفضة من المعادن المشهورة المعروفة في اليمن. و "الصريف" الفضة الخالصة. وقد كانت جزيرة العرب في جملة الأسواق التي مونت العبرانيين بهذا المعدن.
ومن المواضع التي عرفت بالفضة "عوسجة" في بلاد هذيل. فقد كان معدناً للفضة. ومعدن "شمام"، معدن فضه ومعدن نحاس وصفر، "وكان به ألوف من المجوس الذين يعملون المعدن، وكان به بيتْا نار يعبدان"، ومعدن "شيبان"، و معدن "اليحموم".
وقد ذكر "الهمداني" أن ب "قرية المعدن"، معدن فضة، فضة لا نظير لها في الغزر، وبقربه معدن الرضراض، ، وهو معدن فضة كذلك، لا نظير لهْ.
وذكر صاحب كتاب بلاد العرب أن "خزبة" معدن من معادن اليمامة، وكانت جبالها إنما هي فضة،ثم مسخت معادنها فصارت شيئاً آخر إذا صيرت إلى "الكوج" التي كانت تخلص فبه، وتخلصت تصدعت كتصدع الزجاج، لا ينتفع بها.
و "اللجين" الفضة، و "الوذيلة" القطعة من الفضة، وقبل السبيكة منها، وقيل القطعة من الفضة المجلوة، ولعل ذلك هو الذي حمل الطائيين على تسمية المرآة "الوذيلة"، لأن المراة في ذلك الوقت صفيحة من المعدن مجلوة، ينظر فيها.
وقد كانت السلطات الحاكمة تأخذ "الخمس" من معادن "الفرع"، و "نجران"، و "ذي المروة"، و "وادي القرى". مما يدل على إن الناس كانوا يستغلون مناجم هذه الأرضين في الإسلام.
ويظهر إن ما كان يستخرجه أهل الجاهلية من الذهب والفضة من معادنهما لم يكن بمقياس واسع وبكميات كبيرة تصلح للتصدير إلى الخارج، بدليل اننا لم نعثر على خبر عنه لا في كتابات المسند ولا في روايات أهل الأخبار، ثم انهم لو كانوا يستخرجون المعدنين المذكورين بكميات وافرة،لاستمروا على الاستخراج ولحسنوا كيفية استخلاص المعدنين المذكورين من معدنهما إلى ظهور الإسلام، ولأشير إلى ذلك حتماً في الموارد الاسلامية، ولما سكتت هذه الموارد عن الاشارة اليهما.
وقد استخدم أهل اليمن الرصاص في كثير من الأعمال، منها صبه في أسس الأعمدة َوبين مواضع اتصال الحجارة، لترتبط بعضها بعض. وقد عثر المنقبون على بقايا منه في مواضع متعددة من الأماكن الأثرية باليمن. والرصاص ضربان: أسود، وهو الأسرب والآبار، والأبيض، وهو القلعي. وقد عرف بالانك، والأسرب، والأسرف، والصرفان وشيء مرصص مطلي به. وكانوا يطلون الأواني ويشربون بها، وذكر أن "الانك"، هو الأسرب، وهو الرصاص القلعي، أو أبيضه، أو أسوده، أو خالصه، وذكر أن الانك بمعنى الخالص، وأنهم كانوا يقولون: هذا رصاص آنك، بمعنى هذا رصاص خالص. وقال بعض العلماء: الانك هو القزدير "القصدير". وورد في الحديث: من استمع إلى مغنية صب الله الآنك في اذنيه يوم القيامة. والأسرب، الانك، وهو الرصاص، واللفظة من المعربات، عربت من أصل فارسي. والأسرف، لفظة معربة أيضاً، تعني الأنك من أصل فارسي،هو "سرب". و"الصرفان" هو الرصاص القلعي، وقيل النحاس وأرى أن الرصاص القلعي، هو رصاص استخرج من "القلعة" موضع باليمن، بوادي "ظهر" به معدن حديد، واليه نسبت السيوف القلعية. زعموا أن "الجن" تغلبت عليه.
وللحديد معدن في "رغافة"، باليمن على مرحلة من صعدة. وفي "قساس" ذكر انه جبل بديار بني نمير، وقيل بني أسد فيه معدن حديد. وذكر أهل الأخبار اسم موضع آخر عرف بوجود معدن الحديد فيه، قالوا انه بأرمينية منه السيوف القساسية. وذكر "الهمداني" أن باليمن معادن حديد غير معمولة بنقم و غمدان.
ولعل كثرة الحديد باليمن، واشتهارها به، جعل أهل الأخبار يروون إن أول من عمل السنان من حديد هو "ذو يزن" "ديرون الحميري"، وانما كانت أسنة العرب من صياصي البقر. وقد اشتهرت اليمن بسيوفها، فالسيوف اليمانية هي من السيوف الجيدة التي اكتسبت سمعة طيبة عند الجاهلين.
و"النحاس" الصفر، وقيل ما سقط من شرار الصفر، أو الحديد إذا طرق. والصفر، النحاس الجيد، وقيل هو ضرب من النحاس، وقيل هو ما صفر منه. والصفر الذهب أيضاً.
واستعملت لفظة "هاع" بمعنى سال وذاب، في نصوص المسند، استعملت لمناسبة صب الرصاص الذائب في أسس الأبنية وبين فواصل أحجار الأعمدة، لتشدها شداً محكماً.
والكبريت من المعادن الموجودة فى اليمن. و "ذمار" هي مركزه ومنها يجلب إلى سائر أعمال اليمن. وذكر انهم كانوا يكبرتون أباعرهم، يطلونها بالكبريت مخلوطاً بالدسم والخضخاض، وهو ضرب من النفط أسود رقيق لا خثورة فيه، وليس بالقطران، لأنه عصارة شجر أسود خاثر. وكانوا يستحمون في العيون التي يجري منها الماء مشوباً به، ولها راثحة الكبريت.
و "الجزع" من الأحجار التي تستعمل في الفصوص التي توضع في الأختام.
وقد تحفر عليها كتابة أو صور 1. وقد عثر على فصوص من هذا النوع في مواضع عديدة من الآثار في اليمن وفي العربية الجنوبية والغربية وفلسطين. وذكر علماء اللغة أن الجزع: الخرز اليماني الصيني، وزاد بعضهم الصيني، فيه سواد وبياض تشبه به الأعين. قيل إنهُ سمي جّزعاً، لأنه مجزع، أي مقطع بألوان مختلفة. وقد أشير اليه في شعر امرىء القيس: ومن الجزع: الجزع السماوي، وهو العشاري من وادي عشار.
وقد اشتهرت "ظفار" بالجزع. فقيل: "جزع ظفار". قيل إنه من "ظفار الحقل"، قرب صنعاء على مرحلتين منها وقيل إنه منسوب إلى "ظفار أسد" مدينة باليمنْ. وكان لعائشة عقد من جزع ظفارّ. واستخرج أيضاً من جبل شبام. ومن. معادنه معدن ضهر، ومعدن سعوان، ومعدن عذيقّة، مخلاف خولان. ومن الجزع الموشى والمسيّر، وهو في مواضع من اليمن، منها النقمي.
وعرفت اليمن بالعقيق، تتخذ منه الفصوص، يؤتى به من اليمن من معدن له على مرحلة من "صنعاء" يقال له "مقرأ" "مقرى". وهو أجود من عقيق غيرها. ويوجد عقيق أخر يستورد من الشحر. وقد تختم به. وذكر انه يستخرج من جبل شبام. ومن "الهام"، ومن "الهان"، ومن "شهارة"، ومن قساس. وذكر "الهمداني"، إن العقيق الأحمر، والعقيق الأحمر العتيقين من ألهان.
وقد عرف معدن "بقران" بالأحجار التي تستخرح منها الفصوص البقرانية. وهو في مخلاف بني نجيد من اليمن. وذكر "الهمداني"، أن "البقران" ألوان، ويبلغ المثلث بها مالاً، إذ يشترى بأسعار عالية، وهو أن يكون وجهه أحمر، فوق عرق أبيض، فوق عرق أسود. ويوجد البقران بجبل أنس، وهو ينسب إلى أنس بن ألهان بن مالك.
ومن الأحجار الأخرى: الفصوص السعوانية من سعوان، واد إلى جنب صنعاء، وهو فص أسود فيه عرق أبيض، ومعدنه بشُهارة، وعيشآن من بلد حاشد إلى جنب هنوم، وظليمة والجمش من شرف همدان. والعشاري، وهو الحجر السماوي.
ومن الفصوص الثمينة: "الدهنج" كالزمرد، حصى أخضر تتخذ منه الفصوص، وأجوده: "العدسي". ومن معادنه حرة بني سليم، وحرة النار.
ومن الجواهر الأخرى: "الزمرد"والزبرجد، و "الشذر"، قطع من الذهب تلقط من معدنه بلا إذابة الحجارة، ومما يصاغ من الذهب فرائد يفصل بها اللؤلؤ والجوهر، وقيل خرز يفصل بها، أو اللؤلؤ الصغار.
و "الجمست" معدن يستخرج من "الصفراء" على ثلاثة أيام من المدينة، وهو في جملة ما يقال له "القوارير". والبلور، ويستخرج من البراري من بين الحصى، ومن "ضهر"، و "سعوان"، ومن "عذيقة" مخلاف خولان، ومن وادي عشار، ومن الهان، وشهارة.
و "الدرة" اللؤلؤة العظيمة، وما أعظم من اللؤلؤ. ويستخرج اللؤلؤ من الخليج، وقد اشتهرت اليحرين به منذ أيام ما قبل الإسلام. وأما "الياقوت"، فأجوده الأحمر الرماني وقد استورد من سرنديب "سيلان".
والزاج، مشهور في اليمن، ويقال له الشب اليماني، وهو من الأدوية. و "الشب"، حجارة يتخذ منها الزاج وما أشبهه، وأجوده ما جلا من اليمن، وهو شب أبيض له بصيص شديد، وقد استعمل في دباغة الجلود. وقد أشير اليه في الحديث. وذكر بعض العلماء إن الزاج كثير الأصناف،وهو غير الشب، وينبعثان من معدن واحد، والشب من المعادن الأربعة التي لم تكمل صورتها، وهي الزاج والملح والنوشاذر والشب، والشب يشبه الزاج وفيه بعض حموضة، وأما الزاج فحموضته أكثر، والشب أنواع. وقد ذكروا انه ماء يقطر،فيجمد قبل أن يصل إلى الأرض، فيصير هذا الشب اليماني. ومن معدنه "إسبيل"، جبل من ديار عنس من مذحج، بقربه مقطر الشب، ومعدن الأشعر. ويظهر من أقوال أهل الأخبار انهم كانوا يستخرجونه من "غرض" الجبال، وهي شقوق تكون في الجبل، يحفرون بها، ويستخرجون منها الشب.
ويطلق العرب على الموضع الذيَ يستخرجون المعدن منه "المعدن". وقد عرفوا "المعدنِ" بأنه منبت الجواهر من ذهب ونحوه، ومكان كل شيء يكون فيه أصله ومبدؤه، نحو معدن الذهب والفضة والأشياء. ومنه حديث بلال بن الحرث أن الرسول أقطعه معادن القبيلة جلسيها وغوريها. وهي المواضع التي تستخرج منها جواهر الأرض. وهي ناحية من ساحل البحر بينها وبين المدينة خمسة أيام، وقيل ناحية من نواحي الفرع، بين نحلة والمدينة. ومن المعادن: معدن الغاف، ومعدن النقرة، منزل لحاج العراق بين إضاخ وماوان، وبها سوق، وبها بركة وثلاثة آبار وآبار صغار للاعراب تنّزح عند كثرة الناس، وعندها تفترق الطريق. فمن أراد مكة نزل المغيثهّ، ومن أراد المدينة اخذ نحو العسيلة فنزلها،. و"العصيان" من معادن بلاد العربْ.
ومن المعادن التي لم يخصص أهل الأخبار نوع معدنها: معدن "البئر"، ومعدن النميرة "التميرة"، ومعدن "حليت"، و معدن "الخربة"، ومعدن "خزبة" ، ومعدن "خصلة"، ومعدن "الشبيكة" ، ومعدن "الشجرتين"، ومعدن "عراقيب"، ومعدن "ذي العوسج"، ومعدن "العيصان" لبني نمير، ومعدن "عيهم"، ومعدن "قساس"، وقد كشف فيه حديثاً معدن الحديد، ومعدن "الكوكبة"، ويظهر انه كان من معادن الفضة، ومعدن المزبدة، ومعدن "النقيب"، ومعدن "منضح"، وهو اسم معدن جاهلي بالحجاز عند جوبة ماء عظيمة يجتمع فيها الماء، ومعدن اللقطْ، ومعدن "ماوان"، وهو معدن مشهور، ومعدن "النصب" من معادن القبلية ، ومعدن "النقرة"، وب "بيش"، وهو مخلاف من مخاليف مكة عدة معادن. ومعدن شمام، و "بحران" ، وهو بناحية الفرع من الحجاز به معدن للحجاج بن علاط البهري، له ذكر في سرية "عبد الله بن جحش"، و "حوراء" بناحية المدينة وبها معدن البرام. ومعدن "فران"، وينسب إلى "فران بن بلي بن عمرو". ومعدن "المحجة" بين العمق وببن أفيعة. ومعدن هبود لبني نمير.
والملح من المواد التي تاجر بها الجاهليون. وتوجد معادنه في مواضع متعددة من جزيرة العرب. وقد كان بعضهم يستحضره من المياه المالحة، ومنهم من كان يستخرجه من مناجم تحفر.، فيستخرج منها. وقد ذكر "الهمداني" أسماء مواضع وجدت فيها معادن الملح. وقد أشير في "المسند" إلى الملح والى الاتجار به، والى وجود كياّلين كانوا يكيلونه ويرسلونه إلى الأسواق لبيعه فيها.
ومن أشهر مواضع الملح في اليمن: جبل الملح في بلاد مأرب، وهو ملح صاف كالبلور، وكان النبي قد أقطعه "الأبيض بن جمال".
وقد استغل التجار "مكر" في المربية الجنوبية تجارة الملج، فأخذوا يستغلون مناجمه، ويحملونه منها قوافل إلى الأسواق. ونظراً إلى سعة هذه التجارة والى كثرة الملح المستخرج، ظهرت جماعة عرفت ب "زلا" "سلا" في لغة المسند، تخصصت بكيل الملح وتعبئته في الجوالق لإرساله الى الأسواق.
الأحجار
واستفيد من الأحجار في البناء، ولاسيما في العربية الجنوبية، إذ كان الحجر مادة البناء عندهم. ويقطع من المقالع قطعاً بعضها ضخمة استخدمت في بناء الأبنية المهمة مثل: قصور الملوك والمعابد والسدود وبيوت السادات.
ولتثبت الأحجار. ولصقها بعضها فوق بعض، استخدم "الجص"، ويقال له "القص" بلغة أهل الحجاز. واللفظة معربة على ما يذكره علماء اللغة. و "النورة" حجر يحرق ويستخدم في البناء، و "البورق"، وهو حجر يحرق أيضاً، ويستعمل لتبييض الجدران، ومواد أخرى تشبه "السمنت" في قوتها وفي صلابتها وفي تثبيت الأحجار بعضها فوق بعض.
ويقال لبعض أنواع الأحجار "المسُنى"، وتعمل منها نصب السكاكين. و "الشزب"، حجر يعمل منه ألواح وصفائح وقوائم سيوف ونصب وسكاكين ومداهن وقحفة. و "الهيصمي" وهو حجر يشاكل الرخام، إلا أنه أشد بياضاً يخرط منه كثير من الآنية.
وقد نحت النحاتون من بعض الحجارة قدوراً للطبخ،عرفت عندهم ب "البرُمة". وقيل البرمة قدر نحت من حجارة أو عمل من حديد أو نحاس. و "المبرم" صانعها أو من يقتلع حجارتها من الجبال فيسويها وينحتها. وقيل للمعدن الذي تقتلع منه هذه الحجارة: "معدن البرم" و "معدن البرام". ومن هذه المعادن "قدقد" ، جبل به معدن البرام.
وكانوا يحفرون المعادن ويدخلون المنجم لاستخراج المعدن منه. وقد ينهار المعدن على حافره فيقتله. والى ذلك اشير في الحديث: "المعدن جبار والبئر جبار والعجماء جبار". ومعناه أن تنفلت البهيمة العجماء فتصيب في انفلاتها انساناً أو شيئاً، فجرحها هدر، وكذلك البئر العادية يسقط فيها انسان فيهلك، فدمه هدر. والمعدن إذا انهار على حافره فقتله فدمه هدر ومعناه إذا انهار على من يعمل فيه فهلك، لم يؤخذ به مستأجره.
الموضوع الأصلى من هنا: موسوعة طعس العربيه http://www.t3as.com/vb/t42703-12.html#post154076
النسيج والحياكة
وقد اشتهرت اليمن عند ظهور الإسلام بالنسيج والحياكة. وهي قد أصدرت أنواعاً عديدة من الأقمشة والثياب إلى مختلف أنحاء جزيرة العرب اكتسبت شهرة بعيدة في كل مكان، لجودة صنعها ونفاسة مادتها. ومن ثياب أهل اليمن الناعمة الثياب التي تعرف باسم "الخال"، وهو ثوب ناعم، وضرب من البرود، وقيل برد أرضه حمراء فيها خطوط سود. و "الوصائل"، وهي ثياب يمانية حمر أو ثياب حمر مخططة، أو برود حمر فيها خطوط خضر". والعصب، وهي ضرب من البرود وضرب من الثياب، يعصب غزلها، أي يدرج ثم يحاك، وليس من برود الرقم. وقيل العصب: برود يمانية يعصب غزلها، أي يجمع ويشدّ ثم يصبغ وينسج، فيأتي موشى لبقاء ما عصب فيه أبيض، لم يأخذه صبغ وقيل برود مخططة. وورد أن "عمر بن الخطاب" أراد أن ينهى عن عصب اليمن. وقال نبئت أنه يصبغ بالبول، ثم قال: نهينا عن التعمق. ويدل هذا الخبر إن صح، على أن البرود العصب، هي البرود المشدودة المصبوغة بالعصب، ولا ينبت العصب والورس إلا في اليمن، وهو يدل أيضاً. على إن العصب صبغة تستخرج من نبات العصب، تصبغ بها البرود ونحوها من الأشياء.
والممرجل "الممرحل"، ثياب من الوشي فيها صور المراجل. ويظهر انها
المراجل، جمع "المرجل". والمرجل "المرحل" برد يماني، ومن أمثالهم: حديثاً كان بردك مرجليأَ، أي انما كسيت المراجل حديثاً، وكنت تلبس العباء. ويظهر انها كانت موشاة وكانت من ألبسة المترفين، ففي الحديث: "حتى يبني الناس بيوتاً يوشونها وشي المراحل" ، يعني تلك الثياب، ويقال لها أيضاً المراجل بالجيم. وذكر إن "المرجل"، برد فيه تصاوير رجل وما ضاهاه.
وقد صورت بعض ثياب أهل ألجاهلية ونمقت، ومنها ثياب صلبت، أي نقشت بالصلبان. وقد نهى الرسول عن لبس هذه الثياب، وذكر انه نهى عن الصلاة بالثوب المصلب.
والمقطعات من الثياب كل ما يفصل ويخاط من قمص وجباب وسراويلات وغيرها، وما لا يقطع منها كالأردية والأزر والمطارف والرياط التي لم تقطع وانما يتعطف بها مرة ويتلفع بها أخرى. وقيل القصار من الثياب، وبرود عليها وشي.
والحبرة،وهي ضرب من ضروب البرود كذلك، وهي البرود الموشاة المخططة. وقيل ضرب من برود اليمن منمر. وذكر أن الحبير الثوب الجديد الناعم. وفي حديث اًبي ذر: الحمد لله الذي أطعمنا الخمير وألبسنا الحبير. وفيه دلالة على أن "الحبير" من ألبسةَ المتمكنين،َ وليس في وسع الفقراء اقتناؤها.
والمعاجر، من ضروب الثياب المصنوعة في اليمن. والمعجر ثوب تعجر به المرأة،أصغر من الرداء وأكبر من المقنعة. وقيل ثوب يمني يلتحف به ويرتدى. و "السيراء"، وهي ثياب مخططة، ونوع من البرود، فيه خطوط صفر، أو يخالطه حرير والذهب الخالص، وقيل ثوب مسير فيه خطوط تعمل من القزّ كالسيور، أو خطوط من الذهب. وهي من حلل الأغنياء والكبراء. روي أن "أكيدر" أهدى إلى الرسول حلة سيراء، وفي حديث عمر: رأى حلة سيراء تباع.
والثياب السحولية، أثواب كرسف من ثياب "سحول" موضع باليمن تنسج به الثياب السحولية، وتحمل منه إلى سائر الأنحاء. وهي ثياب قطن بيض. قال طرفة: وبالسفح آيات كأن رسومها يمان وشته ربذة وسحول
وذكر إن السحل ثوب أبيض رقًيق من القطن، أو من الكرسف من ثياب اليمن. والسحيل الخيط غير مفتول، والغزل الذي لم يبرم، فأما الثوب، فأنه لا يسمى سحيلاً ولكن يقال له: السحل، وقيل: السحيل الخيط غيرمفتول، ومن الثياب ما كان غزله طاقاً واحداً. والمبرم المفتول الغزل طاقين. و "المتأم" ما كان سداه ولحمته طاقين ليس بمبرم ولا مسحل. والسحل والسحيل الحبل الذي على قوة واحدة، والمبرم الذي على طاقين. وذكر إن السحيل من الحبل الذي يفتل فتلاً واحداً كما يفتل الخياط سلكه، والمبرم أن يجمع بين نسجتين فيفتلا حبلاً واحداً. ولما توفي الرسول، كفن في ثلاثة أثواب سحولية، ويروى في ثوبين سحوليين.
وقد اشتهرت عدن بصنع البرود كذلك. ورد في الحديث أن الرسول كان قد استعمل هذه البرود. وقد عرفت ب "العدني" وب "العدنيات". وهي ثياب كريمة نسبت إلى عدن، واشتهرت برياطها، فقيل: "رياط عدنيات".
وقد اشتهرت قطر بنوع من الثياب يقال لها: الثياب القطرية، كما اشتهرت بنوع من النجائب: هي "النجائب القطريات". وذكر أنها برود من غليظ القطن، أو هي برود خمر لها أعلام فيها بعض الخشونة، وجاء في الحديث أن الرسول توشح بثوب قطري.
واشتهرت "هجر" بثيابها كذلك، واعتبرت من الملابس الفاخرة التي تستحق الإهداء. ولما أرسل الرسول "سليط بن عمرو العامري" إلى "هوذة بن عليّ الحنفي"، أجاز هوذة "سليطاً" بجائزة وكساه أثواباً من نسج هجر.
وقد اشتهرت برود وثياب اليمن بجودة النسح وبحسن الصنعة والدقة. كما امتازت بألوانها وبوشيها، والوشي النمنمة والنقش. ومنها المرحل، وهي برد فيه تصاوير رحل، والمرط المرحلة، ومنه الحديث كان يصلي وعليه من هذه المرحلات، يعني المرط المرحلةْ.
ومن برد اليمن المعروفة "الخمس"، ويقال لها أيضاً الخميس. ذكر انه انما قيل للثوب خميس، لأن أول من عمله ملك باليمن يقال له الخمسْ، أمر بعمل هذه الثياب فنسبت اليه. و "الفوف" من برود اليمن، وهي ثياب رقاق موشاة.
ولأهل المعافر ثياب جيدة، وهم يستعملون "السكينية" في رؤوسهم، وهم من حمير، وملوكهم "آل الكرندي".
واشتهرت "صحار"، قصبة عمان مما يلي الجبل، بثياب عرفت بها، فقيل لها "ثوب صحاري"، وثياب صحارية. وفي الحديث إن رسول الله كفن في ثوبين صحاريين.
وقد اشتهرت "الحيرة" بنوع من الأنماط، تزين بها الرحال، حتى عرف بها قيل: "الحاري".
واستفيد من لحاء الخزم في صنع الحبال، ويقال لصانعها "الخزام"، وسفّ الخوص على هيأة سفرة، ويقال لذلك السمهة. وصنعت الحصر من بردى وأسل ومن الخوص. وقيل للحصر المنسوج من سقف النخل "الفحل". واما الحصير المنسوج من الدوم، فيقال له "الطليّل". والبارية الحصير. قال بعضهم: الحصير المنسوح من القصبْ.
وتاجر أهل اليمن ب "الخضاب"، ويكون ذلك بالحناء، واذا كان بغير الحناء قيل: صبغ شعره. وذكر أهل الأخبار أن "عبد المطلب" أول من خضب بالسواد من العرب، وكل ما غير لونه، فهو مخضوب. وكانوا يخضبون به الأطراف كذلك. واختضبوا ب "الوسمة" كذلك. وكانوا إذا آرادوا الحصول على لون أسود قاتم ليبدو الشعر به أسود خلطوا الحناء بالوسمة. والحناء ورق نبات، وكذلك الوسمة، يدقان حتى يصران كالطحين الناعم جداً، أو يطحنان، ثم يعجن الطحين بالماء فيخضب به. ويخلطون بالحناء دقيق ورق البشام يخود الشعر.
ريم âيه ôîًَىà   رد مع اقتباس
قديم 10-02-2007, 08:25 AM   #113 (permalink)
عضو
 
تاريخ التسجيل: Mar 2007
العمر: 27
المشاركات: 3,982
Rep Power: 349
ريم will become famous soon enough ريم will become famous soon enough
الفصل الثالث عشر بعد المئة

الفصل الثالث عشر بعد المئة
حاصلات طبيعية




الصبغ
والصبغ ما يلون به. وقد استخرج أهل الجاهلية ألأصباغ من بعض النبات، لاستعمالها في الصناعة أو في البناء وفي صبغ الانسجة. واشتهرت مواضع من جزيرة العرب بحذقها في الصباغة،.وباتقانها استخراج الصبغ من النبات وبعض المعادن.
وقد كانت سلعة مطلوبة رائجة، لأنها جيدة ثابتة لا تتغير بسرعة. وقد عصفر الجاهليون ثيابهم بالعصفر. وهو نبات ينيت بأرض العرب، سلافته الجريال، صبغ أحمر وبزره "القرطم"، الذي يصبغ به منه. وصبغوا ب "الفرصاد" وهو صبغ أحمر ، وب "الفوّة"، عروق يصبغ بها. وقيل هي عروق حمر دقاق لها نبت يسمو في رأسه حب أحمر شديد الحمرة كثير الماء يكتب بمائه وينقش. قال الأسود بن يعفر: جرت بها الريح أذيالاً مظاهرة كما تجر ثياب الفوة العـرس
واستعملت "الفوة" دواءً لمعالجة الجلد.
و "الاحريض" العصفر، يقال حرض ثوبه إذا صبغه بالاحريض.
و "النكع" اللون الأحمر، وزهرة حمراء يصبغ بها. و "النكعة" ثمر النقاوى، وهو نبت أحمر، ومنه الحديث: كانت عيناه أشد حمرة من النكعة. وهي صمغة القتاد "القتاد". و "الصِرف" صبغ أحمر تصبغ به شرك النعال. و "الك" نبات يصبغ به، وهو صبغ أحمر يصبغ به جلود البقر والمعز وغيرها، و"اللكاء" الجلود المصبوغة بالك.
وأكثر أصباغهم، هي أصباغ أخذت من النبات. وهو شيء طبيعي لسهولة استحصال الأصباغ من النبات، ولتوفره لديهم في الحضر وفي البرّ. أما الأصباغ المستخرجة من المعادن، فهي أقل بكثير من الأصباغ المستخرجة من النبات، لما يحتاج استخراج الأصباغ منها الى مهارة وحذق وتقدم في الصناعة والعلم.
العصير
والعصير، هو ما يحلب من الشيء إذا عصرته، وهو العصارة. ويعصر كل ماله دهن أو شراب أو عسل، وأمثاله. و "المعصرة" موضع العصر، والمعصر، ما يعصر فيه العنب، والمعصار الذي يجعل فيه الشي فيعصر حتى يتحلب ماؤه.، والعواصر، ثلاثة أحجار يعصر بها العنب، يجعلون بعضها فوق بعض.
وتعصر الأشياء للشرب، كالخمور والآشربة، أو للتداوي، لاستعمال العصير دواءَ يتداوى به، أو لاستخراج الدهن من المعصور. وقد استعمل المزارعون المعاِصرَ لعصر الأعناب أو لاستخراج الزيوت من البذور وتسمى "المعصرة" "موهت" في المسند، من أصل "وهت". ومن معاني هذه اللفظة الضغط وشدة الدوس،وهي تستعمل في الحقول كما تستعمل في البيوت وفي محلات الاتجار بالزيوت، و "القطران"، عصارة الأبهل والأرز، وهو ثمر الصنوبر، يطبخ فيتحلب منه، ثم يهنأ به الإبل. ويتخذ القطران من الإثرار، وهو شجر يقتدح سريعاً إذا كان يابساٌ. كما يتخذ من العرعر.
والزفت، كالقير، وقيل هو القار، والزفت المطلى به، وهو غير القير الذي يقير به السفن، انما هو شىء أسود أيضاً يمتن به الزقاق الحمر. وقد نهي في الحديث عن المزيت والمقر، وألزفت أيضاً دواء. وهو شيء يخرج من الأرض يقع في الأدوية. وذكر أهل الأخبار، انهم كانوا يستخرجون "الزفت" من أعجاز شجر "الأرز" وعروقه، وانهم كانوا يستصبحون بخشب الأرز. وقد أشر اليه في الحديثْ. وقد استخرجوا الزفت من شجر "التنوب" وغيره من ضروب الصنوبر، وهو قريب من دهن القطران.
الزيوت والدهون
ويستعمل الحضر الزيت في أكلهم وفي تزييت شعرهم، وفي أمور أخرى.
وهم يحصلون عليه من النبات بعصر لب الثمر المتشبع بالزيت. واليمن هي على رأس الأمصار العربية في انتاج الزيت. زيت الزيتون وغيره، وقد كانت تصدره إلى الحجاز والى مواضْع أخرى من جزيرة العرب. والزيت في اللغة دهن، وهو عصارة الزيتون. ويعد التزييت، أي التدهن بالزيت الجيد المطيب من علائم النعيم والرفاه.
و "السليط"، الزيت عند عامة العرب وعند أهل اليمن دهن السمسم، وقد ذهب بعضهم إلى العكس. وقيل هو كل دهن عصر من حبّ. وذكر أن دهن السمسم هو السريج والحل. و "السيرج"، هو "الشيّرج"، دهن السمسم ، و "الحَل"، هو الشيرج، أي دهن السمسم.
ومن الدهون، دهن يستخرجه أهل اليمن من "الكاذى". والكاذى شجر شبه النخل في أقصى بلاد اليمن، وطلعه هو الذي يصنع منه الدهن. وذكر أنهم كانوا يقلعون طلع "الكاذى" قبل أن ينشق، فيلقى في الدهن ويترك حتى يأخذ الدهن ريحه ويطيبْ. ودهن الغار، دهن يستخرج من شجر الغار، وهو شجر الغار، وهو شجر له حمل اصغر من البندق أسود يقشر، له لبّ يستخرج منه الدهن، وورقه طيب الريح يقع في العطر، ويستعمل ثمره في الأدوية. ويستصبح بدهن الغار.
واستخرج أهل "الشوع" دهناً منه، كما يستخرج أهل السمسم دهناً منه.
وذكر إن "الشوع" شجر البان، الواحدة "شوعة". وهو يريع ويكثر على الجدب وقلة الأمطار، وهو مطلوب مرغوب، فكان الناس يسلفون في ثمره الأموال. و "البان"، شجر يستخرج من حبّ ثمره دهن طيب يستعمل في التدهن وفي معالجة أمراض عديدة. وقد ذكر في شعرء "امرىء القيس".
وزيت مقتت، إذا أغلى بالنار ومعه أفواه للطيب، ودهن مقتت مطيب طبخ فيه الرياحين، أو خلط بأدهان طيبة. والتقتيت جمع الأفاويه كلها في القدر وطبخها.
واستخرج من موم العسل شمع، وهو فى ما يستصبح به. ويذكر علماء اللغة أن "الموم" لفظة مولدة جاءت من الفارسية، وأن لفظة "الشمع" لفظة مولدة كذلكْ. ونظراً لوجود العسل بكثرة في اليمن وفي "السراة" وفي مواضع أخرى من جزيرة العرب في الجاهلية، فلا استبعد استخدام أهل الجاهليين شمع العسل لصنع الشموع للاستصباح ولأغراض أخرى.
وإلحرض، الأشنان تغسل به الأيدي على أثر الطعام. وشجرته ضخمة وربما استظل بها، ولها حطب وهو الذي يغسل به الناس للثياب، وقد مدح الأشنان النابت بجو الخضارم باليمامة. والحرّاض من يحرقه للقلي، أي الذي يوقد على الحرض ليتخذ منه "القلي" للصباغين. يحرق الحمض رطباً ثم يرش الماء على رماده فينعقد فيصير قليّاً. قال عدي بن زيد العبادي: مثل نار الحراض يجلو ذرى المز ن لمن شامـه إذا يسـتـطـير
و "القصيص" نبت ينبت في أصول الكمأة، يجعل غسلا" للرأس. وقد ذكر في شعر عدد من الشعراء، منهم امرؤ القيس، وإلأعشى وعدي بن زيد العبادي.
الصمغ
الصمغ في تعريف علماء العربية: غراء القرظ، وهو الصمغ العربي، ولكل شجر صمغ، وهو نضحه فيسيل منه. وكانوا يشرطون الشجر ليخرج منه غراءه، أو كانوا يعصرون بعض النبات، فيخرج منه عصير، يستخرجون منه صمغاً. ومن الأشجار التي استخرجوا منها الصمغ "الصعاب"، يشرط فيخرج منه غراء، وهو شيء مر"، ينعقد كالصبر. واستخرجوا صمغاً من "القرظ"، وهو شجر معروف في بلاد العرب، استخرجوه من عصارته، استفادوا منه في الطب، دعاه الأطباء الاسلاميون: "أقاقيا". و "الصرب"، صمغ أحمر يستخرج من الطلح، وقيل هو صمغ الطلح والعرفط، وهي حمر كأنها سبائك تكسر بالحجارة.
الموضوع الأصلى من هنا: موسوعة طعس العربيه http://www.t3as.com/vb/t42703-12.html#post154077
والعرب تسمي صمغ العرفط عسلاً لحلاوته وعسبل اللبنى طيب، وهو صمغ ينضح من شجرة يشبه العسل لا حلاوة له،.ويتبخر به. وعسل الرمث شيء أبيض يخرج منه كالجمان.
و "الأيدع"، صمغ أحمر يؤتى به من "سقطرى" ويتداوى به. داووا بر" الجراح. وذكر إن الأيدع صبغ أحمر، وهو خشب البقم. وقيل هو دم الأخوين. وقيل الأيدع شجر له حبّ أحمر يصبغ به أهل البدو ثيابهم. وان البقم يحمل في السفن من بلاد الهند. وقد اشتهرت جزيرة سقطرى بأحسن أنواع الأيدع والصبر، حتى قيل: صبر سقطرى. وذكر إن "دم الأخوير." هو "القاطر المكي"، وهو عصارة حمراء.
وقد عرفت جزيرة العرب بتصديرها بعض أنواع الصمغ واللثى، وهو شيء يسقط من شجر السمر، أو هو ماء يسيل من الشجر كالصمغ، فإذا جمد، فهو صعرور. وقيل شيء يسيل من الثمام وغيره، وللعرفط لثى حلو يقال له المغافير. والمغافير، هو صمغ شبيه بالناطف ينضحه العرفط، وقد يكون المغفور للعشر والسلم والثمام والطلح وغير ذلك. وورد إن المغافير: صمغ الرمث والعرفط، وذكر أن المغافير عسل حلو مثل الرب إلا انه أبيضْ.
و "العلك"، المضغ، وصغ الصنوبر والارزة والفستق والسر والينبوت والبطم، وهو أجودها. يمضغ في الفم، للتسلية ولمنع العطش بظهور اللعاب في الفم، ولأغراض طبية. وقد اشتهر علك الضرو، المستخرج من شجر الضرو، الذي ينبت باليمن. ويعالج به في الطب.
و "الكندر" اللبان، وهو ضرب من العلك، يستخدم في الطب. واللبان شجيرة شوكة لا تسمو أكثر من ذراعين ولها ورقة مثل ورقة الآس، وثمره مثل ثمرته، وله حرارة في الفم. وهي من الصمغ. وذكر أن اللبان شجر الصنوبر. وذكر أن لحب ثمر البان دهن طيب، وحبه نافع لمعالجة جملة أمراض جلدية وأمراض داخلية. وذكر أن "الشوع"، شجر البان، أو ثمره. قيل إنه يربع ويكثر على الجدب وقلة الأمطار، والناس يسلفون في ثمره الأموال. وأهل الشوع يستعملون دهنه، كما يستعمل أهل السمسم دهن السمسم. وهو جبلي، وقبل ينبت في السهل والجيل.
وورد أن الكندر لا يكون إلاّ بالشحر من اليمن، ومنابت شجره الجبال، وقد استعمل دواء" لمعالجة أمراض عديدة.
والصبر، أنواع فيه العربي والأسقطري، وأجوده "الأسقطري". وهو عصارة شجر، تترك حتى تثخن، ويشمس حتى يجف. وفي اليمن نوع منه أحمر ملمع بصفرةْ.
و "الضجاج" مثل شجر "اللبان" يكون في أرض عمان. وهو صمغ أبيض تغسل به الثياب، فينقيها مثل الصابون. وذكر أنه ثمر نبت أو صمغ تغسل به النساء رؤوسهن.
والمقل، يستخرج من شجر يشبه الكندر، طيب الرائحة، وأكثر نباته فيما بين الشجر وعمان، وذكر أن المقل المكي، هو صمغ الدرم، لأن الدوم هناك يدرك ويصمغ.
و "الدبس" عسل التمر وعصارته، وهو ما يسيل من الرطب. ويقال له: "الصقر" في لغة أهل يثرب، وذكر انه ما سال من جلال التمر. وأطلق أيضاً على تحلب من الزبيب والعنب. و "الصقر" عند أهل البحرين ما سال من جلال التمر التي كنزت وسدك بعضها على بعض في بيت مضرج تحها خواب خضر، فينعصر منها دبس خام كأنه العسل.
والصبيب عصارة ورق الحنا والعصفر، وقيل هو العصفر.
الدباغة
والدباغة حرفة الدبّاغ، دبغ الإهاب بما يدبغ به. والإهاب ألجلد،من البقر والغنم والوحش، أو هو ما لم يدبغ. وقد استخدم الدباغون في ذلك مواد مختلفة، بعضها بدائية، وعالجوا الجلد قبل دبغه لترقيقه وتنظيفه وصقله. وقد اشتهرت في ذلك جملة مواضع، منها: مدينة "جرش" وهي من مخاليف اليمن من جهة مكة، وقد نسب إليها الأدم المعروف ب "أدم جرش"، و "أدم جرشي"، وهي مدينة تسقى بالآبار، يستخرج منها الماء بالدلاء، على الإبل، وقد فتحت في حياة النبي في سنة عشر للهجرة صلحاً على الفيء، وأن يتقاسموا العشُر ونصف العشرْ. وقد اشتهرت بإبلها كذلك، التي نسبت إليها. ومنها "صعدة"، في مخلاف خولان، وكانت تسمى في الجاهلية "جماع"، وكان بها قصر قديم ضخم. ذكر "الهمداني" انها كورة بلاد خولان وموضع الدباغ في الجاهلية، وذلك انها في موسط بلاد القرظ. وقد اشتهرت أيضاَ بالنصال. ونعتها بأنها "بلد الدباغ في الجاهلية الجهلاء، وهي في موسط بلد القرظ، ربما وقع فيها القرظ من ألف رطل إلى خمسمائة بدينار مطوق على وزن الدرهم القفلة".
والأدم من السلع المهمة المشهورة في تجارة أهل الجاهلية. والأديم، الجسد الذي قد تمّ دباغه. وقيل الجلد ما كان أو أحمره أو مدبوغه، وقيل هو بعد الافيق، وذلك إذا تمّ واحمر. ويدخل في الحرف التي تقوم على تحويل الجلد الى سلع، مثل الأحذية، وصنع القباب. التي تضرب للملوك وللسادة وللاشراف امارة على الرئاسة والسيادة. وتصبغ جلودها بلون أحمر في الغالب. وكانت غالية، لذلك لم يستعملها إلا أصحاب الجاه والمال. فكان سادة مكة إذا نزلوا منزلاً ضربوا قباباً من أدم، وكان حكام عكاظ والسادات الذين يحضرون السوق، يضربون لهم قباباً، وأما سائر الناس، فيضربون لهم بيوت الشعر. وبيوت الشعر أرخص، ثمناً من قباب الأدم.
وقد اتخذ العرب بيوتاً من جلد عرفت ب "القشاعة" و "القشوع"، وذكر بعضهم أن "القشاعة" بيت من أدم. وربما اتخذوا من جلود الإبل صواناً للمتاع. وذكر أن البيت من أدم، هو "الطراف". وهو بيت من بيوت الأعراب ليس له كفاء، قال طرفة بن العبد: رأيت بني غبراء لا ينكرونـنـي ولا أهل هذاك الطراف الممدد 4
وقد اشتهرت اليمن بدباغة الجلود وبالاستفادة من هذه الجلود في أغراض مختلفة، وبتصدير الجلود إلى أماكن أخرى من جزيرة العرب. ولا تزال اليمن تصنع الجلود على الطريقة القديمة، وتصدرها إلى الخارج، وقد ذكر "ابن المجاور" إن الأديم يدبغ في جميع اقليم اليمن والحجاز، وانهم يبيعونه طاقات بالعدد، وقد اشتهرت مكة يدبغ الجلود كذلك، جلود الجمال والبقر والغزلانْ. واشتهرت الطائف في دباغة الجلود كذلك، وذُكر إن مدابغها كانت. كثيرة، وأن مياهها كانت تنساب الى الوادي فتنبعث منها روائح كريهة مؤذية. وكانوا يدبغون بصورة خاصة الأدم الثقيل المليح. وذكر "الهمداني"، انها "بلد الدباغ، يدبغ بها الأهب الطائفية المعروكة".
وقد ذكر علماء اللغة أسماء مواد كثيرة استعملت في دباغة الجلود، وذكروا أيضاً طرقاً متعددة في كيفية الدبغ وفي أسماء الجلود المدبوغة والمواد التي تصنع من مختلف الجلود. والواقع إن اعتماد العرب الجاهلين على الجلود كان كبيراً، لأنها كانت متيسرة لديهم، وهي أسهل في العمل من الخثسب أو الحديد أو الأشياء الأخرى بالنسبة إلى عمال جزيرة العرب في ذلك العهد.
و "القرظ" من أهم ما استعمل في دباغة الأدم،يجلب فيطحن بحجر الطواحين، ثم يستعمل في الدباغة. ومن "العقيق" يجلب القرظ إلى مكة لاستعماله في الدباغة. وقد أشار بعض الأخباريين إلى ضخامة حجر الطواحين التي يطحن بها القرطْ. واستعمل "الغرف" في الدباغة كذلك.وعرفت الجلود التي تدبغ به بالجلود الغرفية، ومنها جلود يمانية وجلود بحرانية. وسقاء غرفي دبغ بالغرف. وكذلك مزادة غرفيه.
ومن المواد التي استعين بها في دباغة الجلد: "الدهناء". وهي عشبة حمراء لها ورق عراض يدبغ به، و "القرضم" قشر الرمان، ويدبغ به. و"الشث" نبت طيب الريح مر الطعم يدبغ به، قيل ينبت في جبال الغور وتهامة ونجد. وذكر بعضهم "الشب" في جملة ما كان يدبغ به. و "الأرطى" شجر دبغ به، وعرف الجلد الذي يدبغ به بي "المأروط" وب "الأرطى"، وب "أديم مرطى".
وعرف الجلد الذي يدبغ بغير "ألقرظ" ب "الجلد الحوري". و "الأفيق" الجلد الذي لم يتم دباغه، أو الأديم دبغ قبل أن يخرز أو قبل أن يشق. وقيل هو ما دبغ بغير القرظ والأرطى وغيرهما من أدبغة أهل نجد، وقيل هو حين يخرج من الدباغ مفروغاً منه، وقيل رائحته، وقيل ما يكون من الجلد في الدباغ.
الخمور
وقد اتخذوا من التمور. والكروم والشعير والذرة خموراً، وذكر إن الخمر ما أسكر من عصير العنب خاصة. وتستعمل لفظة "الشراب" في معنى الخمر كذلك. وفي الحديث حرمت الخمر وما شرابهم يومئذ إلا الفضيح البسر والتمر، ونزل تحربم الخمر التي كانت موجودة من هذه الأشياء لا في خمر العنب خاصة. وأما ا النبيذ، فهو ما نبذ من عصير ونحوه، كتمر وزبيب وحنطة وشعير وعسل، يقال نبذت التمر والعنب، اذأ تركت عليه الماء ليصير نبيذ، وقد ينبذ في وعاء عليه الماء ويترك حتى يفور فيصير مسكراً. وسواء أكان مسكراً أو غير مسكر، فإنه يقال له: نبيذ، ويقال للخمر المعتصر من العنب نبيذ، كما يقال للنبيذ خمر.
ويظهر من كتب الحديث، إن أكثر خمور أهل المدينة هي خليط من البسر والتمرْ. وأن منهم من كان يخلط الزبيب والتمر، أو الرطب والبسر. وكانوا ينتبذونها في الدباء، والمزفت، والحنتم، والنقير، والمقير.
وذكر أن الخليفة "عمر" حدد المواد التي تعمل منها الخمور بخمسة أشياء: الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، والعسل. وجعل الخمر ما خامر العقل وقد ذكر هذه الأشياء لأنها كانت هي الشائعة المعروفة عند اهل مكة ويثرب في ذلك العهد على ما يظهر، لأن هناك خموراً عملت من غير هذه الأشياء.
وكان لأهل اليمن شراب عرف عندهم ب "البتع"، وهو من العسل ينبذ حتى يشتد، وذكر أنهم كانوا يطبخون العسل حتى يعقد، فيكون البتع. وشراب عرف ب "المزر"، وهو من الذرة. وخطب "أبو موسى الأشعري"، فقال: "خمر المدينة من البسر والتمر، وخمر أهل فارس من العنب، وخمر أهل اليمن البتع، وهو من العسل، وخمر الحبش السكركة". وقد ذكر "ابن عمر" الأنبذة، فقال: "البتع نبيذ العسل: والجعة نبيذ الشعير، والمزر من الذرة، و اسكر من التمر، والخمر من العنب !ا 3. وذكر أن المثر نبي ذ الذرة والشعير والحنطة والحبوب، وقيل نبيذ الذرة خاصة". ويظهر أن اطلاق المزر على أنبذة الحبوب، هو من باب التجوز والتعميم، وأن الأصل هو نبيذ الذرة.
و "الضري"، الماء من البسر الأحمر والأصفر يصبونه على النبق فيتخذون منه نبيذاً.
وقد اشتهرت "درْنى" بخمورها المصنوعة من الكروم، وقد ذكرها "الأعشى" في شعره. وكان الأعشى، يزورها، وذكر إنها هي "أثافت" التي ذكرها "الأعشى" أيضاً في شعره، فقال: أحب أثافِتَ وقت القطاف ووقت عصارة أعنابهـا
وكان كثيراً ما يزورها، وله بها معصر للخمر يعصر فيه ما أجزل له أهل أثافت من أعنابهم. وورد انها من قرى اليمامة، كما ذكرت ذلك في موضع آخر. من هذا الكتاب وأنا لا أستبعد استخدام الجاهليين للماء في ادارة المطاحن، وقد ذكر "الهمداني" أن أهل اليمن بأودية: سربق، وشُراد، وبنا، وماوة، والموفد، وجمع، ويصيد، وأودية رعبن، ووادي ضهر، كانوا يديرون مطاحنهم بالماء. ولم يشر "الهمداني" الى تأريخ استعمال هذه المطاحن التي تدار بالماء، ولكني لا أستبعد أخذهم هذه الصناعة من الجاهليين، وقد أشير إلى الطحن والمطاحن والطحين في نصوص المسند. ورد في بعضها إن الحكومات كانت تتقاضى الإتاوة من الناس إما نقدا، وإما "ورقاً"، أي ذهباً سبائك، وإما "طحناً" أي طحيناً، وهو الدقيق. ويقال له "طحنم" و "طحن" في المسند، وإما "دعتم"، أي بضاعة، بمعني مواد عينية. فذكر "الطحين" في هذه النصوص، يشير إلى وجود المطاحن بكثرة في اليمن، وربما كانت تصدر الفائض منه إلى الخارج.
ريم âيه ôîًَىà   رد مع اقتباس
قديم 10-02-2007, 08:27 AM   #114 (permalink)
عضو
 
تاريخ التسجيل: Mar 2007
العمر: 27
المشاركات: 3,982
Rep Power: 349
ريم will become famous soon enough ريم will become famous soon enough
الفصل الرابع عشر بعد المئة

الفصل الرابع عشر بعد المئة
الحرف





من الحرف المتداولة بين الجاهليين النجارة والحدادة والحياكة والنساجة والخياطة والصياغة والدباغة والبناء ونحوها من حرف يحترفها الحضر في الغالب. اما الأعراب فقد كانوا يأنفون من الاشتغال بها،وينظرون إلى المشتغلين بها نظرة احتقار وازدراء لأنها في عرفهم حرف وضيعة، خلقت للعبد والرقيق والمولي، ولا تليق بالحرّ، حتى إن الشريف منهم وذا الجاه، كان لا يحضر وليمة يدعوه إليها شخص من أصحاب هذه الحرف، استنكافاً وازدراءً ؛ لأنه ليس في منزلته ومكانته. وقد كان عمل الرسول كبيراً في نظر رؤساء القوم يومئذ، حينما جوّز حضور طعام الخياط والصائغ وامثالهما، وكان يحضر منازلهم، فعدّ القوم ذلك عملاً غير مألوف ومخالفاً للعرف والتقاليد.
وقد كان أكثر أهل القرى ينظرون إلى الحرف والمحترفين بها نظرة ازدراء كذلك، ويأنفون لذلك من التزاوج معهم، ويعيرون من يتزوج من امرأة أبوها قين أو نجار أو دباّغ أو خياط، ويلحق هذا التعبير الأبناء كذلك. وينظرون هذه النظرة إلى المشتغلين بزراعة الخضر مثل البقول في الغالب، ولا تزال هذه النظرة معروفة في جزيرة العرب. وفي أماكن أخرى خارج حدود هذه الجزيرة كالعراق. وهذه هي مشكلة من جملة المشكلات التي أثرت في الاقتصاد العربي وفي الحياة الاجتماعية، وإن كانت قد أخذت تخف في هذه الأيام.
ولم يكن العرب وحدهم ينظرون إلى الحرف والمشتغلين بها نظرة ازدراء، بل كانت شعوب العالم كلها تقريباً تنظر ألى طبقة أصحاب الحرف مثل هذه النظرة؛ لأن الحرف هي من أعمال الطبقات الدنيا من سواد اناس الرقيق والموالي. اما الحُر، فلم يخلق لها ولم تخلق له. كذلك كانت نظرة قدماء اليونان إلى هذه الحرف، لأنها عندهم من الأعمال التي يقّوم بها سواد الناس ورقيقهم.
وهذه الحرف لم يختص بها الجاهليون وحدهم،بل كانت عامة معروفة ومتداولة عند جميع الشعوب لتلك العهود. وهي لبساطتها وبداءتها متشابهة،لا تجد اختلافاً في آلاتها وادواتها المستعملة عند الشعوب. فأدوات النجار تكاد تكون واحدة، سواء أكانت عند النجار العربي الجاهلي، أو النجار العبراني، أو النجار النبطي. وكذلك قل عن أدوات الحداد والصائغ وغيرها من الطبقات العاملة التي ترتزق وتعيش على هذه الحرف التي تعتمد على اليد.
وتجد في كتب اللغة والأدب وأمثالها ألفاظاً عديدة معربة، استعملها أهل الجاهلية وذلك بتعريبها ونقلها من أصول عجمية معروفة ، فيها الفارسي والارامي واليوناني واللاتيني والحبشي والنبطي. وهي مما يدخل في باب الآلات والأدوات والمآكل والملابس والبيت والثقافة والعلم، دخلت العربية، لأنها كانت مصطلحات متداولة عند أهلها معروفة، أخذها العرب منهم باحتكاكهم وبتأثرهم بهم، وقد صقل بعضها وهذب ووسم بسمة عربية، وأدخل على بعض آخر بعض التعديل ليتناسب مع أسلوب النطق العربي، وقيل بعض آخر على نحو ما كان في أصله واستعمل في العربية حتى صار في ظن من لا وقوف له على العربية انه عربي صميم.
والألفاظ المعربة التي نعنيها، قديمة، دخلت قبل الإسلام بمئات السنين. وقد استعملتها الالسن وتداولتها، وصارت بهذا الاستعمال ألفاظا عربية مستساغة. ومنها ما هو مستعمل حتى الآن. وجمع هذه الكلمات وضبط معانيها وتبويبها وتصنيفها، عمل مهم نافع أرجو أن يتهيأ له أصحاب العلم والاختصاص، فبها نتمكن من الوقوف على الاتصال الفكري الذي كان بين العرب وغيرهم، وبها نتمكن ايضاً من الوقوف على مدى الاتصال ومقدار تغلغله في جزيرة العرب. وبامثال هذه الدراسة سنتمكن أيضاً من تكوين صورة علمية صحيحة للتأريخ الجاهلي وهي صورة ستغير، ولا شك، كثيراً من هذه الاراء القديمة عند كثير من الناس عن الجاهليين، تكونت من دراستهم لروايات أهل الأخبار عن العرب قبل الإسلام.
ولم يخفَ أمر هذه المعربات عن قدماء علماء اللغة، فقد أدركوا وجودها ودخولها في العربية قبل الإسلام، واّلفوا فيها، وأشاروا إليها في معجمات اللغة ووضع بعضهم بحوثاً في معربات القران وهي تفدنا فائدة كبيرة بالطبع في الوقوف على الصلات الثقافية التي كانت بين العرب والعالم الخارج قبل الإسلام، وإن كانت تلك البحوث والمؤلفات قد كتبت بطريقة ذلك العهد، استناداً إلى الروايات دون اثبت منها وتوفر أصولها تتبع مواردها بدراسة اللغات الأجنبية ومقارنتها بالأصل. وهي طريقة أوقعتهم في أغلاط، ولكنها، افادتنا مع ذلك فائدة كبيرة في معرفة هذا الغريب الدخيل، وفي تكوين رأي في الدراسات اللغوية عند علماء اللغة القدامى.
وقد عثر الرحالون والمنقبون على أواح من الخشب وعلى شبابيك ومواد خشبية أخرى في اليمن وفي حضرموت منقوشة نقشاً بديعاً ومحفورة حفراً يدل على دقة الصنعة وإتقان في اله هل. وهي شاهد على تمكن النجار من مهنته، وعلى قدرته فيها، وعلى حسن استعماله ليده عليها في استخدامها للأدوات النجارية في صنع النفائس والطرائف من الخشب.
والحرف وراثية في الغالب، يتعلمها الابن عن والده، وتنحصر في العائلة فتنتقل من الآباء الى الأبناء. ولا يسمح لغريب أن يتعلم أسرار الحرفة وأن يقف عليها وخاصة في الحرف المريحة وفي الحرف التي تحتاج إلى مهارة ودقة وذكاء خوفاً من وقوع المنافسة، وانتقال سر العمل والنجاح إلى شخص غريب فينافس أصحاب الحرفة في عملهم وينتزع منهم رزقهم. لذلك حوفظ على أسرار المهنة ، ولم يبح باسارها حتى لاقرب الناس اليهم، وفي حالة اكتشاف رجل طريقة جديدة غير معروفة في حرفته، فإنه يحتفظ بسره حتى لا يتسرب إلى الغرباء ?منهم من لا يعلّم حتى أولاده سر المهنة إلا في حالة شعوره بعجزه عن العمل أو بقرب وفاته ودنوّ أجله، خشية انتقال السر منهم إلى غيرهم، فينافسونهم على رزقهم ومصدر قوتهم من هذا السر.
وينضم أصحاب الحرف بعضهم إلى بعض مكونين "صنفاً"،أي طبقة خاصة، تتعاون فيما بينها تعاون النقابات الحرفية والمهنية في الوقت الحاضر، يتولى رئاستها أبرز رجال "الصنف". وإذا مات أحدهم تعاونوا في تشييعه ودفنه وفي مساعدة أهله ومؤاساتهم. وذلك لحماية رجال الحرفة من كل سوء قد يقع عليها وللمحافظة على حياتهم، ولا يسمح "الصنف" بدخول غريب بينهم، لأنهم جماعة ورثت حرفتها، فلا يجوز لغريب مزاحمتهم فيها.
ويتجمع رجال بعض الحرف في أماكن معينة،كما هو الحال في الوقت الحاضر، كأن يتجمع الحدادون في منطقة معينة، والصاغة في حي، والصفارون في حي والنجارون في حي، وذلك للتعاون فما بينهم، وتنسب تلك المحلات اليهم.
وقد تشتهر مدينة ما بحرفة من الحرف، فيكون لمنتوجها شهرة واسعة وتباع بأسعار عالية. وقد تشتهر منطقهّ بجملة صناعات. فقد اشتهرت اليمن بالبرود كما اشتهرت بسيوفها، التي اكتسبت شهرة بعدة واسعة في كل جزيرة العرب، واشتهرت بعقيقها كذلك وبأنواع أخرى من التجارات. واشتهرت مكهّ ببعض أنواع العطور واشتهرت ثقيف بالدباغة وبالأدم.
وقد كانت أجور العمل معروفة عند الجاهليين. فتدفع للعمال والصناع أجور يومية، كما تدفع لهم أجور مقطوعة عن عمل معين. وليس لهؤلاء العمال من اتعاب عملهم سوى ذلك الأجر المتفق عليه. أما الرقيق، فلا يدفع لهم في العادة أي شيء، سوى ما يقدم لهم من طعام وملبس وحماية. وعليهم في مقابل ذلك الاشتغال بالشغل الذي يوكل اليهم به أسيادهم، ولا حق له بالنسبة لقوانين ذلك الوقت الامتناع عن القيام بالعمل الذي كلفوا به.
والأجور، قد تكون يومية وقد تكون سنوية وقد تكون مقطوعة. ولا يشترط في الأجر أن يكون نقداً، فقد يدفع عينة، أي مالاً مثل طعام، أو كساء، لندرة النقد في ذلك الوقت. ومن أمثلة الحرف التي تدفع عنها الأجور، حرفة البناء، فيُدفع للعامل أجر يومي في الغالب. والنجارة والحصاد، وتدفع عنها أجور مقطوعة على الأكثر والرعي وأمثال ذلك من حرف، يقوم بها سواد الناس لاعاشة أنفسهم منها.
ويمكن تصنيف وجمع الحرف التي عرفت عند الجاهليين في حرف النجارة، وهي تنجير الخشب وتحويله الى متاع وأثاث أو إلى عمل البناء أو إلى تماثيل وزخارف وما أشبه ذلك، ثم حرف البناء، وتتناول كل ما يتعلق بالبناء من أعمال، ثم حرف الإعاشة، تم حرف التعدين والمعادن، ثم حرف الجلود، وحرف الملابس وحرف التجميل وحرف أخرى.
النجارة
والنجارة من الحرف القديمة المهمة في المدن. وقد عثر على نماذج من مصنوعات خشبية في اليمن تدل على حذق النجار وذكائه وتقدمه في مهنته، ويظهر من روايات أهل الأخبار أن أهل مكة والمدينة لم يكونوا على حظ كبير في النجارة، ولذلك كانوا يستعينون بالرقيق وبالأجانب في أعمال نجارتهم كاليهود أو الروم. وفي الذي رووه عن تسقيف الكعبة في أيام الرسول وقبل نزول الوحي عليه ما يدل على ندرة النجارين في مكة في تلك الأيام. ويعلل أهل الأخبار ذلك بسبب أنفة العربي من الاشتغال بالحرف. فاعتمد على الأجانب وأغلبهم من الرقيق في اداء هذه الحرفة.
والنجار، هو الذي ينجر الخشب. فيقوم بنشره وحفره واصلاحه وعمله على النحو المطلوب وحرفته النجارة. وفي هذا المعنى: نجارة الخشب.
ومادة النجارة، الخشب. وهو نوعان: نوع مستورد من الخارج، إما من الهند، وإما من إفريقية، وهو من النوع الجيد الصلب القوي المقاوم. وهو ثمين غال. لهذا استعمل في صنع الأثاث الفاخر الثمين وفي الأدوات التي نحتاج إلى خشب صلب مقاوم وفي المعابد والقصور وفي الأبنية المهمة، ومن أهم أنواعه الساج والآبنوس والعندل. ونوع هو من حاصل أرض جزيرة العرب وناتجها. وهو دون الخشب الأول في المقاومة والجودة، وفي الاستفادة منه في أعمال النجارة لأن معظمه ليس من النوع الناضج الغليظ الصلد القوي، لا يصلح إلى للاعمال النجارية الاعتيادية وللوقود: ما خلا أنواعا، قلية منه استخرجت من بعض الأماكن مثل "النضار"، وهو خشب غليظ بعض الشيء ينبت شجره في غور الحجاز، وبعض أشجار اليمن والمناطق الجبلية الأخرى.
وترد في كتابات المسند كلمة "عضم" "عض"، ويراد بها "الخشب" في لهجتنا ، ترد في كتابات البناء بصورة خاصة، أي الكتابات التي هي عبارة عن وثيقة بناء، إذ كان أرباب الدور و الأبنية يذكرون المواد التي استخدموها في البناء، وفي جملة ذلك الخشب. وقد وردت لفظة "العضم" في كتب اللغة بمعنى خشبة ذات أصابع يذرىَ بها الطعام. ويشترك العبرانيون مع العرب الجنوبيين في تسمية الخشب ب "عض".
وقد استخدم الخشب في تقوية الجدر، استخدموا الخشب القوي الصلد منه.
ولا تزال آثاره باقية ظاهرة فيما تبقى من أبنية الجاهليين، وبعضه قوي لم يعث به الزمن فسادا، ولم يفْنه، كما استخدم في صنع السقوف والأبواب وفي تقوية السلالم، وفي صنع الشبابيك وأمثال ذلك من الأعمال التي تدخل في صلب البناء، وتكون جزءاً منه. وقد استورد معظم هذا الخشب الصلد القوي الساجْ والآبنوس والصندل من الهند ومن افريقية لعدم وجوده في جزيرة العرب، ولا تزال اثاره وقطع منه باقية على الرغم من مرور مئات من السنين عليه.
واستخدم الخشب في صنع أثاث البيت وفي كثير من الأدوات المستخدمة في حياة الإنسان. وقد عثر على بعض، مصنوعات من الخشب استخدمت أثاثاً، تدل على مهارة صناعها وعلى حسن تصرفهم في صنعها وفي هندستها. ويعبر عن الأثاث في المعينية بلفطة "رثد". وهي في مقابل متاع. وتؤدي أيضاً معنى التنظيم والترتيب وتنسيق الأشياء. وفي المسند لفظة أخرى تؤدي هذا المعنى هي لفظة "ربب" ومعناها السناد والأساس أيضاً. وبالمعنى المذكور ترد لفطة "رثد" في عربية القرآن الكريم.
وقد ذكر في القرآن الكريم أسماء بعض الأثاث، مثل الأرائك والسرر "متكئين على سرر مصفوفة"، "وسرراً عليها يتكئون"، و "على سرر موضونة"، و " على سرر متقابلين"، " فيها سرر مرفوعة"،والكرسي.
وقد تصنع السرر من سعف النخيل، كما تصنع الكرسي في هذه المادة أيضا، وتصنع المشاجب من الأعواد المركبة توضع عليها الثياب. واذا بوعد بين الاشياء المنسوج بها السرير أو غيره من سعف النخل، قيل لذلك مرمل، فيقال: سرير مرمل، إذا كان قد نسج وجهه بالسعف ، وبوعد بشيه بين الأشياء المنسوج بها وقصد بالكرسي، الكراسي الكبيرة المرتفعة، وقد استخدم خاصة لجلوس الملوك، وفي غرف الاستقبال. وقد أشير الى الكرسي في القرآن الكريم. فورد: )وسع كرسيه السماوات والأرض(.
والعرش من الألفاظ الواردة في القرآن الكرم كذلك، وهو من البيت سقفه،
ويجمع على عروش، والعرش شبه الهودج اًيضا. وقد يصنع من الخشب، يقوم بصنعه النجار، وقد يكون من حجارة أو غير ذلك. ومن ذلك العرش الذي يتربع عليه الملوك، والعرش: الخيمة من خشب وثمام، والتابوت أيضاً أي سرير الموت والخشب تطوى به البئر ، والعرش هو السرير الذي ينام عليه، قد يكون له حاجز يمنع للنائم من السقوط. وقد يكون له حاجز. وهو بهذه التسمية "عرش" عند العبرانيين. وقام النجار بصنع أواني الطعام أيضاً، ولا سيما الأواني الكبار التي تستعمل في إطعام عدد من الناس في المناسبات، وتدخل بيوت الملوك وسادات القبائل والأغنياء الكرماء في الغالب وفي بعض الظروف والمناسبات، مثل المآتم والأفراح. ومنها "الجفنة"، وهي - كما يقول بعض علماء اللغة - أعظم ما يكون من القصاع، يوضع فيها الطعام، ليتناول منه عدد من الناس. وقد افتخر الشاعر "حسان بن ثابت" ب "الجفًنات" دلالة على الكرم والجود. و "القصعة" وهي تلي الجفنة في السعةَ ، يشبع الضخم منها عشرة أشخاص. ثم "الصحفة" وتجمع على "صحاف" وقد وردت في شعر معزوّ للاعشى: والمكاكيك والصحاف من الفضة والضامرات تحـت الـرجـال
وتصنع من الفضة كذلك، كما رأينا فى هذا البيت المتقدم، وذكر أنها تشيع خمسة أشخاص. ويليها في الحجم والسعة "المئكلة"، تشبع الرجلين والثلاثة. ثم الصحيفة، وتشبع الرجل.
وتصنع بعض هذه الأواني من مواد أخرى، كالأدم، أو من المعدن كما قلت في "الصحاف" حيث تصاغ من الذهب والفضة لبيوت الملوك والأمراء والشيوخ و الأغنياء.
وقام النجار، ولا سيما من تخصص بالقداحة منهم، بعمل القدح النضار، وهو القدح المعمول من النضار، والنضار خشب معروف في الحجاز في أيام الرسول يكون بغور الحجاز، يعمل منه ما رقَّ واتسع وغلط من الأقداح،وذلك لتحمل هذا الخشب ما لا تتحمله الأنواع الأخرى من الخشب المستخرج من الحجاز. وقد كانوا يدفنون هذا الخشب حتى ينضر، ثم يعمل فيكون أمكن لعامله في ترقيقه. وقد كان عند الرسول قدح نضار عريض. ويعبر أيضاً عن الأقداح المنحوتة من الخشب ب "الخشيب".
كما جهر النجارون أصحاب الحرف الأخرى بالأدوات المساعدة التي تهم في حرفهم، فصنع لأهل الطعام "الروسم " أو "الروشم"، وهو خشبة فيها كتاب منقوش يختم به الطعام لئلا يسرق منه، ويستخدمه الحناطون وأمثالهم من باعة الطعام، وقيل: الطابع الذي يطبع به رأس الخابية. واللفظة من الالفاظ المعربة على رأي بعض العلماء. وصنع للمزارعين "النورج"، وهو المدوس ، يداس به الطعام، فقد يصنع من الحديد أيضا. و "الهاون"، وهو المهراس، والمنحاز، ويدق به، وقد أدخل في المعربات. وقد يصنع من حجر، فيدق اللحم أو الحبوب فيه لسحقها.
وصنع النجار "الميتدة"، وهي مطرقة من خشب، يستعملها الأعرابي بصورة خاصة لدق أوتاد خيمته في الأرض. وتعرف ب "مقبه" "مقابه "عند العبرانيين.
وصنع النجار أبواب البيوت، ويقال للخشبة التي تدور فيها رجل الباب"النجران". ويقال لأنف الباب الرتاج، و لمترسه القُنّاح و النجتاف.وعمل"النجيرة": السقيفة من خشب ليس فيها قصب ولا غيرهْ.
وصنع للنجار صناديق من خشب، لخزن الأشياء فيها، تقفل بقفل.وقد عني بزخرفتها بتلوينها أو بالحفر على أوجهها، وذلك بالنسبة للصناديق الثمينة التى تستعملها الطبقات الراقية.
وفي جملة مصنوعات النجار "الحدوج"، مركب من مراكب النساء يشبه المحفة، تركبه نساء الأعاب على الإبل. وذكر إن الحدج مركب ليس برجل ولاهودج تركبه نساء الأعراب. والهودج مركب للنساء مقبب وغير مقبب يصنع من العصي ثم يجعل، فوقه الخشب فيقبب. وذكر انه محمل له قبة تستر بالثياب يركب فيه النساء.
ويستعين النجار بجملة أدوات في صنعته، بعضها من صنع الحداد، لأنها من الحديد، مثل الفأس على اختلاف أنواعها، والمنشار و المحفرة و المحفار، والمنقار والمسحل والمثقب والكلبتان والمسامير والأوتاد وغير ذلك من أدوات تستعمل في قطع الخشب وفي تنظيمه وصقله وهندسته لجعله صالحاً للعمل. ونجد في كتب اللغة ألفاظاً عديدة تتعلق بهذا الموضوع.
ومن الأدوات التي يستعين بها النجارون في قياس تربيع الخشب "الكُوس" وهي خشبة مثلثة.
ويستعمل النجار المنشار في قطع الأخشاب والأشجار. ويقال لنحت الخشب كذلك. أما المنقار،،فهو حديدة كالفأس مستديرة لها خلف ينقر بها، ويقطع بها الحجارة والأرض الصلبة والخشبْ. ولا سيما في نقش الخشب وحفره.والحفرة وتعرف بالمحفار أيضاً ، حديدة يحفر بها الشيء ، وتستعمل في حفر الخشب لأغراض متعددة، مثل نقشه أو الكتابة عليه. وأما المخل، فالمنحت، آلة ينحت بها الخشب كالمبرد. والمثقب آلة يثقب بها. والكَلبتان آلة يستعملها النجار والحداد، يستعملها النجار في اخراج المسامير، ويستعملها الحداد في أخذ الحديد المحمي. وأما المسامير، فما يشد به.
ونجد في "الكتاب المقدس" - في التورأة والانجيل - أسماء أدوات عديدة استعملها النجار في عمله، منها ما استعمل لقطع الخشب واعطائه الشكل المطلوب، ومنها ما استعمل لنشر الخشب وقصه، ومنها ما استعمل لثقبه باستعمال المثاقب الآلية أو اليدوية التي تعمل الثقوب بالطرق وبطريقة الحفر، كما أشر فيه إلى المساميرا. وقد ذكر في القرآن الكريم الواح الخشب التي تستعمل في صنع السفن، و "الدسر" وهي المسامير. والسفن في ذلك العهد من صنع النجارين. وآلات النجارة المذكورة في التوراة وفي الأناجيل،معروفة ومستعملة عند الجاهليين. وقد تصنع الدسر من الخشب.
وهناك نجارون تخصصوا بصنع القوارب والسفن: لاستعمالها في صيد السمك وفي البحار للتجارة البحرية والنقل. ونظراً لعدم وجود الأنهر الكبيره والبحيرات في جزيرة العرب، انحصرت حرفة صنع القوارب والسفن في السواحل. ويستورد أهل هذه السواحل الخشب القوي الصلد من افريقية والهند لصنع السفن الكبيرة التي يكون في مقدورها الابتعاد عن الساحل والسير إلى الأماكن البعيدة.
ولا يستبعد قيام النجار الجاهلي بصنع العربات والمركبات، وذلك لاستخدامها في السلم وفي الحرب. فقد كان المصريون والعراقيون وأهل بلاد الشام يستخدمونها، وليس من المعقول حلم وجود علم للجاهليين ولاسيما لأهل اليمن بصنعها وبالاستفادة منها. والعربة هي "عجله" "ع ج ل ه" عند العبرانيين وتستخدم في نقل الحاصلات. وقد أشير الها في التوراة ، وقد عرفت ب "م "ر ك ب ه" "مركبه" كذلك، وب "مركب" أيضاً، من أصل "ركب" احدى الألفاظ التي ترد في اللهجات السامية. وهي "مركبة" في عربيتنا و "نركبتو Narkabtu" في الأشورية و "مركيثا Markabtha " في السريانية. وقد تعني الحيوان وحده الذي يركب عليه.
ويراد ب "عجله"، العربة التي،تستخدم في نقل الحاصلات الزراعية في الغالب، وقد عثر على صور عربات في الاثار المصرية والأشورية واليونانية والرومانية. وبينها عربات استخدمت في القنال. ولبعضها مظلات لتحمي ركابها من الشمس والمطر. ويسحب العربات الزراعية ثور أو ثوران في الغالب. وقد تستخدم الحمير والبغال. أما عربات القتال فتجرها الخيل. وقد كانت دواليب العربات من الخشب، إلا انها صنعت من الحديد أيضاً. والغالب أن يكون للعربة دولابان، ولكن العربات ذات الأربعة دواليب كانت معروفة أيضاً ومستعملة، ولا سيما في أمور النقل. وقد كان الأكاسرة يستعملونها لنقل عوائلهم، ولها ستائر وسقف.
وذكر علماء العربية أن العجلة: الدولاب. وأن "المركب" واحد مراكب البرّ والبحر. والظاهر أن العجلات والمركبات كانت نادرة الوجود فى أكثر مواضع جزيرة العرب. إذ لا نجد لها ذكراً في أخبار الأخباريين عن الجاّهليين ولا في كتب اللغة.
الحدادة
وقد دفعت حاجة الإنسان إلى المعادن لاستخدامها في أمور حربية وزراعية وفي البيت على انصرافه إلى الاشتغال بها لتحويلها إلى أشياء نافعة. فظهرت الحدادة والصياغة وأمثالها واشتغل بعض الناس بالبحث عن الحديد وعن المعادن الأخرى واستخلاصها من المواد الغريبة المختلطة بها. كما اشتغلوا في خلط المعادن لايجاد أنواع جديدة منها. وقد وقع ذلك بين أهل الحضر في الغالب، أما أهل الوبر، الأعراب، فبساطة حياتهم لم يشعروا بحاجة لهم إلى هذه الصناعات، واذا شعروا بوجود حاجة لهم فيها اشتروها من أهل المدن، واحتقروا الصناعات وأهل الصناعة والمحترفين بالحرف.
ويعرف الحدّ اد ب "القين" كذلك عند الجاهليين. وهو الذي يعدّ للزرّ اع الأدوات التي تستعمل في حرث الأرض،مثل المسحاة والمحراث والمنجل والأدوات الأخرى، يصنعها من الحديد، كما أنه يعد لا عرف الأخرى ولأهل البيوت كثيراً من الآلات،يصنعها من الحديد. وكان فضلاً عن ذلك الخبير الاختصاصي بصنع السلاح على اختلاف أنواعه وتجهيز الحكومات والأفراد بالسلاح الذي يستعمل في الدفاع وفي الهجوم، لذلك كانت حرفته مهمة خطيرة ولا يزال الحداد يعدّ للناس في جزيرة العرب الملاح، كالسيوف والخناجر والدروع والسكاكين والنصال المعدنية وغير ذلك من أدوات كانت تستعمل في الحرب لذلك العهد، وسأفرد لها بحثاً خاصاً.
وذكر بعض علماء اللغة أن القن هو العامل بالحديد. وقال بعض آخر: إن القين الذي يعمل بالحديد ويعمل بالكير، ولا يقال للصانع قين. وذكر بعض اخر أن القين الحدّاد، ثم صار كل صانع عند العرب قيناً. وذكر بعض آخر: أن القين هو الذي يصنع الأسنة،إلى غير ذلك من آراء، وكان من بين أصحاب الرسول من كان قينا، مثل "خباب بن الارت"، ذكر أنه كان يشتغل للعاص ين وائل. وكان العاص هذا من الانادقة، ومثله: عقبة بن أبي معيط، والوليد بن المغيرة، وأبيّ بن خلف. وكان خبّاب يضرب السيوف الجياد وبدقها، حتى ضرب به المثل، ونسبت اليه السيوف. كما اشتهر بها رحل آخر عرف ب "ريش المقعد"، أي النبل. والمقعد اسم رجل كان يريش السهام. والنبل: السهام، والنبّال صاحب النبال وصانعها، وحرفته النبالةْ. وتحبس في الجعبة، يحملها صاحبها معه، فإذا أراد الرمي، فتحها ليستخرج منها ما يشاء.
ومن الحدادين الأعاجم الذين ذكرهم أهل الأخبار، الأزرق بن عقبة أبو عقبة "فلداه" في العبرانية. وتصنع منه الأسلحة بصورة خاصة. وهو معروف في العربية، وعرف بقولهم: ": هو مصاص الحديد المنقى من خبثه".
و يستعين الحدّاد بأدوات في طرق الحديد وفي تغير شكله على النحو إلمطلوب. ومن أهم هذه الادوات "الكير"، و"رْ المنفْاخ، وهو زق ينفخ فيه الحداد، أو جلد غليظ ذو حافات، يستعمل لاثارة النار وإيقادها، كي ترتفع درجات حرارتها فتؤثر في الحديد وتجعله ليناً يسهل طرقه واعطؤه الشكل المطلوب. والكور وهو مجمرة الحدّ اد وهي مبنية بالطين وبالحجارة، وتوقد فيها النار، ويسلط عليها الكير، ويوضع الحديد على النار ليحمى ويلين. ومن أصل "كور" "كور" و "كير"، ويراد بها الموضع الذي تحرق فيه القرابين من بخوِر وذبائح تهيأ للحرق تقرباً إلى الآلهة. ويعرف الكور ب "كور" عند العرانيين. وقد وردت اللفظة في التوراة.
ويطرق القين الحديد المحمى على "السندان"، ليحوله إلى الشكل الذي يريده. ويعرف ب "العلاة" أيضاً.
وقد استغل ايهود انفة أهل المدينة والعرب الصرحاء من الاشتغال بالحدادة، فاحتكروها لأنفسهم، وربحوا منها ربحاً طيباً، وذلك بإنتاجهم الأدوات والآلات الزراعية وبصنعهم الأسلحة اللازمة لكل انسان لحماية نفسه، مثل صنع السيوف والخناجر والدروع. وقد سلحوا أنفسهم بها، كما باعوا منتوجهم من غيرهم. وتصنع الدروع من الحديد الثقيل،كي تقاوم قراع السيوف. وقد تزرد الدروع، لتقاوم في الدفاع، ويقال عندئذ "درع مزرود".
والسرد عند علماء اللغة نسج الدرع، وهو تداخل الحلق بعضها في بعض. والسرد اسم جامع للدروع وسائر الحلق. وسمي سرداً لأنه يسرد فيثقب طرفا كَل حلقة بالمسمار، فذلك الحلق المسرد. والمسرد هو المثقب. وهو السرّ اد. ويراد بالحلقة السلاح عاما، وقيل: الدرع خاصة، وانما ذلك لمكان الدروع ولشدة غنائه. وقد سمي "النعمان" دروعه حاضة.
وتصنع النصال من الحديد أيضا. والنصل حديدة السهم والرمح، ويقال نصل السيف ونصل السكين. وقد ذكر أيضا ان نصل السيف حديدة السيف ما لم يكن له مقبض. فإذا كان لها مقبض ، فهو سيف. وقيل: إن النصل السهم العريض الطويل، والمشقص على النصف من النصل.
ومن المجاز الحداد السجّان، لأنه يمنع من الخروج أو لأنه يعالج الحديد من القيود. وفي هذا المعنى ورد: يقول لي الحداد وهو يقودني=إلى السجن لا تفزع فما بك من باس والحداد البواب، لأنه يمنع من الخروج.
والعتلة: حديدة كأنها رأس فأس عريضة، في أسفلها خشبة تحفر بها الأرض والحيطان، وليست بمعقفة كالفأس، ولكنها مستقيمة مع الخشبة، أو هي العصا الضخمة من حديد، لها رأس مفلطح، يهدم بها الحائط. وقيل: هي بيرم النجار.
ومن مصنوعات الحداد "إلإبزيم"، وهو حلقة لها لسان يدخل في الخرق في أسفل المحمل، ثم يعض عليها حلقتها، والحلقة جميعها "ابزيم". وقد أدخلها الجواليقي في باب المعريات من الفارسية. ومن مصنوعات الحداد "المقدحة"، الأداة التي استعان بها الإنسان في إِيجاد النار. وهي حديدة يقدح بها حجر يوضع عليه مادة قابلة للالتهاب ولأخذ النار، مثل الصوف، فيورى منها النار.
ويهيىء الحداد أقفال الأبواب، وقد يصنعها النجار أيضا. ويوضع خلف الباب وتد من حديد لتسميرها، فلا يمكن فتحه ، كما يهيأ البيت بما يحتاج اليه من أدوات تستعمل في الطبخ وقي الغسيل، وفي الزينة. ويجهز الرجل والمرأة باللأدوات المساعدة للتجميل ك المدرى"، وهو شيء يسرح به شعر الرأس محدد الطرف من حديد، وقد يصنع من غيره مثل الخشب. وهو كسن من أسنان المشط، أو أغلظ قليلا"، إلا أنه أطول.
وقد ذكر أصحاب اللغة بعض أسماء الالات والأدوات التي كان يستعملها الحدادون في حرفتم، نذكر بعضهاً مثل: "القرزم" و "العلاة". والقرزم لوح الإسكاف المدور. و "المطرقة"، و "الفطيس"، وهي أكبر من المطرقة، وهي "الميفعة" أيضاً. و "المبرد" الذي يبرد به الحديد، و "البرادة" ما سقط منه. وأما "فسالة الحدَيد" فا تناثر من الحديد عند الضرب إذا طبع، و"المشحذ" مبرد للحديد، أعظمها وأخشنها. وقال بعض اللغويين: المشحذ المسنُّ، "المفراص" وهو للحديد كالمقراض للثوب، والمنفاخ "المنفاخة" وبي ما ينفخ به الكر، والكير التي ينفخ فيه. وأما المبني من الطين، فهو الكور. و "المشرجع" مطولة لا حروف لنواحيه، ومطرقة مشرجعة، مطولة ولا حروف لنواحيها. أما إذا كان الشيء مربعاً، وقد نحتت حروفه، قيل له "مشرجعة". و "العسقلان"، أصغر مطرقات الصائغ. و "الغدُاف" الحديدة التي يدخل في أحد طرفيها الخاتم ويركزها على الجبأة، والخشبة التي بين يديه. أما "الحملاج"، فنفاخ الصائغ، وهو حديدة مجوفة ينفخ فيها الصائغ إذا أراد النفَخ في كيره. وله الكلبتان والمثقب.
وقد وردت في التوراة لفظة " ا خ ن" "اجن"، وهي "اجانة" و "اجان" في العربية. وهي إناء يعجن فيه العجين،أو يوضع فيه سائل أو أي مادة أخرى. ولا تزال الكلمة حيةّ معروفة. وتصنع من المعدن،في الغالب ولكنها قد تصنع من خشب في بعض الأحيان.
ويستخدم الحدّ اد المطرقة في طرق الحديد المحمى لتحويله إلى الشكل المطلوب. ويقال للمطرقة الكبيرة "الفطيس"، وتقابلها لفظة "بطيش" Pattish، عند العبرانين، ولمد أشار علماء اللغة إلى "الفطيس". ويستخدم ال "قدوم"، وهي مطرقة كذلك، تسمى ب "قردم" "قردوم" عند العبرانيين. وذكر علماء العربية ان "القدوم" التي ينحت بها.
ومن أنواع المطارق مطرقة دعيت ب "جرزن" عند العبرانيين، وتستخدم في القطع: في قطع الأشجار والأخشاب التي تستعمل في البناء. ويرى بعض العلماء أنها أخف من "القردم". وبين "جرزن" و "الجرز " اللفظة العربية تقارب وارتباط. رقد ذكر علماء اللغة أن "الجرز" من السلاح، والعمود من الحديد وأن الجواز بمعنى: قاطع، ولذلك قالوا سيف جراز ومدقة جراز. وهي الفأس في العرانية،و لعلها بهذا المعنى في العربية أيضاً وتستعمل لقطع الأحجار و الاخشاب و لتكسيرها.
والمطارق الحديثة المستعملة قي الشرق الأوسط وفي بلاد العرب، لا تزال محافظة على شكلها وهيئتها التي كانت عليها عند الجاهليين وعند غيرهم قبل الإسلام. كما يظهر ذلك من النماذج التي عثر عليها ومن صور المطارق المصورة على بعض الأثار. وبعض هذه المطارق ذات رأسين، وبعضها ذات حافتين. ويختلف شكلها باختلاف المهمة التي.تستخدم فيها. واستخدمت المطارق في الحروب كذلك، حملها المحاربون معهم في قتال الأعداء وفي فتح الثغرات في الجدر والأسوار وتحطيم الدبابات والآلات الأخرى المستخدمة في حروب تلك الأيام.
الصياغة
و "الصائغ"، من يحترف الصياغة، وذلك في اللهجة العربية الشمالية، ويشتغل في صياغة الذهب والفضة. وقد كان بين أصحاب الرسول من احترف هذه الحرفة. وقد ورد عن أبي رافع الصائغ إن عمر بنْ الخطاب كان يمازحه بقوله: "أكذب الناس الصواغ، يقول اليوم وغدا". وكلام عمر بن الخطاب هذا يدل على أن الصاغة لذلك العهد كانوا يخلفون ايظا في المواعيد، ولا يحافظون على الأوقات.
وقد تحدث بعض الكتبة اليونان عن أثاث وحلي مصنوعة من الذهب والفضة، ذكروا أن السبئيين كانوا يستعملونها في بيوتهم، ولكننا لم نقف على شيء مهم من ذلك، إلا قطعاً متاكلة من المعدن وصلت الينا، لتتحدث عن عمل الصاغة والحدادين في العربية الجنوبية. وأكثرها من المصنوعات المصنوعة من البرنز فلدينا مصباح من البرنز مصاب ببعض العطب، عثر عليه في "شبوة"، على طرفه جسم "أيل" جميل، صنع وكأنه متهيء للوثوب. وهناك قصة أخرى تمثل احداها جملاً، وأخرى حصانا، كما عثر على عصي مصنوعة من البرنز، وعلى ألواح من هذا المعدن أيضاً، عليها كتابات. وهي محفوظة في المتاحف الأوروبية. وهذا الذي عثر عليه هو شيء قليل بالطبع بالنسبة الى ما سيعثر عليه، متى سمح للآثاريين بالبحث عن الآثارو الكشف عن المطمور في جزيرة العرب ، ولا سيما في العربية الجنوبية حيث تشاهد تلول من الأتربة منشرة تضم تحتها كنوزاً ثمينة من الآثار.
ويقال للذهب الأنضر، وقد ذكر بعض، علماء اللغة أن لفظة النضر. اسم للذهب والفضة، وكذلك النضار. أما النضرة فإنها السبيكة من الذهب. ونضار الجوهر الخالص، من التبر.
وتد عرف التبر، بأنه الذهب كله، وقيل: هو من الذهب والفضة وجميع جواهر الأرض من النحاس والصفر والشبه والزجاج وغير مما استخرج من المعدن قبل أن يصاغ ويستعمل. وقيل: التبر هو الذهب المكسور، وقيل الفتات من الذهب والفضة قبل أن يصاغا، فإذا صيغا فهما ذهب وفضة. وورد التبر ما كان من الذهب غير مضروب فإذا ضرب دنانير فهو عين. وقد يطلق التبرعلى غير الذهب والفضة من المعدنيات كالنحاس والحديد والرصاص، وأكثر اختصاصه بالذهب. وورد في الحديث: الذهب بالذهب تبرها وعينها، والفضة بالفضة تبرها وعينها. وأما "الجذاذ"، فإنه حجارة فبها ذهب، أي الحجر الذي يقلع من مناجم الذهب، ثم يسحن بالمساحن لاستخلاص الذهب من المواد الاخرى. والمسحنة حجر يدق به حجارة الذهب.
والحلي، ويراد بها ما يزي به من مصوغ المعدنيات أو الحجارة ، هي من أهم أعمال الصائغ عند الجاهليين، يقوم بصنعها من الذهب أو الفضة، ويزينها ببعض الحجارة في بعض الاحيان. وقد اشتهر "بنو قينقاع" في منطقة "يثرب" بإجادتهم حرفة الصياغة واتقانهم لها. ومن هذه الحلي ما يعلق على الصدر، ومنها ما يوضع في الأيدي أو في الأصابع ومنه ما يوضع حول الساق. وما يعلق في مواضع أخرى من الجسد مثل الأذنين أو الأنف أو على الجبين، كما إن بعضه مما يحلى به الحيوان أو الأشياء النفيسة في البيت.
ومن الحلي المشهورة عند الجاهليين، القلادة. وتصنع من الذهب أو الفضة في الغالب، وقد تكون من ربط حجارة أو عظام أو خرز بعضها إلى بعض.
وتربط حول العنق، وتتدلى على الصدر. على أن القلادة في اللغة لفظة عامة تطلق على أمور كثيرة. وقد كان الجاهليون يضعون قلادة في عنق البدن، مثل عروة مزادة، أو خلق نعل،أو غير ذلك، ليعلم أنها هدي. كما كانوا يقلدون الإبل بلحاء شجر الحرم، ويعتصمون بذلك من أعدائهم.
والأسورة من أدوات الزينة كذلك. وقد استعملها أهل الجاهلية، تضعها المرأة في يديها. ويذكر علماء اللغة أن "السوار" لفظة معربة،عربت من الفارسية وأصلها في الفارسية "ستوار"، فأخذها العرب وعربوها. واشتقوا منها "سوّرت الجارية" و "جارية مسوّرة". على أن بعض المحاربين كانوا يستعملون الأسورة، ويتباهون بها في الحروب.
وأما "العصمة"، فقيم ل إنها القلادة، وقيل إنها شبه السوار، توضع حول اليد. وأما المعصم، فإنه موضع السوار من اليد أو الساعد. وأما القرط، فمن حلي الاذن يعلق بشحمة الاذن ، سواء أ كَان درّ ة أم ثومة من فضة أم معلاقاً من ذهب.
والخلخال من أدوات الزينة التي يستعملها النساء، يوضع على الساق يصاغ من الذهب أو الفضةْ. وقد يحشى بالقار، كما تحشى الأسورة أيضا في بعض الأحيان لتبدو غليظة. ويستعمل القير والقار في طلي السفن، لمنع الماء من الدخول فيها. والعرب تسمى الخضخاض قاراً، وهو قطران وأخلاط تهنأ بها الإبل. وقد ذكر انه صعد يذاب، فيستخرج منه القار. ولا يزال أهل البادية والقرى يتحلون بالخلخال. وللاجراس الصغيرة التي تعلق به رين خاص ونغمات. وهو من أدوات الزينة المستعملة بين شعوب الشرق الأوسط منذ القديم. وقد أشير اليه في التوراة.
وقد نهى الإسلام تبختر النساء بالخلخال، واثارتهن نغماتها، في ذلك من اثارة للرجال وتأثير عليهم.
والخاتم من عمل وصنع الصائغ، وهو من حلي الاصبع. ويحلى بالحجارة الكريمة في الغالب، مثل الياقوت والماس والشذر وغير ذلك. ويستعمل الخاتم للختم كذلك أي للطبع بدلاً من التوقيع، وذلك بحفر رمز أو كلمة أو عبارة أو اسم صاحب الخاتم على الخاتم، فإذا أريد كتابة كتاب أو تصديق قرار أو وثيقة ختم به على الشيء المراد ختمه، فيقوم اذ ذاك مقام التوقيع والاعتراف بصحة المذكور. ويقال لما يوضع على الطينة وما يختم على اللبنة الخاتم كذلك. ولذلك عد الخاتم عند الشعوب القديمة رمزاً للتفويض والتصديق والملك. وختم الملك، يدل على ارادة الملك ورضائه وأمره. ولذلك قيل: خاتم الملك.
وقد يصنع الخاتم من الشبه أو الصفر أو الحديد، ويعمل على صور وأشكال متعددة متنوعة. وقد كان خاتم رسول الله من حديد ملوي، عليه فضة. وفي المتاحف وعند الناس عدد كبير من الأختام،عثر عليها في مواقع متعددة من جزيرة العرب. وهي تكون عند علماء الآثار لدراسة خاصة، لما كان لها من أهمية عند الشعوب القديمة ولما في بعضها من دقة في الصنعة ومن تفنن وابداع. وبعض هذه الأختام مستورد من الخارج وبعضه متأثر بالاختام الأجنبية، مثل الأختام العراقية أو الأختام اليونانية أو الفارسية.
ويقوم الصائغ بعمل الزينة للرأس، ومنها التيجان. وقد كان ملوك الحيرة يضعون التيجان على رؤوسهم. وقد ورد في شعر لمالك بن نويرة أن تاج النعمان بن المنذر كاد من الزبرجد والياقوت والذهب.
ومن حلي النساء الفتخ والخرُص والسخاب والحلق. وقد حلي بها الأولاد كذلكْ. وكذلك المسكة من ذهب والسلسلة والأطواق والأجراس والجلاجل. ويراد بالفتخ الخواتيم الضخام. يكون في اليد والرِ جل، بفص وبغير فص. وقيل الخاتم اياً كان، أو حلقة من فضة. وأما المسكة، فسوار من ذبل أو عاج، فإذا كانت من غيرهما أضيفت الى ما هي منه. وتوضع السلسلة في العنق، وأما الأجراس فتوضع في الأرجل.
ومن الحلي: "الحُبلة"، ضرب من الحلي يصاغ على شكل ثمرة "الحبلة" يوضع في القلائد في الجاهلية.
ويقال للنقوش والزينة المزوقة والتصاوير المموهة بالذهب "الزخرف". وذكر علماء اللغة أن "الزخرف " الذهب، وهو الأصل، ثم قيل لكل زينة زخرف، وكذلك كل شيء موّه به. قد ورد في كتب الحديث والأخبار أن الكعبة كانت قد زينت بالزخرف، أي بنقوش وتصاوير، وكانت بالذهب. فلما كان يوم الفتح، لم يدخل الرسول الكعبة، حتى أمر بالزخرف فنحي، وبالصنام فكسرت، فدخل بعد ذلك الكعبة.
وقد ألف أهل مكة وغيرهم استعمال الآنية المصنوعة من الذهب والفضة" فاستعملوا الاكواب والاباريق والكؤوس والقوارير والأواني، وبعضها عليه صور مرسومة أو محفورة. وقد أشر في القرآن الكريم إلى هذه الأواني، وذكرت في كتب الفقه، وقد ورد النهي عن الشرب بأواني الذهب في الحديث ، وفي ذلك دليل على وجودها واستعمالها عند العرب قبل الإسلام.
وقد ذكر علماء اللغة أن من الأواني المستعملة من الفضة الجام ، وعرفوا الكوب بأنه كوز لا عروة له، أو هو المستدير الرأس الذي لا خرطوم له. وقد ذكر في شعر عدي بن زيد العبادي ، وفي شعر نفر آخر من الشعراء الجاهليين ممن ألفوا الحضارة. وورد "أكواب" جمع "كوب" في القرآن الكريم، دليل على استعمال أهل مكة للاكواب.
واللفظة من الألفاظ المعربة عن اليونانية. وتقابل لفظة Cup في الانكليزية. وقد أخذت من هذا الأصل اليوناني.
والكوب، هو في معنى "كوس" عند العبرانيين، أي كأس في عربيتنا. وتصنع الكؤوس من المعدن، كما تعمل من الطين. وعملت كؤوس الملوك وكبار الأغنياء من الذهب والفضة. ولبعضها يد أو علاّقة ليحمل الكأس بها. وقد ذكرت لفظة "كأس" في القرآن الكريم.
واستعمل أهل مكة الاباريق المصنوعة من الذهب والفضة كذلك. وقد ذهب علماء اللغة إلى إن لفظة "ابريق" لفظة معربة، أصلها فارسي هو: "آب رى". وقد وردت لفظة "الاباريق" في القرآن، كما وردت لفظة "ابريق" في شعر منسوب إلى عدي بن زيد العبادي.
وأخذ تجار مكة من الفارسية بعض الألفاظ الحضارية التي لها علاقة بالصياغة، بحكم اتصالهم بالعراق، مثل لفظة "زركش"، وهي من أصل فارسي معناه الراسم والناقش على الذهب.
وصاغ الصياغ خرزاً من الفضة، جعلوها على أمثال اللؤلؤ، وعرفت عندهم باسم "الجمان". وقد وردت لفظة "جمانة" في شعر منسوب للبيد. وذكر الجواليقي أن اللفظة معربة من أصل فارسي، وانها تكلمت بها العرب قديماٌ.
ويصنع الصائغ اطارات للمرائي، جمع المرآة، وهي ما تراءيت فيه،وما ترى فيه صور الأشياء. وقد يصنع الصائغ المرآة على هيأة سبيكة مصقولة من الفضة إذا نظر إليها بان وجه الإنسان.وقد ذكر العلماء نوعاَ من المرائي، دعوه "السَجنجل"، وقد وردت هذه اللفظة في معلقة امرىء القيس،وذكر العلماء أن اللفظة معربة من أصل رومي.
وقام الصائغ بعمل كل ما طلب منه، فعمل قبيعة السيف من الذهب والفضة وزين السيوف بالذهب والفضة، بل صنع بعضهم أنوفاٌ من ذهب لمن أصيبت أنوفهم. فذكر أن صائغاً صنع أنفاً من ذهب لعرفجة بن سعد،وكان قد أصيب أنفه يوم الطلاب في الجاهلية.
وزينت الدروع و الدرق بالذهب كذلك. ووجد الصائغ عملاً مهماً له في المعابد، اذ أمدها بزخارف مموهة بالذهب وضعت على أبوابها وعلى الأماكن المقدسة فيها. كما أمدها بالتماثيل المصنوعة من الابريز وبالقناديل والمصابيح المصنوعة من الذهب و الفضة.
ومن أدوات الصاغة المهمة التي يستعملونها في صناعتهم "الحماليج"، وهي المنافيخ، وتستخدم فيَ إيقاد النار وفي زيادة لهبها كي تتمكن من صهر المعدن أو جعله ليناً ليحوله الصائغ على الشكل الذى يريده.
ومن الأدوات المصنوعة من الحديد ومن النحاس والبرنز أيضاً "التور"و "الطست" و "الطاجن"، وهي أوان يوضع فيها الماء في الغالب. وذكر بعض علماء اللغة انها كلها ألفاظ معربة من الفارسية.
وقد عرف التور بأنه إناء من الأواني، وقيل انه إناء من صفر أو حجارة كالإجانة وقد يتوضأ منه.
ومن الأدوات التي يصنعها النحاسون "القمقّم". ذكر بعض علماء اللغة انه الجرة أو ما يستقى به من نحاس. واللفظة ما تزال حية معروفة في العراق، تطلق على وعاء يوضع في " ماء الورد، يسكب منه في المآتم خاصة.
وقد اشتهرت بعض مواضع اليمن بالمعادن، وتعرف الأرضين المحتوية على خاماتها ب "معْدن" عند أهل الأخبار. ويذكر بعد هذه اللفظة اسم المكان الذي يوجد فيه المعَدن ثم نوعه، فقد ورد مثلا "معدن عشم" و "معدن ضخكان"، وقد اشتهرا بالذهب. وذكر إن ذهبهما من النوع الجيد الجليل. أما "معدن القفاعة"، ففيه ذهب كذلك، لكنه دون ذهب المعدنين المذكورين، وهو خير من ذهب "معدن بني محيد".
وقد استغل الناس مناجم الذهب والفضة والحديد، وعثر عند بعضها على أدوات استخدمت في إذابة المعدن، لاستخلاصه من المواد الغربية العالقة به. وقد ذكر "فؤاد حمزة" في كلام على جبل "تهلل" بجوار السودة في عسير، وبه معدن الحديد ، أنه عثر فيها على اثار عشرات النقر لإذابة المعادن. وقد كانوا يضعون خام الحديد المستخرج من منجمه في هذه النقر ومعه، الخشب والاغصان التي توقد لايجاد النار الكافة لإذابة المعدن واستخلاصه من المواد الغريبة المختلطة في خامه. فإذا ذاب المعدن وخلص من المواد الغريبة التي كانت ممتزجة به، عولج معالجة خاصة لتنقيته ولاستخراج فحمه والمواد الأخرى التي تجعله هشاً قابلاٌ للكسر والثلم بسهولة. وقد يعالج جملة مرّ ات ا إن أريد استعماله في أمور تستدعي استعمال حديد نقي صاف في مثل السيوف الجيدة التي يجب صنعها من هذا الحديد.
واستعمل الأتون أيضاً في إذابة المعادن لتنقيتها وإذابتها ولإحالتها إلى الشكل المطلوب. وتوقد النيران في أسفل الأتون، لتذيب المعدن وتحيله إلى سائل يسيل من فتحة تقع في جانبه ليحوله المعدن إلى الشكل الذي يريده. ويخرج الدخان من فتحة تكون في نهاية مرقد النار، وتقوم هذه المدخنة في تهوية الموقد في الوقت نفسه. وطريقة إذابة المعادن وتنقيتها هذه، معروفة عند الرومان واليونان والفرس والعبرانيين. ويطلق العبرانيون على الأتون، لفظة "اًتون" كذلك.
وأشير إلى معادن أخرى في اليمن، منها: الفضة، وقد وجد في "معدن الرصاص"، موضع بين "فهم" من همدان، بين خولان العالية ومراد، ومعها الرصاص، وعليه كان اعتماد أهل اليمن. وكان في الموضع قرية تسمى "قرية الرصاص"، وأهلها من العرنيين. وقد ارتدوا، فقتلهم رسول الله. وعرف الرصاص الخالص بالآنك. وقد ذهب بعض الباحثين إلى انها من أصل إرمي هو "أنكو" Anko.
ومن المعادن: الجزع، واليفران، والعقيق، وهو في مواضع عديدة من اليمن، بعضه بعدن أبيض، وبعضه بأرض وادعة بين صعدة والحجاز، وفي نجران وبيجان.
والنحاس، هو "نحشت" في العبرانية. ويعرف ب "صبرو" S iparu في البابلية. ومن هذه اللفظة "الصفر"، المستعملة في العراق بمعنى نحاس. وذكر علماء اللغة أن النحاس ضرب من الصفر والآنية شديدة الحُمرة. وذكروا أن الصفر: النحاس الجيد، وقيل ضرب من النحاس والصفار صانع الصفر وقد عرف المشغلون بالمعادن طريقة خلط المعادن، فاستعملوها في أغراض شتى. فخلطوا بين الفضهّ والرصاص أو النحاس في صنع التي، وهي الفلوس. وكانت في الحيرة على عهد النعمان بن المنذر. وخلطوا الحديد بمعادن أخرى، ليتناسب مع طبيعة الأشياء التي يراد صنعها منه.ويكون خلط المعادن بنسب مقدرة معلومة كي تؤدي الغاية المرجوة منه. ومن هذه المعادن: الشبه. وقد ذكر علماء اللغة أنه ضرب من النحاس يلقى عليه دواء فيصفر.
وفي العربية لفظة "فولاذ"، وتعني معنى في الانكليزية، أي نوعاً خاصاً من أنواع الحديد وتقابل لفظة "فلدو" "بلدو" في السريانية و "فلداه" في العبرانية. ويظهر أن الفولاذ كان معروفاً عند الشعوب القديمة قبل الميلاد. ولم يختلف أهل اليمن القدماء عن أهل اليمن المحدثين في طرقهم البدائية في استخراج المعادن واستخلاصها من خاماتها، ولا يزال أهل اليمن يضرمون النار في الحجارة المحتوية على المعدن، فيسيل المعدن بتأثير الحرارة، فإذا سال سكب عليه الماء، فيبرد، وتتكون قطع منه، يستعان بها في صنع ما يحتاجون اليه من آلات وأدوات.
ولا يزال كثير من سكان جزيرة العرب يمارسون الصناعات على الطريقة القديمة، يعتمدون فيها على الأيدي وعلى الآلات البدائية التي ورثوها من الماضي، فيبغون الأدم على طريقتم الموروثة، ويصنعون سرج الخيل وهوادج الإبل، والأحذية، وينسجون الأنسجة من صوف الأغنام أو الماعز أو الوبر، للملابس، ولبيوتهم التي تنتقل بتنقلهم.
والعطارة من الحرف القديمة المعروفة، وقد ذكرت في التوراة. والعطار وإن كانَ اسمه قد جاء من العطر بسبب تعاطيه بيع الطيب والعطور، يبيع أيضا مختلف الأعشاب والعقاقير والأدوية. فهو صيدلي في الواقع، واليه تأتي وصفة الطبيب تعين الأعشاب والعقاقير التي يحتاجها المريض. وقد كان العطارون يبيعون في مكة ويثرب وأماكن أخرى أنواع العطور والطيوب، وفي جملتها المسك. وقد ضرب الرسول المثل "بصاحب المسك" أي العطار، إذ جعله مثال الجليس الصالح للر جل.
ويبيع العطارون عدة أشياء تستعمل في الطب وفي الطعام، مثل الزعفران والكركم وهو أصغر، وذكر أنه "الهُرد"، وهو عروق يصبغ بها. ومثل "المصطكا"، وهو علك رومي، ويدخل في الأدوية أيضاً.
وقد يحمل العطارون آلتهم معهم، يضعونها في خريطة من أدم، يطلقون عليها "القفدانة" و "القفدان". وهي لفظة فارسية معربة، وتطلق على المكحلة كذلك كما يقول بعض علماء اللغة.
حرف الإعاشة
وأعني بها الحرف التي تهيىء الأكل للانسان من تقديم أكل وشراب وما بتعلق بهما من أعمال مساعدة في تهيئة ذلك. فيدخل فيها طحن الحبوب والطبخ والخبز والأواني التي يوضع فيها الطعام وما شابه ذلك من أمور.
ولا بد للانسان من سحق الحبوب وطحنها ليكون في امكانه أكلها والاستفادة منها. لذلك فقد يدقها دقاً بين حجرين أو بآلات صلبة، ثم يلهم الحبوب المدقوقة لهماً أو يحمصها على النار أو يمزجها بمادة أخرى لتكون طيبة المذاق مستساغة في الطعم. وقد يطحنها طحناً، أي يحولها إلى دقيق بواسطة: الرحى، وهي حجران من حيث الأساس أحدهما ثابت وهو الأسفل، والآخر متحرك وهو الحجر الأعلى وهو أصغر قليلاً من الحجر الأسفل، به فتحة توضع الحبوب بها فتنزل منها إلى سطح الحجر الثاني، فتقع بواسطة حركة الحجر الأعلى بين الحجرين وتداس فتسحق، وبواسطة استمرار الحركة وثقل الحجر الأعلى تتحول الحبوب إلى طحين يخرج من بين الحجرين إلى الخارج حيث يسقط في حفرة أمامية عملت لتجميع الطحين بها، وذلك فيما إذا كان الحجر الأسفل مبنياً على قاعدة، أما إذا كان متحركاً فيسقط الطحين على أطراف الرحى على قماش أو أي شيء يوضع تحت الحجر الثاني، ثم يجمع الطحين.
وهذا النوع من الرحى هو من النوع المحسنّ الذي يمثل تقدماً في صناعة طحن الحبوب. وقد عثر على نوع هو أبسط من الرحى المتقدمة، فهو عبارة عن حجر مائل نوعاً ما، أحد طرفيه مرتفع عن الطرف الاخر، يوضع الحبّ عليه ثم يسحق بحجر اسطواني الشكل في الغالب يمسك بالأيدي من مقبض نحت منه على كل طرف من طرفيه ثم يحرك على الحبوب لسحقها، وقد يقبض بطرفي الحجر ثم يحرك نحو الأسفل فالأعلى حتى تسحق تلك الحبوب وتتحول إلى طحين.
ولا أستبعد استعمال العرب الجنوبيين للطواحين الكبيرة التي تدار بالماء، وذلك بالاضافة إلى الطواحين التي تديرها الحيوانات، وذلك لبيع الطحين في الأسواق. وقد كان الناس يستعملون الرحى في الغالب للحصول على الطحين، فلم يكد يخلو بيت منها، ولذلك كانت صناعة الرحى من الصناعات النافقة المربحة في ذلك الزمان.
والطحن من الأعمال التي تخصص بها النساء، وتقوم به الخادمات في البيوت الكبيرة. وقد توضع جملة رحى في البيت الكبير حيث تخبز كميات وافرة من العجين لإعاشة أفراد البيت.
ولمكانة الرحى عند القوم يومئذ، تخصص أناس باصلاح الحجر لتحويله إلى رحى صالحة لطحن الحبوب أو لعمل الزيوت. وليس يصلح كل حجر لأن يكون حجر رحى، ولهذا فعلى الخبيز بالرحى اختيار الحجر الصالح، ثم عليه اصلاحه ليكتسب الاستدارة وعمل ثقب فيه ونقره وغير ذلك مما يتعلق بهذا العمل.وتكون حجارة الرحى مختلفة في الحجم، باختلاف العمل الذي يوكل إليها أداوه. فبعض الرحى كبيرة ثقيلهّ ذات قطر واسع، وتستخدم في طحن بعض المواد الصلبة مثل العفص ومواد الدباغة الأخرى والمواد التي تستخدم في إنتاج الزيت والطحين. ويستخدم الحيوان لإدارة مثل هذه الرحى. وقد عثر على حجارة رحى ضخمة استخدمها العرب قبل الإسلام في تلك الأغراض.
وبائع الحنطة يقال له الحنّاط، يعيش من الإتجار بالحنطة، وقد يبيع معها الشعير والحبوب الأخرى. وقد ورد ذكر "الحناطين" في كتب الحديث.
والخبز في العادة هو من الأعمال البيتية، أي من الأعمال التي تتم في البيت، حيث تقوم الزوجة بخبزه، ويقوم الرقيق أي الخدم بخبزه في البيوت الكبيرة الغنية. وهو من اختصاص النساء.
وقد احترف بعض الناس الخبازه، وعرف واحدهم ب "الخباز"، إذ يصنع الخبز المصنوع من الحنطة أو المصنوع من الشعير أو من الذرة ومن الرز. والخبز على اْنواع، فيه الغليظ وفيه الطري وفيه الناشف، وفيه ما يضاف اليه السكر. وقد ذكر أن من الخبز الغليظ ما يقال له "جرذق" و "جردق" و "الجردقة"، واللفظة فارسية معربة وأصلها "كرده".
والخبز المصنوع من الحنطة، هو أجود أنواع الخبز وأغلاها، ولذلك يعتبر خبزها خبز الأغنياء وخبز الطبقة المتمكنة. اًما خبز الأعراب والفقراء وأهل القرى فهو الخبز المصنوع من الشعير أو من الذرة. ويقتات فلاحو بلاد الشام واليمن بخبز الذرة، لوجوده بكثرة عندهم، ولرخص ثمن الذرة بالنسبة إلى القمح. كما يقتات بعضهم بالخبز المصنوع من "الدخن"، وهو من الحبوب القديمة وقد أشير اليه في التوراة.
ومن أنواع الخبز "المرقق"، أي الرقاق، وقد ورد ذكره في كتب الحديث، ويقال له "المرقوق" في بلاد الشام، ويعرف ب "رقيقيم" أي "الرقيق" عند العبرانيين. ولا زال معروفاً مستعملاً. ويكون ناشفاً رقيقاً يمكن حفظه وخزنه مدة طويلة. ولذلك يدخر للشتاء وللاسفار. ويرقق خبز الرقاق بآلة تسمى: المرقاق.
والخبز الجيد هو الخبز المصنوع من الطحين المنقى الصافي من قشرة الحبوب، وذلك بنخل الطحين في منخل فيسقط لبّ الطحين ويعزل عن القشرة التي تبقى في المنخل، حيث يستعمل لأغراض أخرى كعلف للحيوان، أو لتنظيف الأواني وما شابه ذلك من أعمال.
و "الكعك"، هو نوع من الخبز اليابس. ويحمل في الأسفار أيضاً، حيث يبقى مدة طويلة محافظاً على طعمه ونكهته. وقد ذكره بعض اللغويين في المعربات. والسميذ، نوع من أنواع الخبز اليابس كذلك.
وقد يحلى الخبز، بوضع مادة حلوة فيه، وقد يعجن بالدهن أو الزيت، وقد توضع فيه بعض المواد لاعطائه نكهة خاصة، أو يوضع عليه السمسم أو غيره، كما نفعل اليوم.
ويخبز الخبز عند الحضر وأهل الريف في "التنور". و"التنور" من الألفاظ الواردة في عدد من اللغات السامية، فهو "تنورو" Tanuru في الآشورية. و "تنور" في العبرانية. والتنور العربي هو نفس البابلي القديم نفسه.
وقد عير "حسان بن ثابت" رهط "النجاشي" الشاعر بأنهم لم يكونوا أهل حرب ولا طعان ولا فرسان، وانما هم قوم لا يعرفون غير الأكل والجلوس حول التنانير، يأكلون ما يخبز فيها.
وعاش بعض الناس على بيع الحليب واللبن والزبدة والجبن. أما "اللبن"، فإنه الحليب المثخن، أي الحليب الغليظ. غلظ بتسخينه وبإضافة خميرة اليه. وأما الربدة،فتستخرج من خض الحليب وتحريكه، فتتجمع مادة دهنه وتكون الزبدة. وأما الجبن، فإنه من أكل أهل القرى والمدن في الغالب. أما الأعراب، فلم يستعملوه بكثرة، ولا زالوا على هذه العادة. وقد يستعمل بعضهم اللبن المجفف، فبعد تحويلهم الحليب إلى لبن، يجففون اللبن، ويستعملونه عند الحاجة. وقد ذكر الجبن في التوراة ب "جبينه" من أصل "جبن" احد الألفاظ السامية القديمة.
ويعيش أناس من الجزِارة، فكانوا يبيعون اللحم ويتكسبون بهذه الحرفة، كما كانوا يقومون بالجزارة للناس في مقابل أجر يتقاضونه، قد يكون نصيباً يدفع اليهم من الذبيحة، وقد يكون شيئاً آخر يحصل التراضي عليه. ولكن العادة أن يقوم الذبّاحون بذبح الذبائح لأهل البيوت مقابل دفع شيء اليهم من الذبيحة أو بعض الأشياء التي يحتاجون إليها، وقد يقوم بالذبح أصحاب البيوت أو الخدم أو الطباخون وذلك في العوائل الكبيرة، ولهذا فحرفة الجزارة لم تكن من الحرف الشائعة، لا سيما وأن سواد الناس لم يكن في امكانهم تناول اللحوم في كل يوم، لغلائه بالنسبة لهم، بل كانوا يعيشون على الخبز وبعض الادام الرخيص، ولهذا صار الخبز المادة الأساسية في معيشة الإنسان، ومن هنا قيل له "العيش"، وقيل للطعام: "العيش". كما كان اللبن أساساً لمعيشتهم، وقد يتأدمون بالتمر مع الخبز.
وأحسن اللحوم عند العرب لحوم الإبل ، لا يفضلون شيئاً عليها ، ومنهم من كان يستطيب أكل الضب. وهم في أكل لحم الجمل على عكس يهود، الذين يحرمون أكل لحوم الجمل. أما لحوم الغنم والماعز، فإنها تكون عند أهل القرى والمدن، حيث يبيعها الجزارون. وقد يأكلون لحوم الخيل. وفي الأدب العربي قصص عن ذبح فرس لضيف قادم، حين لا يكون لدى المضيف من حيوان سوى الفرس. وقد يأكلون الحمر الوحشية، والحيوانات الأخرى حيث يصطادونها. أما الدجاج، فإنه من مآكل أهل القرى والمدن حيث تربى عندهم ويبيعونها في السوق.
وكان مأكولهم في غالب الأزمان لحوم الصيد والسويق والألبان، وكان الغالب من أهل باديتهم لا يعاف شيئاً من المأكل لقلتها عندهم. وكان الاصطياد ديدناً لهم، وسيرة فاشية حتى كان ذلك أحد المكاسب التي عليها معاشهم،لاضطرارهم إلى النقلة في الغالب وتشاغلهم بالحروب وغزو بعضهم بعضأ،ولضيق ذات يدهم، فكانوا يتغلبون على كل ذلك بالاصطياد وبمطاردة الحيوانات بكل طريقة ممكنة لأكل لحومها.
والطباخة من الحرف التي كانت معروفة غد الجاهليين. وقد ورد في كتب اللغة والأَخبار وكتب الحديث أسماء بعض الأطعمة التي كان يستعملها أهل الجاهلية وبينها أسماء أطعمة معربة، اقتبسها العرب من الفارسية والارمنية واليونانية. ومن هذه الاطعمة المعربة، "الخرديق" "الخردق"، وهو طعام شبيه بالحساء أو "الخزيرة". وقيل المرفة بالشحم. ذكر العلماء أنها من أصل فارسي، هو "خورديك" و "الحشنكان".
وتقوم المرأة صاحبة البيت بالطبخ، أما إذا كانت الأسرة غنية موسرة، فتستخدم طباخات للطبخ. وقد يقوم "طباخ" بذلك. وفي الولائم الكبيرة حيث يدعى عدد كبير من الناس، يصعب على الطباخات الطبخ بالقدور الكبيرة، ولهذا يقوم الرجال بذلك.
وقد استخدم أصحاب المال والثراء طباخين أعاجم لطبخ الأطعمة لهم، وذلك لاتقانهم عمل الطبخ ولتفننهم فيه،ولمعرفتهم بأنواع المآكل الأعجمية التي لا يعرفها العرب. وقد ذكر أن "عبد الله بن جدعان" جاء بطباخ فارسي، من العراق ليطخ له مأكولات لا يعرفها أهل مكة وقد أعجبته ، ومنها الفالوذج، وهو من مأكولات الفرس.
وتستعمل القدور في طبخ الأكل. والعادة أن تكون هذه القدور من معدن. مثل نحاس أو حديد. ولكنها قد تصنع من الحجارة المنحوتة أو طين مشوي بالنار، أي قدور من فخار. وتستخدم المقلاة للقلي، فيقلى فيها أو في القدر ما يراد قليه من لحم أو غير ذلك. وقد يسلق اللحم، او الخضر سلقاً، ويعبر عن ذلك في العبرانية بلفظة "سلق" كذلك. أما "المرق"، فيقال له "مرق" في العبرانية كذلك. وقد يهيأ الطعام بطريقة الشوي على النار، بان يشوى اللحم أو السمك على النار، ويعبر عن ذلك بالشواء. يعلق اللحم أو السمك بعود أو أعواد أو بعود من حديد، ثم يقرب من اللهيب أو الجمر حتى ينضج اللحم أو السمك فيرفع للاكل.
وقيل للقدر "البرمة" بلغة أهل مكة والجمع "برِام". وقد وردت لفظة "قدر" في القرآن الكريم: "وجفان كالجوابي وقدور راسيات " والمفرد: قدر. و "القدير" ما يطبخ في القدر. وقيل ما طبخ من اللحم بتوابل، فإن لم يكن ذا توابل فهو طبيخ. والقدار: الطباّخ، وقيل الجزّ ار، هو الذي يلي جزر الجزور وطبخها. قال مهُلهل: إناّ لنضرب بالصوارم هامها ضرب القدار نقيعة القدّام
وعرفت البرمة بقولهم: البرمة: قدر من حجارة والجمع برم وبرام. وهي في الأصل المتخذة من الحجر المعروف بالحجاز واليمن ، ويطلق على الحجارة التي تنصب عليها القدر أثافي، واحدتها أثفية ، وعلى المسافة بين أثافي القسر التي يجتمع فيها الجحر "الر بعة".
وطعام ابن البادية طعام محدود، لضيق أرضه وسذاجة حياته. أما الحضر، ولا سيما أصحاب الحضارة ومن كان منهم على اتصال بالروم والفرس، فكانت أطعمتهم متعددة متنوعة، فيها تفنن ومهارة في الطبخ. وقد يبقى الأعرابي مدة لا يذوق فيها طعاماً مطبوخاً باللحم، لأن اللحم نادر في البادية، إلا إذا جاء ضيف فنحر له، أو وقع له صيد. ولهذا أكل بعضهم الضباء والأرانب والحيوانات الأخرى التي تقع أيديهم عليها، لحاجتهم إلى اللحوم، وأكَلوا الجراد. والأغلب في لحوم الصيد، لسهولة ذلك.
أما الحضر وسادات القبائل وذوو اليسار، فكانوا يطبخون وقد وردت اسماء بعض أطعمتهم في الشعر وفي الحديث النبوي، ومنها الثريد وهو لحم مقطع يغلى في الماء، وقد يوضع البصل معه أو مادة أخرى، وبعد نضجه يثرد خبز ويلقى اللحم والمرق عليه، فيسمى الأكل ثريداً. وقد كان من الأكل الطيب المحبوب. وقد ذكر في كتب الحديث. ويقدم في الولائم وللضيوف. والخبز ممدوح عند العرب، ولذلك مدح هاشم حين هشم الخبز. والثريد عام في الأشراف، يقدمونه للناس، ويرون أكل الخبز، سبباً في صفاء العقل. ولهذا ذكروا أن كسرى مدحه، حينما سمع حديث هوذة بن علي الحنفي معه، فلما رأى رجاحة عقل هوذة وحسن ذكائه، قال له: "ما غذاؤك ببلدك ? قال:
الخبر. فقال كسرى: هذا عقل، الخبز، لا عقل اللبن والتمر. ويقال: إن عبد الله بن حبيب العنبري، كان يعاف التمر، ولا يرغب في اللبن، ولا يأكل إلا الخبز، فقيل في المثل " أقرى من آكل الخبز " وكان من الأجواد. وفي كتاب الأغاني: أن كسرى قال كلامه المذكور المتقدم إلى غيلان بن سلمة، وهو من ثقيف، وكان قد جاء مع أبي سفيان في تجارة إلى العراق. وقد خاف أبو سفيان من الفرس ومن احتمال مصادرتهم أموال تجارتهم، فتقدم غيلان، ودخل مع الداخلين إلى بلاط كسرى، وتحدث معه، فأعجب كسرى به، وأخذ يسائله، حتى سر منه، فاشترى منه تجارته، وقال له ذلك القول المذكور، وكساه، وبعث له معه من الفرس من بنى له أُطماً بالطائف، فكان أول أطم بني بها".
وفي المآدب الكبيرة يكون "الثريد"، هو الطعام الرئيسي. ويهيأ بسلق قطع اللحم الملقاة في الماء، وقد يضاف اليه البصل والحمص، فإذا سلق اللحم ونضج، وتولد منه مرق، ألقي مع مرقه على الخبز المثرود في قصع وصحاف، ليأكله المدعوون. والثريد من الأطعمة المحببة إلى نفوس أهل مكة والحجاز. وقد قدم "ابرهة" الثريد إلى الجنود والفعلة الذين أتموا سدّ مأرب، وذلك يوم الاحتفال بانتهاء العمل. وقد يقابل ذلك ما يقال له "سلوق" و "سليقوت" عند العبرانيين. وقد أشير إلى الثريد في قصة ذهاب "هاشم بن عبد مناف" إلى بلاد الشام، والتقائه بهرقل، وتثريده لمن معه ولأهل مكة.
ولازدراء العرب من يزرعون البقول والخضر، أحجم الناس عن زراعتها، فقل وجودها في مطابخ أهل الحضر. أما أهل البادبة، فإن مآكلهم تكاد تكون خلواً من الخضر المطبوخة، لندرة الخضر في البادية، ولأنها تحتاج إلى لحم، وهو نادر في البادية أيضاً. ثم إن الطبخ المعقد، لا يناسب الحياة في الصحراء، لهذا كان المطبخ الجاهلي،مطبخاً يكاد يكون مستغنياً عن الخضرة المطبوخة باللحوم. لا يستثنى من ذلك إلا الساسة المتصلون بالروم وبالفرس وأهل اليمن، والأغنياء من أهل المدن والقرى، فقد كان في امكانهم الحصول عليها،ومن هنا استعملوها في الطبخ، يطبخونها مع اللحم.
لذا صار عماد الأكل الجاهلي والتمر واللبن والسمن والدقيق المصنوع من البر أو الشعير والشحوم والعسل، وذلك عند أهل الحضر في الغالب، والجراد والأقط. واذا دققنا في قائمة المأكولات الجاهلية، رأينا موادها لا تتعدى هذه الأشياء، وهي تختلف باختلاف خلط هذه المواد وباختلاف مزجها وطبخها. ولكنها كلها لا تخرج عن حدود الأشياء المذكورة.
ونجد في قائمة مأكولات أهل الجاهلية أكَلات تقوم على استعمال الدقيق في الطبخ. من ذلك الحساء: وهو طبيخ يتخذ من دقيق وماء ودهن. وقد يحلىّ ويكون رقيقاً يحسى.
وقد يستعمل الدقيق مع الحليب، بأن يطبخ، ومن ذلك الحريرة: الحسا من الدسم والدقيق، وقيل هو الدقيق الذي يطبخ بلبن ؛ وقيل الحريرة من الدقيق والخزيرة من النخال. وقد عرفت قريش باكثارها من أكل أكلة عرفت ب "سخينة"، ولاكثار قريش من أكلها عيرّت نجا حتى قيل لها "سخينة". والسخينة أكلة ارتفعت عن الحساء وثقلت عن أنُ تحسى، وهي طعام يتخذ من الدقيق دون العصيدة في الرقة وفوق الحساء، وذكر انها دقيقُ يلقى على ماء أو لبن فيطبخ ثم يؤكل بتمر أو يحسى، وقيل تعمل من دقيق وسمن. وذكر أن الناس يأكلون السخينة في شدة الدهر وغلاء السعر وعجف المال.
ويذكر أهل الأخبار أن أول من لقب قريشاً ب "سخينة" "خداش بن زهير"، حيث يقول: يا شدة ما شدنا غـير كـاذبة على سخينة لولا الليل والحرمُ
فذهب ذلك على أفواه الناس حتى كان من التمازح به ما كان بن معاوية بن أبي سفيان وبين الأحنف بن قيس التميمي، حين قال له: ما الشيء الملفف فىِ البجاد ? فقال له: السخينة يا أمير المؤمنين، أراد معاوية قول الشاعر: إذا ما موت ميت من تمـيم فسرك أن يعيش فجيء بزاد
بخبز، أو بلحم، أو بـتـمـر أو الشيء الملفف في البجاد
يريد وطب اللبن ، وأراد الأحنف قول خداش بن زهير، يا شدة ما شددنا.. البيت. وحتى قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لكعب بن مالك الأنصاري: أترى الله نسي قولك ? يعني: زعمت سخينة إن سَتغَلب ربها وليغلبنّ مغالب الـغـلاب "
وورد في بعض ت الروايات أن البيت المتقدم هو من شعر حسان بن ثابت.
ومن المآكل التي يأكلها أصحاب العيال إذا غلب عليهم الدهر: النفيتة، وهي الحريقة، أن يذر الدقبق على ماء أو لبن حليب حتى تنفت، ويتحسى من نفتها، وهي أغلظ من السخينة وقد قيل عنها: حساء بين الغليظة والرقيقة. والحريقة اسم مرادف للنفيته.
ومن المآكل الحدرقة. وهي دقيق يلقى على ماء أو على لبن فيطبخ ثم يؤكل، بتمر أو يحسى وهو الحساء ، فهي مثل السخينة ، والنفيتة والخزيرة والحريرةء وقيل الحريرة أرق منها. و "النجيرة" العصيدة: وهي لبن وطحين يخلطان. ومنها " الصحيرة"، وهي اللبن يغلى ثم يذر عليه الدقيق. ومنها "العكيسة"، وهي لبن يصب عليه الإهالة وهي الشحم المذاب. ومنها "الغريقة"، وهي حلبة تضم إلى اللبن والتمر وتقدم إلى المريض، والنفساء، ومنها "الرغيدة" وهي اللبن الحليب يغلى ثم يذر عليه الدقيق حتى يختلط فيلعق.
ومني مآكلهم: "الاصية"، وهي دقيق يعجن بلبن وتمر،: منها "الرهية"، وهي بر يطحن بين حجرين ويصب عليه لبن. ومنها "الوليقة" وهو طعام يتخذ من دقيق وسمن ولبن، ومنها "الخزيفة"، وهي شحمة تذاب ويصب عليها ماء يطرح عليه دقيق فيلبك به،ومنها "الرغيغة"، وهي طعام من دقيق وماء وليست في رقة السخينة، و "الربيكة"، وهي طعام يخذ من بر وتمر وسمن. ومنها "التلبينة"، وهي حُثالة تتخذ من دقيق أو نخالة ويجعل فيها عسل. ومنها "الوثيقة"، وهي أن يغلى اللحم ثم يرفع. و "العثيمة"، طعام. يطبخ ويجعل فيه جراد وههو "الغشيمة" أيضاً. و "البغيث" و "الغليث" الطعام المخلوط بالشعير.
و "العريقة"،وهي شيء يعمل من اللبن. و "البكيلة" السمن يخلط بالأقِط، وقيل الدقيق يخلط بالسويق ثم يبل بماء أو بسمن أو بزيت.
ومن مآكلهم "الخزيرة"، وهي أن ينصب القدر بلحم يقطع صغاراً على ماء كثير، فإذا نضج، ذر عليه الدقيق. فإن لم يكن لحم، فهو عصيدة. وينسب صنعها إلى سويد بن هرمي. ولذلك قال شاعرهم لبني مخزوم: وعلُمتمُ أكل الحـزير وأنـتـم على عدواء الدهر صم صلاب
وعرفت الخزيرة: انها اللحم الغابُ يؤخذ فيقطع صغاراً في القدر ثم يطبخ بالماء الكثير والملح، فإذا أميت طبخا ذر عليه الدقيقّ فعصد به ثم أدم بأي ادام شيء، ولا تكون الخزيرة إلا وفيها لحم، فإذا لم يكن فيها لحم فهي عصيدة. وقيل الخزيرة مرقة،وهي أن تصفى بلالة النخالة ثم تطبخ، وقيل الخزيرة والخزير الحسا من الدسم والدقيق، وقيل الحسا من الدسم.
وضع أهل مكة طعاماً، عد عندهم من رقيق العيش،هو لباب البرّ بصغار المعزىْ، وهناك أكلات أخرى بسيطة، مثل أكل تمر مع لبن أو الزبد مع الرطب، أو خلط لن بلبن آخر ذكر أسماءها علماء اللغة ، لا أرى حاجة إلى ذكرها، لعدم وجود أهمية لها وعلاقة كبيرة بهذا الموضوع.
وقد استورد الحضر بعض مآكلهم من الخارج، لاستساغتهم واستحسانهم،فقد قيل إن عبد الله بن جدعان سيد قريش كان قد زار العراق، ودخل قصر كسرى وأكل عنده. وكان في جملة ما أكل "الفالوذج"، فتعجب منه، وسأل عنه، فوصف له. ويقال انه ابتاع غلاماً يصنعه، وأخذه معه إلى مكة، وصار يأكله وأمر بوضع موائده بالأبطح إلى باًب البيت، ليأكله الناس، وكان ممن أكله أمية ين أبي الصلت، فقال فيه شعراً ومدح صاحبه لجوده وكرمه: إلى ردح من الشيِزى عليها لبُاب البُرّ يُلبك بالشِـهـاد
والردح: الجفنة العظيمة، والشيزى: خشب أسود تتخذ منه القصاع، واللباب: الخالص، والشهاد: العسل. وقد نسب "البرقوقي" ذلك البيت إلى "ابن الزبعرى"،عبد الله وهو من الشعراء الذين عرفوا بهجائهم للرسول وبدفاعهم عن المشركين.
وكان عبد الله بن جُدعان من أغنى أغنياء قريش، جمع مالا. عظيما، ولكنه كان على خلاف عادة التجار الأغنياء كريماً جواداً متأنقاً ينفق على طعامه وشرابه. كسا بيته بأحسن ما كان في ذلك العهد، كانت أواني شربه من ذهب، وفيه ورد في المثل: أقرى من حاسي الذهب.
ويقال إن ابن جدعان هذا كان في ابتداء أمره صعلوكاً تربَ اليدين، شريراً فاقطاً، لا يزال يجني الجنايات، فيعقل عنه أبوه وقومه، حتى أبغضته عشيرته، ونفاه أبوه، وحلف لا يؤويه أبداً، فخرج في شعاب مكة تائهاً حائراً، فرأى شقاً في جبل، فدخل فيه ليستريح، وإذا به يعثر على مقبرة فيها جثث عليها ثياب قد بليت، صارت كالهباء حين لمسها، ووجد كنزاً حمله معه إلى والده ليسترضيه، فرضي عنه، ومن هناك جاء غناه. ويقال إنه كان نخاساً. وروي انه مذ هذا الحادث صار يطعم الناس ويفعل المعروف، وصنع له جفنة كيرة جداً ياكل منها القائم والراكب لعظمها، ووضع له جفاناً في ردحة بيته ليأكل منها من يقصده. وورد إن الرسول ربما كان يحضر طعامه، وقد رأى جفنته، واستظل بها اضخامتها.
ولمكانته هذه ولمنزلته في قومه وبين الناس، آمنت به العرب، ووثقت به، فكانت تدفع اسلحتها اليه، حتى تفرغ من التسوق من سوق عكاظ ومن الحج، فإذا أرادت الرجوع، دفع إليها أسلحتها.
وقد عرف السكر عند الجاهليين، ويقال له: المبرت بلغة حمير. ولايستبعد صنعه في جزيرة العرب أو استيراده من الهند او من اماكن أخرى. وقد ذكر "ديوسقوريدس" Dioscurides أن في الهند وفي اليمن مادةً تشبه الملح في المنظر، تستخرج من سائل،كالعسل ، وفي هذا الوصف ما ينطبق على السكر.
حرف أخرى
ومن الحرف الحلاقة 9 والحجامة. ويجمع الحلاّق في الغالب بين حلاقة الشعر والحجامة. ويستعملَ الحلاق الموسى والمقص في الحلاقة، ويتخذ المرآة لإراءة المحلوق شعره وكيفية قصه، وكذلك يتخذ أدوات زينة وطيب لتطييب الشخص، إذ الحلاقة نوع من أنواع الزينة كذلك. وكانت حلاقة الرأس مختلفة، لا تجري على طريقة واحدة. فلقبائل عادات مختلفة في طريقة حلاقة الشعر وقصه، كما أن الأعراب يختلفون عن أهل المدن في تنظيم شعر رؤوسهم وحلاقته. وهم يدهنون. شعورهم ويتركونها تتدلى في الغالب، وقد يجعلونها ضفائر وجدائل تتدلى على الاكتاف.
واعتماد الحجام على الموسى يشرط به جروحاً خفيفة يمص منها الدم بكأس من الزجاج توضع فوق الشرط، ثم يسحب الحجام الهواء من الفتحة الضيقة المتصلة بقناة داخل الكأس،، فيخرج الدم إلى داخل الكأس. وقد كانت الحجامة من وسائل التداوي في ذلك الزمن. كذلك عد "الفصد"، وهو اخراج الدم من عرق في اليد، نوعاً من أنواع المداوة. ويقال للقائم به "الفصاد". وقد يقوم بذلك الأطباء. واستعمل نوع من الديدان في امتصاص الدم " كذلك. وذلك كنوع من أنواع المعالجات الطبية. ولا تزال هذه الطريقة معروفة عند الأعراب وأهل القرى والمدن. وقد حجم الرسولَ رجلٌ اسمه "أبو طيبة"، وأعطاه أجره عليه ويستعمل الفصاد المبضع في الفصد.
وعاش بعض الناس على بيع الحطب، فكانوا يجمعونه من البادية ومن الجبال ويأتون به إلى المدن والقرى مثل مكة ويثرب فيبيعونه. يقوم بذلك "الحطّابة". وقد نعتت امرأة أبي لهب في القرآن الكريم ب "حمالة الحطب"، وذلك على سبيل الازدراء والتحقير. ويشد الحطب ويربط في بحبل، ويوضع على ظهر الدابة، وقد يحمله الأشخاص لبيعه. والأغلب أن تبيع النساء العاقول والحطب.
والرتم من الحطب الذي يعطي ناراً شديدة ذات لهب، يبيعه الحطابون لأهل المدن، ويقال له "روتيم" في العبرانية. ويتخذ منه فحم، وذلك باطفاء ناره قبل احتراقه. فيتولد من ذلك الفحم.
ومن أنواع الحطب الأطد، وهو: "اطد" في العرانية أيضاً. والعوسج، والحدق. ويقال ل "حدق" في العبرانية كذلك، والسمر، وهو "شمير" عند العبرانيينْ.
وقد كان أكثر من يتعاطى الطبخ والخبازة والجزارة من العبيد. وقد تخصص بعضهم بعمل واحد من الحرفة الواحدة ? مثل بيع نوع واحد من الطبيخ فذكر إن رسول الله دعا اليه مرة عبداً، كان يبيع الخرديق. "القد ار" هو "الجزار".
والموقد، هو الموضع الذي توقد فيه النار، وبعرف ب "ميقده" عند العبرانيين. وقد كان عرب بلاد الشام والعراق يتخذون المواقد للاصطلاء بها في أيام الشتاء، كما يستعمله الطباخ موضعاً للطبخ يضع القدور عَليه ويشعل فيه النار.
وقد عاش اناس على كراء الحمير والإبل للمحتاجين إلى ذلك، ويقال لذلك البرطة. ولمكترها للناس المبرطس.
وقد احترف بعض الأناس حرفة صنع الحصر والسلال والقلل والسرر. صنعوها من الخوص ومن سعف النخيل، لوجودها بكثرة. وصنعها بعضهم من القصب وذلك في الأماكن التي تكثر فيها المياه والرطوبة. ولا تزال هذه الحرف قائمة معروفة.وتصنع بعضها بنسج إلخوص أو الألياف كما هو الحال بالنسبة إلى "الحصر"، جمع حصير المنسوج الذي يبسط في البيوت. وذكر أن الحصير: سقيفة تصنع من بردي وأسل ثم تفرش.
ويستخدم "السفط" فْي حفظ الأوراق: الاشياء الثمينة. ويصنع من القصب والخيزران ومن الخوص أيضاً، حيث يصف صفا.
و "القفة"، نوع مهم من السلال أيضاً. وتكون مختلفة الحجوم. و تستخدم في أغراض متعددة، ومنها نقل الطين، وتعرف عند أهل العراق ب "قفة الطين"، أو لنقل الأحجار. وتصنع من المعدن أو من الأغصان. وأشير إليها ب "Kophinoi " و "Kophinos" "Cophinus "في الأناجيل، من اليونانية حيث تسمى ب "Kophinoi" ،"Kophinos "واللاتينية،حيث تسمى ب ""Cophinus. ولعل بين لفظة "قفة" والتسمية اليونانية اللاتينية صلة.ومن لفظة،"Kophinos"،أخذت لفظةCoffen""، أي تابوت. ويلاحظ أن بين هذه اللفظة ولفظة "كفن" العربية، صلة كبيرة كذلك.
وذكر علماء اللغة إن القفة: الزّبيل، ويسمونها القفعة ويجعلون لها معاليق يعلقونها بها من آخرة الرحل، يلقي الراكب فيها زاده وتمره، وهي مدورة. وعرفت انها شبه زبيل صغير من خوص يجتنى فيه الرطب وتضع فيها النساء الغزل. وعرف الزبيل والزنبيل: الجراب، وقيل الوعاء يحمل فيه، والقفة.
وأما السلة المصنوعة من الخوص، فيقال لها "العلاقة" في العراق في الوقت الحاضر. وتكون صغيرة ومتوسطة. أما الكبيرة، فيقال لها "الكوشر" و "الزنبيل"، ويستعملهما الحمالون في حمل الأشياء للناس.
وتستعمل السلال المصنوعة من الأعواد ومن أغصان الشجر الطرية في حفظ الأطعمة والمطبوخات، لدخول الهواء إليها، ولمنع الطيور والكلاب والقطط من الوصول إليها. وتكون مثل هذه السلال مرتفعة ذات قاعدة أصغر من الوجه العريض الذي يوضع على العرض.
وقد وردت في التوراة والانجيل وفي الكتب اليونانية واللاتينية وفي الاثار المصرية أسماء سلال صنعت في ذلك العهد.تفيدنا في تكوين فكرة عن السلال عند الجاهليين. وقد صنعت بعض تلك السلال من القصب ومن التبن ومن الخوص ومن الأعواد، وهي مختلفة في الأحجام والسعة. ففي التوراة لفظة هي: "س ل" "سل"، وهي "السلة" عندنا. والجمع "سلال". وتصنع في بلاد العرب من الخوص أو من الأغصان الطرية.وتستعمل في نقل الخبز واللحوم والخضر والأشياء الأخرى.
وهي مثل الكيس أحياناَ، يمكن ضمها بعضها إلى بعض وتكون لها يد تحمل بها. وهي في مقابل "الطبق" عند العراقيين. غير إن الطبق ثابت يصنع من اغصان بعض الأشجار مثل الرمان،حيث تكون لينة لا تنكسر. ويكون بأحجام متعددة، منه ما هو صغير الحجم، ومنه ما هو وسط ومنه ما هو كبير يستعمل لنقل الخضر والفواكه من البساتين والحقول إلى مواضع البيع. ومنه ما يستعمله القصابون المتجولون لبيع اللحم.
والسرير: المضطجع والذي يجلس عليه. وكانت أكثر الأسرة مصنوعة من الجريد، وذلك لتوفر الجريد في كل أنحاء جزيرة العرب، وقلة الخشب فيها. ولبست العباءة كذلك. تلبس فوق الملابس. وقد ذكر أن رسول الله كان يلبس العباء.
والبيطرة من الحرف المعروفة عند الجاهليين. وقد كانوا يستعملون الأدوية والكيّ في مداواة الحيوان كما يستعملون بعض الآلات في معالجتها، مثل "المبزغ" وهو مثل مشرط الحجام.
حرف الجلد
والدباغة حرفة مهمة اشتهرت بها أماكن متعددة من جزيرة العرب، ولا سيما بعض القرى والمدن مثل الطائف وجرش مواضع متعددة في اليمن وفي العربية الجنوبية. وهي صناعة تقوم على أساس اصلاح الجلد وإبعاد الصوف والشعر عنه، للاستفادة منه في أغراض نافعة. وقد استخدم الدباغون موادَّ مساعدة تعين على نتف الصوف والشعر من الجلد بسهولة، وبدون أذى له أو للجلد، مثل مادة الجير أو مواد أخرى، كما استخدموا مواد تساعد على حفظ الجلد ومنعه من التلف لدبغه، مثل العفص وغيره من مواد نباتية دابغة. وقد أنف كثير من الناس من هذه الصناعة وتجنبوها، لما ينشأ عنها من روائح كريهة ولاستعمال الدباغين بها مواد تعدّ نجسة في نظر بعض الأديان. كلما منعوا إقامة المدابغ في الأماكن المأهولة المعمورة، وحرصوا على عزلها وحصرها في الاماكن البعيدة عن أحياء السكنى ولا سيما سكنى الطبقات المتنفذة الغنية.
ويقوم الدباغون ببيع ما يدبغونه من التجار. وقد يحمل إلى أسواق بعيدة لاستخدام، في أغراض عديدة، كتحويله إلى قرب يخزن فيها الماء أو يحمل أو أوعية تحفظ فبها الخمور والسمن والسويق والطيب أو أحذية و سيور وغير ذلك من الحاجات. وقد يحوّ له الدباغون أنفسهم إلى هذه الاشياء المذكورة. كما تخصص أناس بحرف تحويل الجلود إلى مواد نافعة يستعملها الإنسان في حياته اليومية، كالمواد المتقدمة والدلاء وأمثال ذلك من أدوات.
والقرب في ذلك الوقت مهمة برداً في حياة الإنسان.فقد كانت مخازن متحركة يخزن فيها أشياء كثيرة ضرورية. فكانت أوعية لحمل الماء في الحضر وفي السفر كما كانت الأوعية الرئيسية لحفظ الخمور والانبذة والزيوت والدهون والشحوم والدبس والمواد الغذائية الأخرى.يحتاج إليها ألاعرابي في حله وفي ترحاله والحضري في مستقره وفي سفره.كان المصريون واليونان والعبرانيون يحفظون الخمور والانبذة في أوعية القرب.وقد أشار الى ذلك بعض الكتبة القدماء. ويعالج اهاب القرب معالجه خاصة ليعطي الشراب نكهة طيبة، ولئلا يتأثر الشراب من رائحة الجلد.
وذكر علماء اللغة أن "القربة" الوطب من اللبن، وقيل هي المخروزة من جانب واحد.
وأما "الجرِاب" فوعاء من اهاب الشاء لا يروعى فيها إلا يابس.فهو وعاء من الجلد إذن خصص لحفظ الاشياء الجافة كالدقيق وما أشبه لحفظه. كما يقال لوعاء الزاد ، المزود.
وتدخل المصارين، وهي أمعاء الحيوانات المذبوحة، في جملة الاعمال التي يقوم بها الدباغون، اذ يتعهدونها بالرعاية والعناية والاصلاح، فينظفونها مما بها من أوساخ وبصلحونها ويعالجونها، ثم يبيعونها من التجار أو يحوّلونها إلى مواد نافعة مفيدة، مثل اتخاذها أوتاراً لآلات موسيقية أو للاقواس لرمي السهام، أي لأغراض حربية. وكلما كانت العناية شديدة بمعالجة هذه الأمعاء، كانت الأوتار ذات قابلية كبيرة على الشد والتوتر، وبذلك يكون مجال رمي السهام بالأقواس كبيراً، وفائدة القوس في القتال عظيمة. وقد كان القواسون أي الرماة بالقوس، قوة ذات أهمية في مصير حرب ما في ذلك العهد.
وتدخل الجلود في أغراض حربية كذلك. فقد استخدمت لحماية الجسم من ضربات إلسيوف ومن تساقط السهام عليه، كما استخدمت في صنع الدروع والخوذ الواقية للرأس، وفي حماية الدبابات والمنجنيقات بتغليفها بجلود ثخينة مقاومة، وتعالج بمواد خاصة أمام تساقط النار أو الماء الحار أو الزيوت ألساخنة عليها، وقد تعمل ستائر منها يحتمي الجنود المشغلون لها تحتها من المواد المقذوفة عليهم. وهناك استعمالات أخرى للجلود أدت للجيوش خدمات كبرى في الحروب، فالقرب، مادة ضرورية في الحرب، لأنها أوعية ومخازن للماء، والماء مادة ضرورية للانتصار في الحروب. و الراوية وهي المزادة من ثلاثة جلود، هي مادة ضرورية في الحرب وفي غير الحرب لما تحمله من ماء، وصنعت الدرق من الجلود، وهي الحجفة تتخذ من جلود ليس فيها خشب ولها عقب. ويراد بالجحفة التروس من جلود خاصة، وقيل من جلود الابل مقورة بلا خشب ولا عقب. وقد كانت معروفة عند الاحباش خاصة. ويراد بالتروس كل الاسلحة التي يتوقى المحارب بها. والتراسة صنعة التروس، واما الصانع، فهو التراس.
وتفرغ اناس لاحتراف انواع خاصة من اعمال الجلود، فصرف بعضهم نفسه الى صناعة القرب والدلاء وادوات السقي، وتخصص قوم بعمل السروج ونحوها من الادوات التس تستعمل في الحيوان مثل اللجام و "الرسن"، كما تخصص اخرون بصنع الأحذية. وذكر بعض العلماء أن بعض هذه الأدوات المصنوعة مثل "الرسن". هي من الألفاظ المعربة وان "الرسن" لفظْة فارسية الأصل، وقد عربت في الجاهلية. وتصنع "القباب"، من الأدم خاصة. وقد تكون كبيرة، ولكنها ذات أحجام مختلفة.
ومن الأدوات المصنوعة من الجلد "الجلبان"، وهي شبه جراب من الأسم، يوضع فيه السيف مغموداً، ويطرح فيه الراكب سوطه وأداته، ويعلقه بآخر الرحل وواسطته. والغرز وهو ركاب الرحل الذي تركب به الابل، ويصنع من الجلد. فإذا كان من خشب أو حديد فهو ركاب. والسقاء وهو ظرف الماء إذا كان من جلده،ويكون في الغالب من جلد رقيق. والركوة دلو صغير يشرب فيه، ويسطحب في الأسفار. والكنانة وهي الجعبة التي يكون فيها النشاب، والقفاز ويعمل لليدين وقد يحشى بالقطن وتكون له أزرار يزرّ بها على الساعدين من البرد.وقد كان يستعمله النساء. وأما "الأرندج" و "اليرندج" فذكر الجواليقي أنها لفظة معربة، وأن أصلها "رندة"، وهي كلمة فارسية، ويراد بها الجلد الأسود المدبوغ بالعفص حتى يسود. وقد وردت لفظة "أرندج" في شعر منسوب إلى الأعشى.
وتصنع الهمايين من الجلود أيضاً. وقد اشتهرت همايين عجر. واللفظة من الألفاظ المعربة عن الفارسية. ويراد بالهميان الكيسُ تجعل فيه النفقة ويشد على الوسط.
وتحلى الجاهليون بحلي مصنوعة من الجلد أيضاً. ومن هذه الحلي الجمانة: وهي سفينة من أدم ينسج، وفيها خرز من كل لون، تتوشحه المرأة.
ويصنع الخوان من الجلد في بعض الأحيان، ويراد به ما يؤكل عليه الطعام، وهو من الألفاظ المعربة. وأما الصفن، فخريطة الراعي، يكون فيها طعامه وزاده وما يحتاج اليه. وقيل: هو مثل الركوة.
و "العياب"، هي أوعية من الأدم، ويقال للواحد منها "عيبة"، يوضع فيها المتاع والثياب، وتطلق أيضاً على الزبيل الذي ينقل فيه الزرع المحصود إلى الجرين. و "الشن" الوعاء المعمول من أدم، فإذا يبس فهو شن. وفي المثل: "وافق شن طبقه". يضرب لكل اثنين أو اًمرين جمعتهما حالة واحدة اتصف بها كل منهما، وهناك قصص عن أصل هذا المثلْ.
واستعمل النصارى واليهود "الزنار"، يشدونه في وسطهم على القميص أو الثوب أو المسوح الذي يلبسونه، ويتدلى أحد طرفيه إلى قريب من القدمين. ويصنع من الجلد أو الحرير أو القطن أو الوبر أو شعر الماعز. وقد يشد على الوسط عدة مرات. وقد يوضع فيه محل لحفظ منديل فيه، أو محبرة وحبر إذا كان صاحبه من الرهبان أو الكتاب، وقد يوضع خنجر أو سلاح حاد فيه. وهو يشبه في فائدته الحزام فيَ الوقت الحاضر. واذا اشتغل الفلاح أو الأعرابي أو غيرهما بعمل ما رفع الطرف الأسفل من قميصه إلى الزنار أو الحزام، ليسهل عيه العمل، وقد يضع في عبه أي القسم الواقع فوق الزناد من جهة الصدر أشياء عديدة يحملها معه مثل خبزه وطعامه أو نقوده أو أشياء أخرى يحتاج إليها فيَ ترحاله.
وقد كان الجاهليون يستفيدون من جلود السمك أيضًاً، يصنعون منها أشياء متعددة. فالسفن مثلاً وهو جلد الأطوم، وهي سمكة في البحر ذات جلد خشن يستخرج منه السياط والسهام، ويكون على قوائم السيوف.
واستخدم الجاهليون كذلك فراء مختلف الحيوانات في الأيام الباردة، ومن أنواع الفراء نوع يدعى "سبنجونة"، وهي من جلود الثعالب، وهي من الألفاظ المعربة، ونوع اخر يدعى "الفنك"، وقد ذكر بعض علماء اللغة أن الفنك دابة يفترى جلدها، وذكر أيضاً إن الفنك جلد يلبس.
ومن أنواع الفراء "المساتق" وواحدتها "المسُتُقة". وقد ورد ذكرها في كتب الحديث، جيث قيل إن الرسول كان يلبس "مستقة"، كما ذكر أن عمر كام يصلي وعليه "مستقة". وذكر الجواليقي انها لفظة معربة عن الفارسية، وانها ! مشته". بالفارسية. وقيل: انها فراء طوال الأكمام، وذكر انها جبة واسعةْ.
ويقوم صانع ألأحذية بصنع الأحذية، مثل النعال والخف "والقفش، أو "الكفش" ويراد به الخف أو الخف القصير، واللفظة من الألفاظ المعربة عن الفارسية. ومن أنواع النعال، النعال السبتية التي لا شعر لها، وتصنع من جلود البقر المدبوغة بالقرظ. و "السبت" كل جلد مدبوغ أو المدبوغ بالقرظ، ومنه تصنع النعال السبتية.
ويقال للخف "الموزج" أيضاً، وقد ذكر الاسم في كتب الحديث وكذلك "الموق". وذكر أن "الموق الخف الغليط يلبس فوق الخف". وقد ذكر الجواليقي أن أصل الموزج فارسي هو "موزه" "موزجان" وأدخل الموق أيضاً في باب المعربات. والجمع "أمواق"، ويظهَر من بيت شعر ل "النمر بن ثولب"، أن العباديين، وهم نصارى الحيرة كانوا يمشون بالأسواق. وهناك نوع أخر من أنواع الخفاف، يقال لها "القسوبية" و "القساب"، و "النعل" هو لباس الرجل المستعمل عند الجاهليين وعند الساميين. وهو "نعلم" أي "نعل" في العبرانية. ولا يزال النعل مستعملاً حتى اليوم. يستعمل في البيت وفي خارجه، وهو يحمي باطن القدمين من حر الأرض في الصيف ومن الحجارة والمواد المؤذية التي تكون على وجه الأرض. وقد يستعمل نعلاً من خشب،يستعمله أهل القرى وأهل المدن في البيوت. والعرب تمدح برقة النعال وتجعلها من لباس الملوك، وتقدم النعال على سائر أنواع الأحذية.
ومن أنواع النعال،: "النعال السبتي". وهي المصنوعة من الجلد المدبوغ بالقرظ. وخص بعضهم جلود البقر، مدبوغة كانت أم غير مدبوغة. وقيل نعال سبتية: لا شعر عليها. وذكر انها نعال أهل النعمة والسعة.
وعرفت "حضرموت" بنعالها، فقيل "نعل حضرمي" و "الحضرمي". وعرفت بأنها النعال المخصرة التي تفيق من جانبيها، كأنها ناقصة الخصرينْ. وقد تفنن في تزيين وزخرفة الجلود. فذهّبوها ورسموا عليها صوراً، وضغطوا عليها بالات لابراز بعض الصور عليها. ومن الجلود المذهبة: "المذاهب"، وهي جلود كانت تذهب، تجعل فيها خطوط مذهبة، فيرى بعضها في أثر بعض، فكأنها متتابعة. وقيل سيورتموّه بالذهب.
والجلود التي يستعملها الاسكافي هي: جلود البقر والجمال والغنم والماعز وقد تستعمل جلود الثعابين والسمك إذا كانت كبيرة سميكة، وذلك بعد إصلاحها ودبغها. ويستعمل الإسكافي والنحات الإزميل. وقد ذكر علماء اللغة إن الازميل حديدة تجعل في طرف رمح الصيد لصيد البقز: بقر الوحش. والمطرقة. وهي من الألفاظ المعربة وأصلها "زميلي" "Zmili" في اليونانية.
الحياكة والنسيج والثياب
والحياكة والنسيج، من الحرف التي لا ينظر الى صاحبها نظرة أحترام وتقدير في المجتمع العربي القديم، ويقوم بالغزل النساء في الغالب. والحياكة والنسج في الحضر في الغالب. وقد ذكر أهل اللغة أسماء بعض آلات الحياكة والنسج، مثل "الحف" وهي الآلة التي تلمظ بها اللحمة أي تلقم وتصفق ليلتقمها السدى.
وقيل: الحفة المنوال، وهو الخشبة التي يلف عليها الحائك الثوب، وقيل: الحف المنسج. و "الوشيعة" وهي المنسج، وهي قصبة في طرفها قرن يدخل ألغزل في جوفها، وتسمى السهم. وقيل لفيقة من غزل، وتسمى القصبة التي يجعل النساج فيها لحمة الثوب للنسج. و "المشيعة" ما يلف عليه الغزل.
و "الثناية" التي يثنى عليها الثوب. و "العدل" خشبة لها أسنان، مثل أسنان المنشار، يقسم بها السدى ليعتدل و "الصيصية" عود من طرفاء،كلما رمي بالسهم فألحمه، أقبل بالصيصة فأدبر بها، وقيل: إنها شوكة الحائك التي يسوّي بها السداة واللحمة. و "النير" لحمة الثوب، وقيل: الخشبة المعترضة التي فيها الغزل. وقد تنسج الثياب على نيرين، ويكون بذلك أصفق واًبقى.
و "الصنار" رأس. المغزل. وأما "المداد" فالعصا في طرفها صنارتان يمدد بهما الثوب. و "الكُفة" الخشبة المعترضة في أسفل السدي. و "الحماران" يوضعان تحتها ليرفع السدي من الأرض. و "المثلث" قصبات ثلاث. و"المبرم" و "البريم"، الحبل الذي جمع بين مفتولين ففتلا حبلاً واحداً. و "المبرم" من الثياب المفتول الغزل طاقين، ولذلك اطلقت اللفظة على نوع خاص من الثياب. والدعائم" خشبات تنصب ويمد عليها السدي. و "الشفشقة" قصبة تشق وتوضع في السدي عرضاً، ليتمكن به من السقي. و "الكحمة" ما يلحم به، وأداة الحائك المنصوبة تسمى "المنوال"، وهو "النول" أيضاً.
وأما المادة التي يغزل منها ويحاك وينسج، فهي الصوف بأنواعه، وشعر الماعز والوبر،والقطن والشاش والبز والكتان والحرير. وأما التي يغزل بها، فهي "المغزل" ومنه نوع بسيط يحمل باليد. وهو قديم جداً معروف في العصور المتقدمة قبل الإسلام، ولا يزال معروفاً ومستعملاً في الزمن الحاضر، ومنه ما هو سريع بعض السرعة. وهو على هيأة دولاب يدار بالأرض، فيكون سريعاً بالغزل بعض السرعة بالنسبة إلى اليد، ويكون مجال الغزل فيه أوسع من مجال الغزل بالمغزل اليدوي البسيط.
ويلف الغزل على آلة تسمى "الهراوة"، وذلك تمهيداً لتقديمها إلى "النساج" لنسجها.
ويقال للمغزل: "المردن" أيضاً. وقيل: "المردن" المغزل الذي يغزل به الردن. والردن الغزل. وقبل: الغزل يفتل إلى قدّام، وقيل هو الغزل المنكوس، وثوب مردون: منسوج بالغزل المردون.
والغزل هو من أعمال النساء في الغالب، فهي تمسك المغزل وتغزل به. وقد يقوم الرجال بالغزل أيضاً. وهناك أنواع من المغازل وهي متشابهة من حيث الأساس والتصميم. وقد عثر على انواع منها في مواضع من جزيرة العرب.
وفيَ التوراة وصف لكيفية إعداد الصوف وشعر الماعز للغزل. فقد كان على الغزال تنظيف الصوف والمادة المراد غزلها قبل غزلها، وذلك بنثر المادة وتنظيفها من المواد الغربية المختلطة بها. وقد تضرب بعصا أو بآلة خاصة، على نحو ما يفعله "النداف" في الوقت ألحاضر، لتلطيف المادة المراد غزلها وجعلها سهلة الغزل. وقد تغسل بالماء ثم تنظف. فإذا وجد إن المادة المراد غززلها صارت نقية صالحة للغزل، غزلت. وقد عثر على صور لعمال كانوا يقومون بغسل المواد قبل غزلها على نهر النيل، وقد صورت على جدران مقابر قدماء المصريين.
وأهل الجاهليهّ مثل من تقدم أيضاً في تنظيف الصوف وشعر الماعز والوبر والكتان وسائر المواد الاخرى المراد غزلها، كانوا ينظفونها ويمشطونها بأمشاط خاصة، لاخراج ما قد يعلق بها فيها من مواد غريبة، يوعالجونها معالجة خاصة، فأذا نظفت وخلصت من الشوائب، غزلت. وقد كانوا يدقون الكتان لتهترئ اليافه وتتشقق فتنفصل، ثم يمشط بالممشقة، حتى يخلص وتبقى فتاته وقشوره، يوؤخذ الكتان لغزله ونسجه. اما الفتات والقشور، فهي المشاقة، وتستعمل في حشو الخفتان وللقبس.
ويقال لمشاقة الكتان وللخشن من ليف الكتان والقنب "اسطبة". ويظهر انها من اصل يوناني هو "Stippi".
ويهيأ الفتاك "السلك"، وهو الخيط. وقد يكون من حرير او قطن او كتان. واذا وضع في الخيط الخرز واللؤلؤ، فيقال لذلك عندئذ "السمط".
ومن اللوازم المستعملة في البيوت وفي الحياة اليومية والتجارية، الحبال، يستعملونها لحاء الشجر في بعض الاحيان، يؤخذ فيدق ويفتل منه حبل، ويقال لذلك "القرَ ن"، أو من شعر الماعز أو من الأصواف، أو من مختلف الألياف المستخرجة من النبات، او من الخوص.
أما الخيوط، فإنها أدق من الحبل، وتصنع من الكتان أو القطن أو الصوف أو الحرير.، ويخيط بها. وأما "الاطنب" و "الطنب". فإنها حبال الخيمة، تستخدم لربط الخيمة. وأما "الوتر"، فيصنع من أمعاء الحيوانات، وتوضع في الأقواس، لرمي السهم، وتستخدم في الآلات الموسيقية كذلك. وتستخدم الحبال رُبُطاً، يربط بها. يربط بها الأسرى والمساجين والحيوانات.
والصوف مادة مهمة في صنع البسط والسجاجيد. وأكثر صوف جزيرة العرب من انوع الخشن، الذي يصلح لصنع السجاد. وتصنع منه الخيام كذلك. والمستعمل في صنع الخيام هو من شعر الماعز في الغالب. أما أصواف الأغنام، فتستعمل في الغزول والأنسجة اللطيفة التي تحتاج إلى صوف ناعم ودقيق. ولا يزال أهل البادية يصنعون خيامهم الشهيرة ذات اللون الاْسود من شعر الماعز. وقد كان عماد العبرانيين في نسجهم على الصوف وشعر الماعز والكتان. وقد عرف البساط الضخم المنسوج من الوبر أو الصوف ب "الاراخ" ، ويقال للفسطاط "البلق".
وقد اشتهرت اليمن بالغزل والنسيج، وعرفت بإنتاج بعض البرد التي اختصت بها حتى عرفت ب "البرد اليمانية". وهي من الأنواع الغالية الثمينة التي لا يشتريها في العادة إلا المترفون والمرفهون. وقد جعل النبي في جملة ما يدفعه أهل الجزية الثياب عوضاً عن النقد إن لم يكن في قدرة من فرضت عليه الجزية دفعها نقداً، كما عرفت بصنع "الحلل" الغالية، اشتهرت بجميع أنواع الغزل والنسيج، غزل القطن والصوف والحرير، وبأنسجة الصوف والقطن والحرير. وقد كان من عادة روْساء اليمن لبس الملابس الثمينة والحلل الغالية المصنوعة في بلادهم، كما كانوا يصدرونها اق الخارح لبيعها في مختلف أسوإق بلاد العرب وفي العراق وبلاد الشام.
وعرفت دور النسيج في اللهجات العربية الجنوبية بي "تعمت". وقد ورد في كتب اللغة: "عمت الصموف والوبر... لف بعضه على بعض مستطيلاَ ومستديراً حلقة فغزله". وورد: "يعمت الغزل".
وقد ازدهرت صناعة غزل القطن ونسجه في اليمن وفي بقية العربية الجنوبية في القرن السادس للميلاد، فصارت صناعة الغزل والنسيج من أهم الموارد التي يتعيش عليها عدد كبير من الشعب والتي تكون مورداً كبيراً من موارد الدولة. وقد كان للملوك مغازل ودور نسيج تعمل لحسابهم ولهم، وقد عرفت دور النسيج الملكية ب "تعمت ملكن"، أي "المنمسج الملكي" و "دار النسيج الملكية".
الموضوع الأصلى من هنا: موسوعة طعس العربيه http://www.t3as.com/vb/t42703-12.html#post154078
وهناك لفظة أخرى في المسند للموضع الذي ينسج فيه وتغزل فيه الغزول هي لفظة: "ح ل ل ت" "حللت"، ويرى "رودوكناكس" انها "حلالة". وأما النساج، فيقال له "انم" في المسند، وهو للمفرد والجمعْ. وعندي إن المراد ب "ح ل ل ت" "حلت"، الحلة. والحلة عند علماء اللغة إزار ورداء، بردٌ أو غيره. وقيل: الحلل الوشي والحبر والخز، وقيل: كل ثوب جيد جديد تلبسه غليظ أو رقبق، وقيل: كل ثوب له بطانة، وعند الاعراب من ثلاثة أثواب القّميص وإلإزار والرداء. فيراد بها الموضع الذي تعمل فيه الحلل.
وقد كانت بعض الحكومات تحتكر صناعة بعض أنواع النسيج، وذلك بصنع أنواع فاخرة منه لاستعمال الملوك، أو للانعام به على الأمراء والكبراء ورجال الدين كالذي كان في مصر. ويوسم بسمة المعمل وبشعار الحكومة أو الحاكم ، ليكون في علم الناس انه من صنع الحكومة. وقد تبيعه الحكومة للناس. وتعد هذه الأنواع من النسيج من أفخر ما تنتجه المناسج، ويعرض في السوق.
وقد كان الملوك والكهنة والأغنياء المتأنقون بملابسهم، يرتدون أنسجة دقيقة مصنوعة صنعاً خاصاً بأيد ماهرة متقنة لعملها،لا تصنع الا الأنسجة الثمينة الغالية. ومن هذه الأقمشة ما كان يصنع من الكتان الخالص أو الصوف الناعم الرقيق، ومنه ما كان يصنع من الحرير الخالص أو المخلوط بمادة أخرى. وقد يقصب القماش بالذهب، يوشى به، كألبسة الملوك ورجال الدين الذين كانوا يرتدون ملابس موشاة ومطرقة في أثناء أدائهم الصلوات واقامة الشعائر الدينية. وقد كان الملوك والكهان يستوردون الأقمشة الجيدة من أماكن أخرىَ اشتهرت باتقانها واجادتها صنع الأقمشة الجيدة، مثل بابل وبلاد الشام والهند ومصر وفارس وغيرها لمثل هذه الأغراض.
وقد اشتهرت منسوجات اليمن في كل مكان من جزيرة العرب، بجودتها وأناقتها، وظلت محافظة على سمعتها هذه إلى الإسلام، فكان أغنياء الحجاز وغيرها من جزيرة العرب يفتخرون بحصولهم عليها ويلبسونها خاصة في أعيادهم ومواسمهم. وكانت البرد المعروفة ب "الحبر"، وهي برد موشاة مخططة، تعد من أثمن البرد اليمانية في القرن السادس والسابع الميلاديين، ولما قدم وفد نجران على الرسول كانوا يتوشحون بها. ولما توفي الرسول، ووضع مسجى في ناحية من البيت، وضعت عليه الحبرة.
ويقال للثوب الجديد الناعم "الحبير". وذكر اًيضاً إن الحبير البرد الموشى المخطط، وأن الحبرة ضرب من برود اليمن منمر، وبائعها حبرى لا حبار. وتعد "ثياب الحبرة" من الثياب الغالية الجيدة التي يلبسها ا لأغنياء والسادات، فلما قدم وفد تجران على النبي بالمدينة " "فدخلوا المسجد عليهم ثياب الحبرة، وأردية مكفوفة بالحرير.
واشتهرت اليمن ب "المراجل"، وهي ضرب من البرود. وذكر بعض علماء اللغة أن البرد المُرجل، فيه صور كصور الرجال. وورد ثوب مرجل بمعنى معلم، وبرد مرجل أي برد فيه تصاوير رحل على تفسير بعض علماء اللغة. وورد المرحلات يعني المرط المرحلة، وهي الموشاة، وقّد أشير إليها في كتب الحديث. و "القيصران" وهو ضرب من الثياب الموشاةْ. والعصب ضرب آخر من اابرود اليمانية يعصب غزله ثم يصبغ ثم يحاك وينسج، فيأتي موشى لبقاء ما عصب فيه أبيض لم يأخذه صبغ. وقيل: هي بررود مخططة. ويقال ثوب مبرج إذا كان ثوباَ ذا تصاوير.
وقد عرفت "البرد"، أنها أكسية يلتحف بها، وقيل إذا جعل الصوف شقة وله هدب. وقيل: البرد من برود العصب والوشي، وأما البردة، فكساء مربع أسود فيه صغر تلبسه الأعراب، وأن البرد ثوب فيه خطوط وخص بعضهم به الوشي.
واشتهر بلد المعافر بنوع من اابرد والثياب، حتى قيل "": برد معافري وثوب معافري". وأما "الشرعبية" فضرب من البرود. وذكر انها من الثياب الحارية. واليها أشير في شعر امرىء القيس: فلما دخلناها أضفنا ظهورنـا الى كل حاري حديد مشطب
وعرفت "صنعاء" بوشيها وبأنواع أخرى من النسيج.
وعرفت اليمن بنوع من البرودُ سمي "عَصْبأَ" لأن غزله يعصب، أي يدرج، ثم يصبغ، وذكر أنها خاصة باليمن، لأنها تصبغ بالعصب. ولا ينبت العصب والورس إلا باليمن. وقيل العصب برود مخططة، اشتهرت بها اليمن.
والمسندة والمسند وأثواب سند، نوع من البرود اليمانية. والثياب القدمية منسوبة الى موضع باليمن. وثوب "أكباس" "أكباش" من برود اليمن.
وهناك ضرب من البرود قيل له "القطرية" والمفرد "قطري". وكان الرسول متوشحاً بثوب قطري. كما كان على عائشة درع قطري ثمنه خمسة دراهم،وذكر أن البرود القطريةُ حمر لها أعلام فيها بعض الخشونة، وأنها تأتي من "قطر" بسيف البحرين.
وعرفت الأنسجة اليمانية المصنوعة من الكتان في كل مكان من جزيرة العرب. وقد كانت لباس الأغنياء والوجهاء. وتعطي أنسجة الكتان برودة خاصة في الصيف، ولهذا كانت رائجة في كل مكان.وقد كانت مصر ذات شهرة خاصة في تصدير أنسجة الكتان، فقد كان كتانها لطيفاً ناعماً. ولهذا بيع بثمن مرتفع. وذكر علماء العربية أن الكتان لفظة عربية النجار،سمي بذلك لأنهُ يخيس ويلقي بعضه على بعض حتى يكتن.
و "البرجد"، كناية عن كساء ضخم مخطط. وقد ذكر في شعر طرفة. وذكر انه كساء من صوف أحمر.
والعباءة، هي مقابل "س م ل ه" "سمله" "شمله" عند العبرانيين و "Himation"،عند اليونان ،وتلبس فوق الألبسة. وتكون بعضها ثقيلة تصنع من الوبر أو الصوف، وتستعمل في الشتاء خاصة وفي الأوقات الباردة، وبعضها خفيف، يصنع من الصوف أو من شعر الماعز. وتستعمل في الأوقات التي لا يكون فيها البرد شديداً وفي أيام الصيف. وقد يستلقي عليها الإنسان، فتكون بمثابة فراش له. وقد تصنع العباءة من قطعين من القماش، وقد تصنع من قطعة واحدة، وهي أحسنها وأغلاها. وتكون عباءة الأغنياء والرؤساء من قماش جيد منسوج نسجأَ خاصاً محلاة في الغالب من ناحية العنق والصدر والجهة العليا من اليدين بخيوط من الحرير أو الذهب. يروفها "الروّ اف"، بأشكال متعددة فيختلف سعرها لذلك باختلاف الجهد الذي بذله الروّاف في تطريزها وفي زخرفتها.
وتصنع أحسن العباءات من الوبر. وقد تفنن فيها، وتخصصت بعض الأماكن بنسجها. ولا تزال هذه الصناعة باقية تدر على أصحابها ربحاً يتعيشون منه، كما تصنع من أوبار الجمال أشياء أخرى عديدة. على أن القرن العشرين قد علّم سكان الجزيرة تصدير الوبر إلى الخارج إلى المعامل الحديثة لاستعماله مع الأصواف في صناعة الغزل والنسيج.
والشملة: كساء دون القطيفة يشتمل به كالمشمل. والمشملة عند العرب مئزر من صوف أو شعر يؤتزر به، فإذا لفق لفقين، فهي مشملة يشتمل بها الرجل إذا نام بالليل. وقيل المشملة والمشمل: كساء له خمل متفرق يلتحف به دون القطيفة. واشتمل الثوبَ أداره على جسده كله حتى لا تخرج منه يده.
وقد ذكر أن الجاهليين كانوا يستوردون الجبب والأردية والأقمصة والأقمشة من بلاد العراق والشام، وكانت غالية الثمن وذات قيمة عندهم، لحسن صنعتها وإتقان قماشها. وقد كانت للرسول جبة من صنع بلاد الشام ، وكان له طيلسان مدبج،أي منقوش الأطراف بالديباج. وفي جملة ما استورد من مصر من ألبسة وثياب، القباطي وهي ثياب بيض دقيقة رقيقة تتخذ بمصر، والقسي وهي ثياب منسوجة من كتان وابريسم مضلعة، تصدر من مصر، من قرية تسمى القسي فنسبت إليها.
وقد بقيت مصر تصدر القباطي حتى في الإسلام. وذكر علماء اللغة أن القباطي والثياب القبطية منسوبة إلى القبط، أهل مصر الخلص من ولد القبط بن حام بن نوح على رأي بعض النسابين، أو من ولد قبط بن مصر بن فوط بن حام على رأي فريق آخر. وذكر أن لفظة قبطية، وردت في شعر لزهير هو هذا البيت: لِياح كأن بالأتحمية مسبـع إزاراً وفي قبطية متجلبب
وورد ذكرها في بيت شعر أخر ينسب له أيضاً هو: ليأتينك مني منـطـق قـذع باق، كما دنس القبطية الودكُ
وقد ورد ذكرها في كتب الحديث، فقد ذكر أن الرسول كسا "أسامة" قبطية.
وأشير إلى ثياب بيض قيل لها "القبطرى". وزعم بعض علماء اللغة أن في الكلمة غلط، وأن الراء زائدة.
وعرفت بعض الثياب ب "الأنماط"، جمع "نمط"، وهي الثياب المصبغة. وفي حديث "ابن عمر" أنه كان يحلل بدنه بالأنماط. وذكر أن الأنماط ضرب من البسط له خمل رقيق.
ويقال للنمط الزوج كذلك. وقيل الزوج: الديباج واللون.
وأما السبح، فالسبحه درع عرض بدنه عظمة الذراع ، ولهُ كمّ صغير نحو الشبر، تلبسه ربات البيوت. وقيل هي بردة من صوف فيها سواد وبياض. وقيل ثوب له جيب ولا كمّين له، بلبسه الطيّانون. وقيل هي مدرعة كمُها من غيرها. وقيل كساء أسود، أو القميص. وهي لفظة معربة أصلها بالفارسية "شبي". وذكر إن "السباج" ثياب من جلود.
وقد كانت بعض الثياب المستوردة من بلاد الشام ومصر ومن الأرضين التي تسودها أكثرية نصرانية ترد وعليها صلبان منسوجة. فلما جاء الإسلام، وأمر بطمس الصلبان، كان الرسول إذا رأى الصليب في ثوب قضبه وقطع موضعه أو نقشه.
وإذا كان الحرير المعروف ب "الخسرواني"، معروفاً حقاً عند الجاهليين، فإنه يدل على انه كان مستورداً من العراق، بدلالة اسمه عليه. ويذكر علماء اللغة انه منسوب إلى الأكاسرة، وانه حرير رقيق حسن الصنعة.
ولفظة "حرير" من الألفاظ المستعملة في العربية، غير أن من الصعب تعيين أصلها. وقد ذكر "سترابون" أن اليونان أخذوا الحرير من الهنود. ولذلك أطلقوا عليه لفظة أخذوها من اسم أحد الشعوب الهندية. أما العبرانيون فقد أطلقوا عليه لفظة "مسى". وقد ذهب بعض الباحثين إلى أن لفظة "سريقوم" "Sericum"، الواردة في النصوص الكلاسيكية تعني الحرير الخام. ووردت في العبرانية لفظة "دمشق"،،Demeshek،، ،يرى بعض العلماء أنها تعني حريراً دمشقياً، أي معمولا" بدمشق. وذهب آخرون الى أن اللفظة، محرفة من لفظة "دمقس" الواردة في العربية ويراد بها نوع من الحرير أو الحرير الخام. والديباج من الثياب المعمولة من الحرير. واللفظة من الألفاظ الفارسية المعربة.
ومن الثياب والأقمشة التي تحمل اسماً معرباً "الدخدار"، وهو كما يقول "الجواليقي" "تخت دار" بالفارسية. وذكر أنه ورد فيَ هذا البيت منسوب إلى عدي بن زيد العبادي: تلوح المشرفية فـي ذراه ويجلو صفح دخدار قشيب
وأشير إلى "الديباجة" في شعر "حسان بن ثابت"، ويراد بها الثياب المتخذة من الابريسم.
وقد وردت في القرآن الكريم لفظة "سندس"، وذهب العلماء الى إن المراد بها رقيق الديباج، وذكر بعضهم أنه ضرب من "البزيون" يتخذ من المرعزاء، واللفظة من الألفاظ المعربة.
وأما الاستبرق، فإنه ما خشن من الديباج على رأي بعض العلماء. وأصله من الفارسية، فهو من المعربات.
وكان الأغنياء وسادات القبائل يلبسون الألبسة المنسوجة من الحرير، وهي ثمينة غالية، يستوردونها من الخارج ، وينسج بعض منها في اليمن. وقد نهى الإسلام عن لبس الحرير، لما في ذلك من ترف يميت الرجولة ومن تشبّه بمترفي العجم، ومن تأثير يتركه استعماله في نفوس الفقراء.
ومن أنواع الثياب الجيدة المصنوعة من القز الأبيض "الدمقس،"، وهو ناعم وذكر علماء اللغة أن اللفظة من الألفاظ المعربة القديمة الواردة في شعر لامرىء القيس. ويرى بعض الباحثين أن الدمقس تحريف "مدقس" وهو الحربر اللأبيض ، وأن أصلها يوناني هو: "************xa" ويعرف الحرير الجيد بالسّرق، وقيل: السرق شقق الحرير أو الأبيض أو الحرير عامة. وذهب بعض العلماء إلى أنها من الألفاظ المعربة عن الفارسية، وأن أصلها سَره أي جيد. وقد ورد في الحديث: انك في سرقة من حرير، أي قطعة من جيد الحرير. ويقال للسرق "سريَكون" "Sericum""Sirikon" في اليونانية. ويراد بها الحرير عامة. ومن هذا الأصل جاءت لفظة "السرق" على ما أرى.
ويعرف الحرير ب "مشى" و "دمشق" في العبرانية. وقد ذهب بعض علماء التوراة أن للفظة "دمشق" صلة بدمشق الموضع المعروف. ودمشق من المواضع المشهورة منذ القديم بنسج الحرير. وذهب آخرون أنها من أصل "دمقس"، تحرف فصار "دمشق" ولا علاقة لها بدمشق. وأما لفظة "حرير"، فتعرف ب "Sericum" عند اليونان واللاتين كما ذكرت. أما لفظة "حرير" المستعملة في العربية، فإن من الصعب تعيين أصلها والوقت الذي ظهرت فيه.
والخز: ثياب تنسج من صوف وإبريسم، وقيل انه الثياب المعمولة من الإبريسم. وقيل انه الحرير ، وذكر علماء اللغة أن " اللاذ" ثياب من حرير تنسج بالصين، وأن "الاضريج" الخز الأصفر، وأن المطرف: ثوب مربع من خزّ له أعلام.
وربما كان "الديبوذ" و "الديابوذ" من الثياب التي وصلت إلى الحجاز من الاتصال التجاري بالعراق. واللفظة من المعربات. ذكر الجواليقي انها من الألفاظ الفارسية الأصل، وان المراد بها ثوب ذو نيرين ، وأورد شعراً للاعشى جاءت فيه هذه اللفظة.
وقد وردت في القرآن الكريم لفظ " "سرابيل" جمع "سربل". وذكر علماء اللغة أن "السربال" القميص من أي جنس كان ووردت السربال في شعر منسوب إلى الأعشى: مقلص أسفل السربال معتمر
وفي هذا المعنى لفظة "سروال"، والجمع "سراويل" والسربال هو "سربالين" "س ر ب ل ي ن" في العبرانية. وهو أيضاً "السروال" في العربية و "الشروال" من أصل فارسي. وقريب من السربال والسروال "اللباس" الطويل المستعمل عند أهل القرى والفلاحين وبين كثير من أهل المدن في الوقت الحاضر. يرشد عند الخصر ثم يعرض وينتهي بفتحتين ضقتين لدخول الرجلين منهما. ولا زال "الشروال" مستعملاً بين الايرانيين والأكراد وفي بلاد الشام. وقد ذكر علماء اللغة أن السروال لفظة معربة من اصل فارسي. وورد "في حديث أبي هريرة: أنه كره السراويل المخرفجة " أي "الواسعة الطويلة". وقد اشتهر الفرس بلبس السراويل، والظاهر أن الرسول كره السراويل الواسعة الطويلة، لأنها كانت من سنة الأعاجم. فأراد عدم التشبه بهم. وأما القميص،، فقد يقال له "الدرع" و ا لسربال.
وأما "القز" "القهز"، فهما ثياب صوف كالمرعزيَ وربما خالطها الحرير.
وأما "الزازفية"،فثياب بيض من كتان. وأما "الخنف" فما غلط من الثياب. ومن الأكسية "الجودياء"، وقد ذكر بعض علماء اللغة أنها لفظة معربة عن أصل فارسي أو نبطي،وذكروا أن الأعشى تصرف بها في شعره فجعلها "اجياد".
وهناك نوع من أنواع القميص أو البرد المنسوجة من الصوف فيها سواد وبياض يقال لها "سبيج" "السبيج" و "السبجة" و "السبيجة". وقد ذكر الجواليقي أنها من الألفاظ المعربة.
والطيلسان: من الألفاظ المعربة، ويراد بها ثوب يلبس على الكتف، أو ثوب يحيط بالبدن ينسج للبس، خال عن التفصيل والخياطة. وذكر أيضاً أنه كساء مدور أخضر، لا أسفل له، لحمته أو سداه من صوف. وقد اشتهرت الفرس بلبسه، ويسمى عندهم ب "تالسان"، حتى استعمل العرب جملة: "يا ابن الطيلسان" أي يا ابن الأعجمي في الشتم ، وذلك من تطلسهم به.
والساج: الطيلسان الضخم الغليظ، وقيل: هو الطيلسان المقوّر ينسج كذلك، قيل: هو طيلسان أخضر. وفي حديث ابن عبّاس، أن النبي، كان يلبس في الحرب من القلانس ما يكون من السيجان الخضر،جمع ساج، وهو الطيلسان الأخضر، وذكر "ابن الأعرابي": السيجان الطيالسة السود.
و "الشوذر" من الألفاظ المعربة القديمة على رأي بعض العلماء، ويراد بها الملحفة والإزار.
وقد اشتهرت اليمن بصنع الأزر، واشتهرت بهذه الصناعة مواضع أخرى. و قد كان العراق يصدر الأزر إلى جزيرة العرب. واشتهرت ازره عند العبرانيين. أطلقوا عليها "ازرت شنعار" "ازرت شنعر"، أي "ازر شنعار"..يريدون بشنعار ما يقال له أرض بابل. وهو من نسيج جيد مبروم. وقد عرفت ب "لُبلتى برمه" "Lubulti birme"،وعرف النساج الذي اختص بهذا النوع من الأزر ب "اشبر برمي" "Ushbar Birimi".
و "القهز" و "القهزى"، ثياب بيض يخلطها حرير. وهي من الألفاظ المعربة..ذكر بعض علماء اللغة أن الأصل الفارسي هو "كهزانة".
والخميصة: ثوب أسود معلم من خز أو صوف. وأما الأنبجانية فكساء له خمل، وقيل: الغليظ من الصوف. والفروج: القباء له فرج من وراء أومن أمام. وأما المِرٌطُ فالكساء يتغطى به.
ومن أنواع الثياب "القباء". وقد ذكر بعض العلماء إن اللفظة فارسية الأصل معربة.
و "النرمق" ثياب لينة بيض، وهي من الألفاظ المعربة عن الفارسية، وأصلها "نرمه". وأما "النمرق" و "النمرقة"، فالوسادة أو الميثرة و الطنفسة. ولاحتياج الإنسان الى الملابس في كل زمن ، كانت حرفة الغزل والحياكة يحترفها كثير من الناس وتعيش عليها أسر عديدة. ويمكن عدّها من اًهم الحرف في ذلك العهد، وعد العمال، المشتغلين بها من أكثرعمال الحرف الأخرى عدداً. ولم يكن المتعاطون لهذه الحرف هم أصحاب معامل النسيج، ولكن أصحابها الأغنياء والمتمولون. أما المشتغلون بها، فعمال يشتغلون فيها بأجر يتقاضونه، ومنهم من كان رقيقاً مملوكاً يعمل لحساب سيده ومالكه، في مقابل قيامه بأوده. والقليل من العمال من كان يملك مصانع نسيج، تعمل له وتدر الربح عليه.
بل كان الملوك يشاركون الشعب في امتلاك دور النسيج وينافسونهم في الإنتاج.وفي نصوص المسند إشارات عديدة الى دور الحياكة والنسيج الملكية، والى انتاجها واشتغالها. ولا يستبعد احتكارهم لها أو احتكار صناعة بعض الأنواع من النسيج وبيع الأقمشة. وقد علمنا في الجزء السابق من هذا الكتاب أن البطالمة كانوا قد احتكروا بيع أنواع معينة من النسيج وصناعتها. وقد ظل احتكار حكومات مصر لأنواع معين آ من النسه في..عروفاً إلى الإسلام، تنسجها في معاسلها، ولا خ للأهللإت بإنتاجها، كما فعل ذلك غير المصريين أيضاً. فصناعة النسيج صمناعة مهمة ذات أرباح وفوائد،وهي من أهم الصناعات في المجتمع. ولأرباحها هذه ولكونها مورداً مهماّ، فكرت بعض الدول في احكارها، للحصول على أرباحها، كما تفعشالسول في الزمن الحاضر في احتكار بعفر الصناعات والمناجم وبعض المصالح ا"هامة مثل سكلك الحديد أو التلفون والبرق وغير ذلك لتكون مورداً يمون الدولة بالمال. ومن أسماء القطن "الطوط"، وقيل: الطوط قطن البردي. وورد في شعر لأمية ابن أبي الصلت: والطوط نزرعه أغن جراؤه فيه اللباس لكل حول يعضد.
ولم يقتصر عمل الحائك على حياكة الأقمشة ونسجها وحدها، لمجل شمل عمله كل شيء يحاك، مثل البسط والطنافس والسجاجيد و "الدرانك" التي هي نحو من الطنافس وإلبسط. ويذكر علماء اللغة أن اللفظة من المعربات. وذكر بعض العلماء أن "الدرنوك" و "الدرموك" ضرب من الستور والفرش، يكون فيها الصفرة والخضرة، وقال بعض آخر: انه ضرب من الثياب له خمل قصير كخمل المناديل، وبه شبه فروة البعير. وورد انه الطنفسة والبسط ذات الخمل. وقد تكون كبيرة تفرش البيت. والأنماط، وهي ضرب من البسط، وضرب من الثياب المصبغة، وثياب من صوف تطرح على الهودج. والنساجة وهي ضرب من الملاحف المنسوجة. والقطيفة وهي دثار مخمل. وقيل هي كساء مربع غليظ له خمل ووبر. والوسادة وهي المخدة. والنمرقة وهي الوسادة، وقيل للصغيرة منها، أو هي الميثرة، وتوضع على الرحل كالمرفقة، غير إن مؤخرها أعظم من مقدمها ولها أربعة سيور تشد بآخرة الرحل.
وهناك حرفة أخرى لها علاقة بالنساجة والحياكة، هي الخياطة. وحرفة الخياط تحويل الأقمشة إلى كسوة، وصنع الثياب والعمائم بتفصيل القماش وقصه ثم خياطته على وفق القياس المطلوب. وهي حرفة تروج في المدن. أما في البادية،فتقوم المرأة بعمل الضروريات، ويلتجئ الرجال الى القرى والمدن في شراء ما يحتاجون اليه من ثياب. ونجد بين أسماء الثياب، ما هو معرب، مما يدل على انه منقول مستورد، وأن الخياطين الجاهليين قد رأوه فقلدوا صنعه.
كذلك نجد بين أسماء اجزاء الثوب أسماء معربة.فذكر علماء اللغة أن "الدخريص" و "التخريص" من المصطلحات المعربة، وأن أصلها فارسي ، وهي تعني "البنيقة" و "اللبنة". وقد وردت "الدخارص" في شعر منسوب الى الأعشى.
ويعبر عن "الخيّاط" بلفظة "درز"،و "بنو درز" الخيّاطون والحاكة.
و "الخِياط" الإبرة. والإبرة، هي التي يخاط بها، وذلك بإدخال الخيط في سمّها أي في ثقب الإبرة ، وتخييط ما يراد تخييطه بها. والخياطة صناعة الخائط. ويقال للذي يسُوّي الابر الآبّار. و "السم" الثقب، ومنه "سم الخياط"، أي سم الإبرة.
ومن أسماء الخياط: "القراريّ". قال الأعشى: يشق الأمور ويجتـابـهـا كشق القراري ثوب الردن
ويعبر عن خياطة الخياط الثوب خياطة متباعدة ب "شمج" و "شمرج"، وذلك بأن يباعد بين الغرز. و "الشمرج" الرقيق من الثياب وغيرها.
ويعبر عن الخيط بلفظة "السلك" و "السلكة".
والثوب اللباس ، وهو ما يلبس. ولذلك فهما من الكلمات العامة التي تطلق على أشياء عديدة. وقد اشتهرت بعض الثياب بكونها ثياب رقاق، منها "السبوب" والسب: الشقة البيضاء،و كذلك الخمار. و "الشف"، وهو الثوب الرقيق، و "اللهله" و "النهنه"،الثوب الرقيق النسج. وثوب هلهل وهلهال،رقيق النسج، وهو المتدارك النسج، والمواد التي يستعين بها الخياط في صنع الثياب والاكسية هي الأنسجة المصنوعة من القطن أو الحرير أو الكتان أو الأصواف أو الشاش أو البز أو الكرباس.
ولفظة "قطن"، من الألفاظ التي يصعب تعجين أصلها. وقد ذهب كثير من الباحثين إلى أنها من أصل هندي. وفي التوراة لفظة "كربس" "Karpas"،أي الكرباس،فسرها علماء التوراة بمعنى "فطن". ولفظة "كرباس" معروفة في العربية. وهي من الألفاظ المعربة المعروفة عند الجاهليين. وترد في لغة بني إرم وفي العبرانية واليونانية واللاتينية. وقد ذهب بعض العلماء،أنها من أصل سنسكريتي وانها تعني شجرة القطن. وقد ذكرت اللفظة في تأريخ "هيرودتس"،وعرفها اليونان الذين كانوا في حملة الاسكندر الكبير. ودعوها "Carbasus"و"Carbasina" وقد أشار إلى القطن "هيرودوتس" و "سترابو" وصاحب مؤلف "Periplus maris Erythr" و"لوقان" "Lucan"و "Quintus Curtius" وأشاروا الى صلتها بالهند. واللفظة من الألفاظ الواردة في الفارسية أيضاً. وذهب علماء العربية إلى إن الكرباس ثوب من القطن الأبيض معرب عن الفارسية. وفي حديث عمر: "وعليه قميص من كرابيس"،جمع كرباس وهو القطن. ومن أسماء القطن الخرفع والخرنع. وذكر أن "الطوط"، هو قطن البردي. والبز عند علماء العربية: الثياب، وقيل ضرب من الثياب، وقيل البزُ من الثياب أمتعة البزاز، و البزاز بائع البزَ وحرفته البزازة. والبيزّة الهيئة والشارة واللبسة. وذكر إن "البز" ضرب من برود اليمن.
واللباس والألبسة والملبس كل ما يلبس. والكسوة، اللباس أيضا. والكساء واحد الأكسية. وقد عرفت لفظة الكسوة في العربيات الجنوبية كذلك،إذ وردت في بعض النصوص، "كسوت" "كشوا" "كشوي". وذكر علماء العربية إن الكساء الذي لا بطانة له، يقال له: "كساء سمط".
وفي العبرانية لفظة "بجد" وتقابل "بجاد" و "بجد" في العربية، وتعني اللباس عامة، من دون تمييز. أما لفظة "لبوش"، فهي من أصل "لبس"، وهي في.معنى "لبوس" و "لبس" في العربية. و البجاد عند العبرانيين من الألبسة التي تستعملها الطبقات الراقية.
وذكر علماء العربية أن البجادة كساء مخطط من أكسية الأعراب. وقيل: إذا غزل الصوف بسرة ونسج بالصيصة، فهو بجاد. ويقال للشقة من البجد: قليح وجمعه "قلح". وقيل البجاد الكساء. وقيل انه من وبر الإبل وصوف الغنم مخيطة.
ومن أنواع الأكسية: "المشملة": كساء يشتمل به دون القطيفة. وذكر: المشمل: كساء له خمل متفرق يلتحف به دون القطيفة. وورد في الحديث: "ولا تشتمل اشتمال اليهود"، وهو افتعال من الشملة ،وهو كساء يتغطى به و يتلفف فيه، والمنهي عنه هو التجلل بالثوب وإِسباله من غير أن يعرف طرفه. وهو "سمله" "Simlah" و "Salmah" عند العبرانيين.
و "البرنس": كل ثوب رأسه منه ملتزق به دُرّاعة كان أو ممطراً أو جُبةّ. وذكر أن "البرنس" قلنسوة طويلة، وكان النسّاك يلبسونها في صدر الإسلام. وهو من "البرس"،القطن. وعرف بهذه التسمية أيضاً عند العبرانيين.
والمُلاءة: الريطة،وهى الملحفة والإزار. وذكر أن الريطة الملاءة إذا كانت قطعة واحدة ولم تكن لفقين، وقبل: الريطة كلا ملاءة غير ذات لفقين كلها نسج واحد، وقيل: هو كل ثوب لين دقيق. والرائطة: المنديل.
والإزار: الملحفة، والمئزرة: الإزار. والرداء الذي يلبس، والجمع أردية. وذكر أن المئزر من الصوف أو الشعر يؤتزر به، فإذا انفق فهو "شملة" يشتمل بها الرجل إذا نام بالليل.
و الردن: الكُمّ. يقال: قميص واسع الردن. وذكر أن الردن مقدم كمّ القميص، وقيل هو أسفله ، وقيل: هو الكمّ كله.
ويصنع الخياط الهمابين جمع "الهميان"،ويراد به الحزام وبه كيس نجعل فيه النفقة ويشد على الوسط. وقد يصنع من الجلود أيضاً، وهو من الألفاظ المعربة من الفارسية.
أما "الكيس"، فهو لحفظ ولخزن ولحمل الأشياء. ويعرف ب "كيس" في العبرانية كذلك، وقد يصنع من الجلد. وأما "الخريطة"، فإنها "خريط" في العبرانية. وتحفظ فيها الأشياء الثمينة، وقد تحلى وتزخرف. وأما "الصرة"، وهي "صرور" في العبرانية، فلصر الأشياء. ولا تزال هذه الأسماء مستعملة معروفة.
والجاهليون مثل عرب الإسلام في اختلاف ملابسهم، فقد كانت ملابسهم تختلف باختلاف منازلهم ودرجاتهم. فللشرفاء والوجهاء أهل المدن والقرى لبس خاص يميزهم عن الطبقات الدنيا من الناس. وللتجار لبس خاص بهم، أما الأعراب فكانوا يتميزون أيضاً بطريقة لبسهم عن أهل المدن والقرى. ثم انهم عموماً كانوا يختلفون في ألبستهم باخلاف أمكنتهم وبحسب درجة اتصالهم واختلاطهم بالأعاجم. فقد كان عرب العراق قد تأثروا بألبسة الفرس وبألبسة بني إرم، فأخذوا منهم. وتأثر عرب بلاد الشام بالروم، فأخذوا منهم بعض ملابسهم،حتى أسمائها، احتفظوا بها، وقد حفظتها لنا كتب الاسلاميين، وبعضها لا تزال حية نستعملها هذا اليوم. ولا تختلف ألبسة الرأس المعروفة عند الجاهليين عن ألبسة الرأس المستعملة بين الأعراب وفي قرى جزيرة العرب. فقد اقتضت طبيعة الصحراء، أن يحمي الجاهلي رأسه بألبسة واقية تقيه من أذى أشعة الشمس المحرقة ومن الرمال التي تذرها العواصف في العيون وفي الأنوف، فأوجد لنفسه ألبسة رأس مناسبة له ولبساطة حياته. فستر رأسه بقطعة قماش مربعة الشكل في الغالب، تمتد على أطرافه ليتلثم بها وقت ظهور العواصف وارتفاع الرمال، أو وقت ظهور السموم، فيحمي نفسه منها ومن العطش، كما يحمي مؤخر رأسه من أشعة الشمس، ولتحميه من البرد في الشتاء كذلك. ويضع فوق هذه القطعة عقالاً، يصنع من الصوف أو من شعر الماعز أو الوبر، ليمسك قطعة القماش فلا تسقط. وتعرف قطعة القماش هذه بالكوفية و ب "الكفية" في الوقت الحاضر، ويقال لها وللعقال "الكفية والعقال" و "الكوفية والعقال" في اصطلاح المحدثين.
أما عرب بلاد الشام، فقد كانوا يضعون لباداً فوق رأسهم مصنوعاً من مادة مضغوطة من الصوف أو الوبر، يشبه ما يسمى ب "العرقجبن" في العراق "العرقية"، يلف حوله بقماش مختلف الألوان، قد يمتد أحد طرفيه، ليستعمل لثاماً للوجه وستراً للرقبة ، وهو زي الفلاحين والرعاة.
والعمامة من لباس الرأس عند الجاهليين. "والعرب تقول للرجل إذا سوُّد: قد عمم. وكانوا إذا سوّدوا رجلاً عمموه عمامة حمراء،وكانت الفرس تتوج ملوكها فيقال له متوج". ويقال لها "السبائب" كذلك. والعمامة: "السُب".
وعادة صبغ الثياب،من العادات المعروفة عند العرب قبل الإسلام. وكانوا يستعملون في ذلك أصباغاً مختلقة،كالقرف وهو قشور الشجر، والجذور يستخرجون ما فيها من مادة ملونة لصبغ ما يضعونه فيها من ملابس، والأصباغ المستخرجة من بعض النباتات. ولألوان العمائم أو الملابس دخل في المناسبات الاجتماعية،فكانوا يستعملون للحرب مثلاً نوعاً خاصاً من العمائم ذوات ألوان خاصة، تعبر عن المواقع، ويستعملون في الأحزان نوعاً خاصاً من العمائم والثياب، وفي الفرح ملابس خاصة،وهكذا، كما كانوا يقومون بتجميرها في بعض الأحوال.
ويقوم بصبغ الثياب وقصرها الصباغون، يصبغون الملابس كما يصبغون الأقمشة قبل تفصيلها وخياطتها. وذكر أن الكهان كانوا لا يلبسون المصبوغ ، ولعلهم كانوا يفعلون ذلك بسبب اعتقادهم أن تابع الكاهن ينفر من الصبغ.
وفي جملة الأصباغ المعروفة والشائعة عند الجاهلين، العصفر، وهو نبت أصفر يستخرج منه صبغ أصفر، تصبغ به الثياب والاقمشة وأمثالها. ومن هذه الصبغة جاءت لفظة "المعصفرات"، ويراد بها الثياب المصبوغة بالعصفر. والورس وهو صبغ أصفر، يؤخذ من نبت طيب الرائحة تصبغ به الملابس، فيقال ملحفة مورسة،إذا كانت مصبغة بالورس. وقد جاء النهي عن لبس الثياب المعصفرة في الإسلام.
والثوب الأحمر، هو الثوب المصبوغ بلون أحمر، أما "الكرك"،فالثوب الأحمر كذلك. و "ثوب مشرق"، ثوب بن الحمرة والبياض، و "ثوب قتمة" و"مقتوم" ثوب سواده ليس بشديد، و "ثوب مفروك"،مصبوغ بالزعفران، وزبرقت الثوب زبرقة، صفرته. وقد سمي "الزبرقان بن بدر" بذلك، لصفرة عمامته.
ويظهر إن الصباغين كانوا يمطلون بالمواعيد ويخلفون، لذلك ضرب بهم وبالصياغين المثل في الحلف. وورد في الحديث: "أكذب الناس الصباغون و الصوّاغون".
ويستعمل شعر الماعز في الغالب لصنع الخيام،وذلك للاعراب وللتجار والمسافرين وغيرهم. والاتجار بالخام، من التجارات التي كانت رائجة يومئذ ويستعمل شيوخ القبائل والرؤساء والملوك خياماً خاصة مصنوعة من أقمشة غليظة تتحمل المطر والعوارض الطبيعية الأخرى، ولها أسعار غالية عالية، تختلف باختلاف حجمها ونوع القماش المصنوعة منه. ولبعضها قواطع تجزئ الخيممة إلى أقسام تكون شبه غرف يسكن فيها. ويستعمل بعضها مضارب يعقد فيها ديوان الرئيس، وبعضها معابد توضع فيها الأصنام والأشياء المقدسة التي تتنقل مع القبيلة، يحملها الكهنة معهم.وقد أشير إلى هذه الأصنام المتنقلة مع القبائل في الأخبار التي سجْلها الآشوريون عن حروبهم مع الأعراب ، كما كان العبرانيون يصنعون خياماً واسعة تكون مقدسة لخدمة الرب. ومن الخيم الكبار "الفسطاط". ويطلق على الأبنية كذلك.
والبساط، ما بسط. وقد اشتهرت أنواع خاصة من البسط بين الجاهليين. منها بسط عبقر، والبساط العبقري من الأبسطة الجيدة، ومن عادة العرب أنهم إذا استحسنوا شيئاً أو عجبوا من شدته و مضائه نسبوه الى "عبقر". وعبقر عندهم أرض من أرض الجن. وورد "ثياب عبقرية" نسبة إلى عبقر. حتى قالوا: "ظلم عبقري " أي شديد فاحش. ومن أنواع البسط: "النخ". وهو بساط طوله أكثر من عرضه، وهو فارسي معرب، وجمعه نخاخ.
وللعرب طرق في هيأة لبسهم وفي كيفية وضعها على أبدانهم، ولا سيما أهل الحضر منهم. كما كانوا يكيفون لبسهم حسب المناسبات في مثل الغارات والحروب والسفر. ومن ضروب لبسهم، ما يقال له: "الاضطباع"،ويقال له: "التأبط"، وهو أن يدخل الثوب من تحت يده اليمنى فيلقيه على منكبه الأيسر.
ومن ضروب اللبس: "التفضل"، وهو التوشح،أن يخالف اللابس بين أطراف ثوبه على عاتقه. وأما "الفضلة" فالثياب التي تبتذل للنوم لأنها فضلت عن ثياب الصرف. وعرف التوشح: أن يتوشح بالثوب، ثم يخرج طرفه الذي ألقاه على عاتقه الأيسر من تحت يده اليمنى، ثم يعقد طرفيهما على صدره. وقيل: التوشح بالرداء مثل التأبط والاضطباع،وهو أن يدخل الثوب من تحت يده اليمنى فيلقيه على منكبه الأيسر، كما يفعل المحرم.
وأما "الاشتمال"، فهو ادارة الإنسان الثوب على جسده كله حتى لا تخرج منه يده. وروي أن النبي نهى عن اشتمال الصّماء. والشملة الصّمّاء، التي ليس تحتها قميص ولا سراويل، وذكر أن اشتمال الصمّاء هو أن يشتمل بالثوب حتى يجلل به جسده ولا يرفع منه جانباً، فيكون فيه فرجة تخرج منها يده، وهو التلفع،وربما اضطجع فيه على هذه الحالة.وذكر الفقهاء: أن الاشتمال هو أن يشتمل بثوب واحد ليس عليه غيره، ثم يرفعه من أحد جانبيه فيضعه على منكبه فتبدو منه فرجة.
"والسند"، ضرب من ضروب اللبس عند العرب، وهو أن يلبس قميصاً طويلاً تحت قميص أقصر منه. كما أن السند ضروب من البرود،وضرب من الثياب. وذكر أن السناد هي الحمراء من جباب البرود.
وإذا نام الشخص وأدخل رأسه في ثوبه قيل لذلك الكبس والكباس. و "الكمكمة" التغطي بالثياب.
وقد عرف الجاهليون "الكلل". و "الكلة": الستر الرقيق يخاط كالبيت يُتوقى فيه من البق.
ويعبر عن الستر ب "السجف"، وهو قماش يستر به. والسجافة السدافة،أي الحجاب. وكل باب ستر بسترين مقرونين فكل شق منه سجف. وقيل لا يسمى سجفاً إلا أن يكون مشقوق الوسط كالمصراعين.
ريم âيه ôîًَىà   رد مع اقتباس
قديم 10-02-2007, 08:28 AM   #115 (permalink)
عضو
 
تاريخ التسجيل: Mar 2007
العمر: 27
المشاركات: 3,982
Rep Power: 349
ريم will become famous soon enough ريم will become famous soon enough
الفصل الخامس عشر بعد المئة

الفصل الخامس عشر بعد المئة
قياس الابعاد والمساحات والكيل






وقد استعمل الجاهليون قياس الأبعاد والوزن والكيل في معاملاتهم. وهي متقاربة بين الشعوب السامية لاختلاط هذه الشعوب بعضها ببعض، ولمستوى تلك الشعوب في الأيام الماضية، ودرجتها في الثقافة بالنسبة إلى تلك العهود، هذا وتجد الأوزان والمكاييل قد تطورت شيئاً فشيئاً، تطورت بالتدريج من أحوال بدائية حسية يدركها الإنسان البدائي، إلى أن اتخذت أشكالاً تستند الى أسس علمية. ويستعمل الوزن لقياس الكميات. أما المسافات والأبعاد، فتقاس بالطبع بمقاييس تستند إلى أساس تقدير الأبعاد.
ويختلف أهل الجاهلية في الكيل والوزن، اختلاف الناس في هذا اليوم. منهم من يوزن الشيء، ومنهم من يكيله كيلا". كان أهل المدينة يكيلون التمر، وهو يوزن في كثر من أهل الأمصار. وان للسمن عندهم وزن، وهو كيل في كثير من الأمصار. وقد يباع الشيء عدداً، بينما يباع وزناً عند قوم آخرين. والذي يعرف به أصل الكيل والوزن، أن كلّ ما لزمه اسم المختوم والقفيز والمكوك والمدّ والصاع، فهو كيل. وكل ما لزمه اسم الأرطال والأواقي والأمناء، فهو وزن. ودرهم أهل مكة ستة دوانيق، ودراهم الإسلام المعدلة كل عشرة دراهم سبعة مثاقيل.
وقد كان الجاهليون يستعملون المكاييل في الغالب لقياس الجوامد والمائعات على حد سواء. وذلك كما يتبين من دراسة أسماء المعايير بالقياس إلى المعايير المستعملة عند الرومان واليونان. وكما يتبين من مراجعة معجمات اللغة، حيث تذكر المقياس في قياس الجوامد أحياناً وفي قياس المائعات أحياناً أخرى. وكما يتبين من عدم تفريق بعض اللغويين بين الوزن والكيل.
وقد جاءت في كتب الحديث والفقه وكتب اللغة أسماء بعض العيارات والموازين التي كان يستعملها العرب قبل الإسلام. ويظهر من هذه الكتب أن هذه العيارات والموازين كانت تختلف باختلاف المواضع، وإن اتفقت في الأسماء. فبين مكة والمدينة مثلاً اختلاف في تقدير العيارات، كذلك أختلف العرب في وزن الأشياء في بعض الأحيان، فقد ذكر أن أهل المدينة كانوا يكيلون التمر، وهو يوزن في كثير من الأمصار. ثم إِن بعض المواد تكال وتوزن، فالسمن يكال في بعض الأماكن، ويوزن في أماكن أخرى، ويكال ويوزن في آن واحد في أماكن غيرها وقد ورد في الحديث: "الوزن وزن أهل مكة، والمكيال مكيال أهل ا لمدينة".
والكيل والوزن سواء في معرفة المقادير. وتعني لفظة "كال" معنى وزن.
وقد ورد عن النبي أنه قال: المكيال مكيال أهل المدينة والميزان ميزان أهل مكة. وورد الكيل كيل الطعام، يقال: كلتُ الطعام إذا توليت ذلك له. وورد في القرآن الكريم: )ويل للمطففين، الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون، وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون(. وذلك إن كان مخصوصاً بالكيل، فحث على تحري العدل. وقد وردت لفظة: "الكيل" و "كيل" و "المكبال" و "كلتم" و "اكتالوا" و "نكتل" في مواضع من القرآن الكريمْ.
ويعبر عن الوزن وعن قياس الأبعاد بلفظة: "كل" "كال" أي "كالَ" في المسند. والوحدة "كلت" أي "كيلة". أما في عربيتنا، فقد استعملت في الوزن والكيل. وجاء الكيل: كيل الطعام. وورد كال البئر، أي قدر ما فيها من ماء. والاسم "الكيلة"، والكيل، والمكيل، والمكيال،والمكيلة، ما كيل به حديداً كان أو خشباً. وكال الدراهم والدنانير وزنها.
وفي معنى "كلت" ترد لفظة "سفرت" "سفرة". وتستعمل خاصة في قياسات الأبعاد، مثل البعد بين مكانين، أي المسافات والأطوال فهي بمعنى مرحلة أي وحدة قياسية للبعد، ومعدل ما يسافره الإنسان أو تقطعه القافلة في اليوم، أي السفرة التي تتمكن منها القافلة في اليوم، فسفرت، هي سفرة في لغتنا، أي مرحلة.
وتعد قياسات الأبعاد والموازين والمكاييل البابلية من أهم وأدق المكاييل والأوزان عند الشعوب الشرقية. فقد استند البابليون في قياساتهم هذه إلى أسس علمية.
وهم في ذلك أدق من قدماء المصريين، ومن اليهود.
والعادة قياس الأبعاد الصغيرة والمسافات القصيرة، بمقاييس تتناسب مع هذه الأبعاد وذلك باستعمال مقاييس صغيرة مثل الاصبع والشبر والذراع، صارت أساساَ للمقاييس التي تقاس بها المسافات اليعيدة، مثل المسافات بين مراحل السفر أو الأبعاد بين اسن والقرى وما شاكل ذلك. إذ لا بد من اتخاذ وحدة قياسية كبيرة في قياس الأبعاد الطويلة، لسهولة الضبط والحفظ، ولهذا اصطلحت الأمم على اتخاذ وحدات كبيرة في قياسات المراحل والأبعاد، سمتها.
وقاس الجاهليون مساحات الأرضبن الزراعية بمقدار البذور المنثورة وبمقدار ما يحرثه ثور واحد أو حيوان في نهار. ويراد بذلك متوسط عمل محراث واحد في الارض. فتقدر مساحة أرض بمقدار كميات البذور التي تنثر في الأرض، وتذكر عندئذ مقدار كيلات البذور المنثورة، ويدل عددها على مساحة الأرض.
ولو تعمقنا ثي دراسة قياس المسافات، فإننا في أن الإنسان قد استعان بأجزاء جسمه في بادئ الأمر في القياسات، فاستعان بالاصبع، واعتبره وحدة قياسية صغيرة لقياس البعد،استعمل عرضه كما استعمل طوله. واستعمل "الكف" قياساً للابعاد كذلك. وهو أربع أصابع عند العبرانيين. واستعل "الشبر" للابعاد التي تزيد على الكف. والشبر هو مسافة ما بين طرف الإبهام وطرف الخنصر، ويساوي ثلاث كفوف. ويعدل من ثمانية قراريط الى أحد عشر قيراطاً. واستعملت "الذراع" وجعلوها تعادل شبرين. وتقدر بنحو قدم إلى قدمين. ثم "الخطوة" وتعادل ذراعين أو ثلاث أقدام أو إثنتي عشر كفاً. ثم "القامة"،وتعادل خطوتين أو أربع أذرع أو ستة أقدام. ثم "القصبة". وتعادل قامة ونصف قامة، أو ستة أفرع. وتعادل تسع أقدام أو ستاً وثلاثين كفاً.
والكف - عند العرب - اليد، أو منها إلى الكوع والشبر ما بين أعلى الإبهام وأعلى الخنصر، ويكال به. ومنه "اشبر"، كيل الثوب بالشبر، يشره شبراً. والذراع من طرف المرفق إلى طرف الاصبع الوسطى، وقبل الذراع والساعد واحد. بقال ذرع الثوب وغيره، قاسه بالذراع. وهو ما يذرع به من حديد أو خشبْ. و "الباع"، قدر مد اليدين وما بي نهما من البدن، ويستعمل في قياس الأعماق، مثل الآبار، وأعماق الماء.
والخطوة ما بين القدمين. والقامة عند العرب، مقدار هيأة رجل، والبكرة بأداتها، وقيل: البكرة التي يستقى بها الماء من البئر. والقامة مقياس أيضاً تقاس به الأعماق.
وذكر الذراع في القراَن الكريم في آية: )في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فأسلكوه(. ويعبر عن المذروع، أي الممسوح بالذراع. وقد ذكر بعض علماء اللغة أن الذراع من طرف المرفق إلى طرف الإصبع الوسطى. وذكر بعض العلماء أن الذراع والساعد واحد. وأما المذارعة فالبيع بالذراع. ويقال ذراع من الثوب والأرض. فتستعمل المذراعة إذن في الأموال المنقولة التي لها اتساع مثل الثياب والأقمشة والخشب وما شابه ذلك، كما يستعمل في ذرع الأرض. وقد اختلف الذراع الجاهلي عن الذراع في الإسلام.
والقصبة من أصل "Kas-pu في البابلية، ومعناه "ساعتان"، أي مسيرة تقطع في ساعتين. وورد "Kas-pu Kakkari" في النصوص البابلية، ويراد بالجملة: ما يقابل "قصبة ارض" أو "ميل أرض" وقد كان أهل مصر في الإسلام يمسحون أرضهم بقصبة طولها خمسة أذرع بالتجاري، فمتى بلغت المساحة اربعمائة قصبة، فاسمها: الفدان.
و "الغلوة"، وكانت مقياساً يونانياً، وتعادل نحو " " خطوة، أو ُثمن ميل. وتسمى "فرسخاً" ايضاً. وذكر علماء اللغة أن "الغلوة" قدر رمية بسهم، وتستعمل في سباق الخيل. وقيل هي قدر ثلاثمائة ذراع إلى أربعمائة ذراع. وذكر بعض علماء اللغة،أن الفرسخ التام خمس وعشرون غلوة. وقد ذكر بعض علماء اللغة أن الفرسخ ساعة من النهار. وقال بعض آخر انه السافة المعلومة، وهو ثلاثة أميال هاشمية أو ستهّ أو اثنا عشر ألف ذراع أو عشرة آلاف ذراع. واللفظة من الكلمات المعربة، وهي Frosong فرسنك في الفهلوية. وقد أشير إلى هذا المقياس الفارسي في بعض مؤلفات الكتبة اليونان مثل "هيرودوتس" و "كسينوفون" "Xenophon" وهو "Farsong"في الفارسية الحديثة. "Prasakha" في لغة بني إرم.
وأما "الميل"، فمقياس روماني، وقد اختلف في طوله، فقيل إنه ثلث الفرسخ، وقيل إنه ثلاثة آلاف فراع أو أربعة آلاف، وقيل أربعة آلاف، خطوة، كل خطوة ثلاثة أقدام. وقيل إنه سدس الفرسخ. وهو من الألفاظ المعربة، من أصل "Miloin"، وذكر علماء اللغة أن الميل هو المنار يبنى للمسافر في أنشاز الأرض، وأنه أيضاً الأعلام المبنية على الطرق لهداية الناس.
وقد استخدم الجاهليون مصطلحات خاصة في تقدير المسافات والأبعاد، ولا سيما في الأسفار. فاستعملوا مصطلح "مسيرة ساعة" ومسيرة ليلة ومسيرة نهار ومسيرة قافلة وأمثال ذلك. وقصدوا بذلك معدل ما يقطعه الإنسان والقافلة في المدد المذكورة. واستعملوا "البريد" في تقدير الأبعاد والمسافات، و "البريد"، فرسخان، كل فرسخ ثلاثة أميال، والميل أربعة آلاف ذراع،أو أربعة فراسخ، وهو اثنا عشر ميلاً. وفي الحديث: لا تقصر الصلاة في أقل من أربعة برد، وهي ستة عشر فرسخاً، وفي كتب الفقه: السفر الذي يجوز فيه القصر أربعة برد، وهي ثمانية وأربعون ميلاً بالأميال الهاشمية في طريق مكة.
وقاس الجاهليون المساحات، مثل مساحات البيت أو الملك كالأرضين بالذراع،إن كانت غير كبيرة. أما إذا كانت كبيرة، فقد قيست بمقدار متوسط ما يحرثه "الفدان" في اليوم. وذكر علماء اللغة أن "الفدان" الثوران اللذان يقرنان فيحرث عليهما، وأن الفدان المزرعة ، والآلة، ومقدار محدود من الأرض اصطلح الناس على تحديد مقداره.
وتقاس الأرض بالجريب أيضاً. قال علماء اللغة: الجريب من الأرض مقدار معلوم الذراع والمساحة، وهو عشرة أقفزة،كل قفيز.منها عشرة أعشراء،فالعشير جزء من مائة جزء من الجريب. وقيل: الجريب المزرعة،وقدر ما يزرع فيه من الأرض. وقد استعمل للطعام ولتقدير غلة الأرض،أي وحدة قياس للارضين، ومكيلة في آن واحد، وقال بعض العلماء انه يختلف باختلاف البلدان، ومن وحدات القياس في اليمن: "ا م ت" "امت". وقد ذكرت هذه الوحدة في نصوص المسند. وتقاس بها الأبعاد طولاً وعرضاً، وذكر علماء اللغة أن "الأمت" الحزر والتقدير، يقال كم أمت ما بينك وبين الكوفة، أي قدر، وأمت القوم أمتاً، إذا حزرتهم. فللمعنى اذن صلة بالمعنى المفهوم من اللفظة في لغة المسند.
والشوحط من وحدات القياس الأبعاد كذلك. فورد: "سدثي شو حطم"، أي ستون شوحطاً. وقد ذكر هذا المقياس في كتابات المعنيين. ولعله قصبة أو خشبة، حدد طولها، واعتبرت كالمتر و "الياردة" وحدة أساسية لقياس الأبعاد. و "الشوحط"،في كتب اللغة ضرب من شجر الجبال تتخذ منه القسي، أو ضرب من النبع تتخذ منه القياس. فلا يستبعد وجود صلة بين الشوحط اليماني،وهذا الشوحط،وهو اتخاذ قضب الشوحط،مقياساً معيناً محدداً، لقياس الأبعاد.
وترد في بعض كتابات المسند لفظة "ممد" مع العدد، كأنها استعملت للتعبير عن قياس. وقد ذهب بعض الباحثين إلى أنها لا تعبر عن وحدة قياسية قائمة بذاتها، كما تعبر لفظة قدم أو ذراع، بل هي تعبر عن معنى عام، هو مسافة أو كيل أو وزن. ويفهم ذلك المعنى من مكانه الكلمة وموضعها في الجملة، وأما وزن الأشياء، أي تقدير مقدار ثقلها، فيختلف في الغالبّ باختلاف طبيعة الشيء المراد معرفة وزنه وتقدير ثقله. فإذا كان الشئ جافاً قدر بمعايير خاصة، واذا كان سائلاً قدّر بمعايير أخرى. غير إن هذا التفريق ليس يعدّ قاعدة عامة، وانما يختلف باختلاف الأماكن والأعراف والعادات. فقد يزن بعض الناس المائعات بمعايير توزن بها الأشياء الجافة عند أناس آخرين، فالسمن مثلاً يوزن ويكال، والتمر يوزن ويكال، وهناك أمثلة عديدة أخرى من هذا القبيل، وأما الأوزان، أي معرفة الخفة أو الثقل للاشياء التي يراد وزنها لمعرفة مقدارها، فقد كانت توزن بوضعها في إحدى كفتي ميزان ووضع الأوزان في الكفة الثانية. وقد كانت للاوزان البابلية شهرة، وعليها كان اعتماد العبرانيين.
والميزان الآلة التي يوزن بها. وقد ذكر علماء اللغة أسماء أجزاء الميزان. والميزان الذي كان يستعمله الجاهليون لا يختلف عن الميزان المستعمل عند الشعوب الأخرى. ويقوم الوزن على أساس المعادلة بين الكفتين، ويظهر أن الجاهليين كانوا فد أخذوا الأوزان من العراق ومن بلاد الشام، واستعملوها كلها وبأسمائها الأصلية، وذلك بدليل ما نجده في أسماء هذه الأوزان التي استعملوها من مسميات بابلية أو إرمية وفهلوية ويونانية ورومانية. لقد أخذوها بتعاملهم مع أهل العراق ومع أهل بلاد الشام، وأدخلوا مسمّياتها إلى لغتهم بعد ادخالهم بعض التحوير والتغيير عليها لتتناسب مع النطق العربي. وقد كان لا بد لهم من استخدام تلك الموازين كلها أو أكثرها على حدّ سواء، لأنهم تعاملوا وتاجروا مع العراق وبلاد الشام منذ القدم. فكان لا بد لهم من التعامل مع كل بلد بموازينه وبمقاييسه،ومن استعمال هذه الأوزان في بلادهم أيضاً بحكم ذلك التعامل والإتجار، كما نستعمل اليوم الأوزان والمقاييس الأجنبية في التعامل عندنا بدلاً من الموازين والمقاييس القديمة.
ومن الأوزان التي يعود أصلها إلى الروم: "الرطل"، وهو "Litra" عند اليونان. والأوقية، وتقابل "Oncia" "Ounguiya"عند البيزنطيين. و "الدرهم"، وهو وحدة وزن، وقطعة نقد، من "Dhrakhmi". "وقيراط" وهو من "Keration"، ومن وحدات القياس التي يعود أصلها إلى الفارسية: "الدانق"،فإنه من "دانك"،وهو سدس الدرهم، واما "المثقال" فمن أصل آرامي، من "Matqolo".
والقسطاس: الميزان، ويعبر به عن العدالة، كما يعبر عنها بالميزان. ويذكر العلماء إن القسطاس أقوم الموازين. و "القسط" مكيال يسع نصف صاع. و "الفرق" ستة أقساط. وذكر بعضهم إن "القسط" أربعمائة وواحد وثمانون درهماً. والقسط الحصة من الشيء، والمقدار.
ويقاس الذهب بالوزن، وكذلك الفضة، فكان التجّار يحملون معهم الموازين ليزنوا بها هذين المعدنين. وقد كان "الشاقل" هو وحدة القياس للوزن عند الجاهليين. ويقال في العربية: "شقل الدينار وشوقل الدينار، بمعنى وزنه وعايره وصححه". وجاء أن الشقل: الوزن. يقال: اشقل لي هذا الدينار، أي زنه. واللفظة من الألفاظ البابلية التي دخلت الى لغة بني إرم والى العبرانية والعربية.
و "الحبّة" من العيارات المستعملة عند الجاهليين والتي بقيت مستعملة في الإسلام كذلك، ولا تزال تستعمل. أما وزنها فاختلف فيه باختلاف الأزمنة والأمكنة وقد قدرها بعضهم بعُشر الدانق، وقدرها بعض آخر بسدس ثمن درهم، وهو جزء من ثمانية وأربعين جزءاً من درهم.
والقيراط،هو نصف دانق. وذكر بعض العلماء أنه جزء من أجزاء الدينار،وهو نصف عشره في بعض البلاد في الإسلام، وجزء من أربعة وعشرين في بلاد الشام، وهو عند الروم جزء من اربعة وعشرين من أجزاء شيء. وهو من أصل رومي هو "Keration"، ويظهر أو وزنه لم يكن ثابتاً، بل اختلف باختلاف البلدان.
و "المثقال" من الأوزان القديمة عند العرب، وقد وردت لفظة "مثقال"
في القرآن الكريم بمعنى مقدار ووزن. ويظن بعض المستشرفين إن "المثقال" من أقدم المعايير عند العرب، ويستعطه العطارون والصيارفة وباعة اللؤلؤ والحجارة الثمينة، وهو عبارة عن اثنتين وسبعين شعيرة. وفي بعض الموارد: المثقال عشرون قيراطاً. وهو يقابل ال "Solidus" عند الروم على وفق النظام الذي أقره القيصر "قسطنطين" "Costantine". وهو نظام اتبع في بلاد الشام،وأقره العرب واستعملوه. واللفظة من الألفاظ المعربة عن الإرمية من أصل "متقولو" "Matqolo" على بعض الآراء ،والأوقية من الأوزان التي كانت مستعملة في الجاهلية. وقد اختلف العلماء في ضبط وزنها وتعيين مقداره. فقال بعضهم: هي سبعة مثاقيل، وانها أربعون درهماً. وقال بعض آخر: هي أربعون درهماً. وقد ورد في الحديث: ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة. وفي حديث النبي، انه لم يصدق امرأة من نسائه أكثر من اثنتي عشرة أوقية ونش. قال مجاهد: الأوقية أربعون درهماً،والنش عشرون. وهي تقابل "Uncia" عند الروم.
و"البزمة" وزن ثلاثين درهماً.
وقد أشير في الحديث إلى "نواة من ذهب"، وقد جعل بعض العلماء النواة زنة، وقال بعض آخر: النواة من العدد عشرون أو عشرة، أو هي الأوقية من الذهب أو أربعة دنانير أو ما زنته خمسة دراهم أو ثلاثة دراهم ونصف أو ثلاثة دراهم وثلث.
وقد كان الجاهليون يبايعون الذهب والفضة بالأوزان التي ذكرتها مثل النواة والحبة والشعيرة والمثقال والأوقية. ولما جاء الرسول المدينة وجد أهلها يبايعون اليهود الوقية من الذهب بالدنانير، فقال لهم: "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلاّ وزناً بوزن"، وأما الرطل، فإنه في مقابلَ "Litra" في اليونانية،و "Libra" في اللاتينية. وهو قدر نصف "من". وهو من الأوزان المعروفة عند الجاهليين. وذكر أن الرطل الجاهلي هو ضعف الرطل الإسلامي، وقد اختلف وزنه عند المسلمين باختلاف الأماكن والمواضع والناس. وذكر بعضهم: الرطل اثنا عشر أوقيهّ بأواقي العرب، والأوقية أربعون درهماً، فذلك أربعمائة وثمانون درهماً. وأما "المنّ"، "Mana" "Mna" "Maneh" "Mina" "Mnh" " "منا" و "منو" "Mnu"، في البابلية، فإنه خمسة عشر شاقلاً، وعشرون شاقلاً وخمسة وعشرون شاقلاء،اي انه ورد في ثلاثة أوزان. فعرف كل وزن من هذه الأوزان الثلاثة باسم "من". وهو معروف عند قدماء اليونان، وعند السريان. وهو من الأوزان المعروفة،عند العرب الجاهليين.
وقد ذكر علماء اللغة انه كيل أو ميزان وهو رطلان، والقنطار وزن أربعين أوقية من ذهب، وقيل ألف ومئتا دينار، وقيل، ألف ومئتا أوقية ، وقيل سبعون ألف دينار، وقيل ثمانون ألف درهم، وقيل مئة رطل من ذهب أو فضة. وزعم بعض علماء اللغة انه سرياني، وزعم آخرون انه عربي، ويظهر انه لاتيني الأصل وانه من أصل، "Centenarium Pondus" أي وزن يساوي مئة ضعف وزن أخر. وقد اختلف العلماء في القنطار، وقد ذكر العلماء آراءهم فيه ويظهر إنهم كانوا قد اختلفوا فيه في الجاهلية كذلك،وسبب ذلك على ما يظهر، انهم استعملوه وزناً، أي معياراً، واستعملوه ثمنا، أي بمقدار ما يعادله بالذهب والفضة، وبالنقد، ثم بالمقايضة، مثل قولهم انه ملء ثور ذهب أو فضة.
وقد ذكر في الآية )ومن أهل الكتاب مَن إن تأمنه بقنطار يؤده لك،ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده اليك إلا ما دمت عليه قائماً(. وفي الاية: )وآتيتم إحداهن قنطاراً(. وورد: )والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة(.
وفي الإشارة إلى القنطار في القرآن الكريم دلالة على استعماله في الحجاز وربما في أماكن أخرى من جزيرة العرب كذلك.
والقناطير جمع قنطار. ومعنى القناطر المقنطرة: المال الكثير من الذهب والفضة، والمال الكثير بعضه على بعض. ويظهر من اختلاف المفسرين وسائر العلماء في مقدار القنطار أن العرب لا تحد القنطار بمقدار معلوم من الوزن، ولكنها تقول هو قدر ووزن ، لأن ذلك لو كان محدوداً قدره عندها لم يكن بين متقدمي أهل التأويل فيه كل هذا الاختلاف.
والمُدّ مكيال، وهو رطلان أو رطل وثلث أو ملء كفي الإنسان المعتدل، إذا ملأهما ومدّ يده بهما، وبه سميّ مداً ،وقيل هو ربع الصاع، لأن الصاع أربعة أمداد. وقد اختلف في مقدار المدّ في الإسلام، وقد ورثوا ذلك من الجاهلية، فقد اختلفوا في مقداره أيضاً باختلاف مواضعهم،
والصاع من المكاييل التي كان يستعملها أهل الحجاز عند ظهور الإسلام. وقد عرف خاصة عند أهل المدينة. ويأخذ أربعة أمداد. وهو يأخذ من الحبّ قدر ثلثي الصاع في بعض الأماكن. وكان لأهل المدينة صيعان مختلفة. وورد صاع المدينة أصغر الصيعان. كما ورد في كتب الحديث والفقه،صاع النبي وصاع عمر وقد كالوا به التمر والحبوب، وقد اختلف العلماء في مقداره في الإسلام. ومردّ ذلك الى الجاهلية الذين كانوا يختلفون في تقدير الصاع وذكر المفسرون أن "صواع الملك"، أو "صاع الملك" حسب قراءة "أبي هريرة" كناية عن الصاع الذي يكال به الطعام. وذكر أنه الإناء الذي يكال به الطعام، وإناء يشرب فيه، وكان يشرب الملك، وهو من فضة. وكان للعباس في الجاهلية واحد، وهو المكوك الفارسي الذي يلتقي طرفاه، كانت تشرب فيه الأعاجم.
والقفيز من المكاييل القديمة المستعملة لتقدير كميات الأشياء الجامدة، ويتسع لنحو عشرة "غالونات"، وأصله من المكاييل البابلية. وقد ذكره المؤرخ "اكسينيفون"،وهو عند العرب أصغر من القاب "Cub".
والوسق من المكاييل التي كان يستعملها العرب قبل الإسلام كذلك. قيل: هو ستون صاعاً. وقيل: هو حمل بعير. وقيل: الوسق مئة وستون منّا. وقال الزجّاج: خمسة أوسق هي خمسة عشر قفيزاً. وكل وسق بالملجم هو ثلاثة أقفزة. وقيل إن الوسق ستون صاعاً. وهو ثلاث مئة رطل وعشرون رطلاً عند أهل الحجاز. وأربع مئة رطل وثمانون رطلاً عند أهل العراق على اختلافهم في مقدار الصاع والمدّ. والأصل في الوسق الحمل. وقيل: الوسق العِدلُ، وقيل: العدلان،وقيل هو الحمل عامة.
و استعملوا الحمل كيلاً، وقد رأينا إن بعضهم عرف الوسق بأنه عدل، أو عدلان،وهو مقدار ما محمله الحيوان. وبهذا المعنى وردت لفظة "الوِقر" وتطلق على حمل البغل أو الحمار أو البعير، فهو شيء تقديري غير مضبوط تماماً. وقد ورد في القرآن الكريم: "كيلّ بعير" ،وذلك تعبيراً عن حمل بعير، وهو مقدار ما يحمل. كما ورد فيه "حمل بعير" في المعنى نفسه.
ولا يزال العرف جارياً بين أهل القرى والبادية في البيع "حمولاً"، جمع "حمل"، وهو حمل "بعير" أو حمار أو غير ذلك من الدواب التي تنقل الشيء الذي يراد بيعه مثل الملح أو "العوسج" أو "العاقول" أو "حطب البادية" أو الزرع إلى الأسواق، فتباع حملا لا وزناً، ويشتريه المشترون على هذه الصفة.
وذكر علماء اللغة، أن الكر، مكيال لأهل العراق، وقد أشير اليه في كتب الحديث. و ذكر أنه ستة أوقار حمار، وهو عند أهل العراق ستين قفيزاً. والقفيز ثمانية مكاكيك. والمكوك صاع ونصف. وهو ثلاث كيلجات. وذكر "الأزهري" أنه اثنا عشر وسقاً، كل وسق ستون صاعاً أو أربعون أردباً بحساب أهل مصر. وهو "كور" في لغة بتي "ارم"، ويعادل عند أهل بابل وقر ستة حمير.
وذكر علماء اللغة، أن "المكوك" طاس يشرب به أعلاه ضيق ووسطه واسع، والصاع كهيئة المكوك. وكان للعباس مثله في الجاهلية يشرب به. وقد ورد في الحديث أن الرسول كان يتوضأ بمكوك. ويسع صاعاً ونصفاً، أو نصف رطل إلى ثماني أواق،أو يسع نصف الويبة، و الويبة اثنان وعشرون، أو أربع وعشرون مدا بمد النبي، أو هو ثلاث كيلجات. وهو صاع ونصف. والكيلجة تسع منّا وسبعة أثمان منا. والمنا رطلان، والرطل اثنتا عشرة أوقية، والأوقية أستار وثلثاً، والأستار أربعة مثاقيل ونصف، والمثقال درهم وثلاثة أسباع درهم،، والدرهم ستة دوانق، والدانق قيراطان، وللقيراط طسوجان، والطسوج حبتان،والحبّة سدس ثمن درهم، وهو جزء من ثمانية وأربعين جزءاً من درهم. وذكر أن الكر: ستون قفيزاً، والقفيز ثمانية مكاكيك، والمكوك صاع ونصف، وهو ثلاث كيلجات، والكيلة مقياس استعمله العبرانيون والجاهليون ؛ وهي "Seah"، و "Saton"، في اليونانية "Modius"، وهي تختلف باختلاف اصطلاح الأمم. فالكيلة العبرانية كبيرة بالقياس إلى الكيلة الرومانية، وهي تعادل كيلة وربع كيلة رومانية. وتبلغ ثلث "الأيفة". وتعادل اثنين وعشرين "Sextari". وتستعمل في وزن المواد الجامدة مثل الحبوب.
وأما "الأيفة" "Ephah"، فكلمة مأخوذة من اللغة المصرية، ترد كثيراً في العهد القديم. وهي تعادل ثلاث كيلات "Seah". وتستعمل لقياس المواد الجافة فقط، وتقابل "Atrabe"، و "Metretis"عند اليونان، وهي مجزأة إلى عشرة اجزاء، يقال للجزء الواحد "العمر". "عومير" "اومير" "Omer"، أو الكومة. ويقال له "عشر" "Issaron" أيضاً، وتقسم إلى ستة أقسام كذلك يطلق على كل قسم اسم "سدس".
ولعل لأومير "عومير" "Omer"، صلة ب "الغمر" عند الجاهليين. وهو عندهم قدح صغير يتصافن به للقوم في السفر، إذا لم يكن معهم من الماء إلا يسيراً على حصاة يلقونها في إناء ثم يصب فيه من الماء قدر ما يغمر الحصاة فيعطاها كل رجل منهم. وقيل هو "القعب" الصغير يحمله الراكب معه، يعلقه على رحله. وقيل: الغمر: أصغر الأقداح. قال أعشى باهلة يرثى أخاه المنتشر بن وهب الباهلي: تكفيه حزة فلـذان ألـم بـهـا من الشواء ويروي شربه الغمر
والغمر يأخذ كيلجتين أو ثلاثاً، والقعب أعظم منه، وهو يروي الرجل،و "الكيلجة"، مكيال.
و "الكر" من المكاييل المستعملة عند العبرانيين. وذكر علماء اللغة أن الكُر،مكيال لأهل العراق. وقد أشير اليه في كتب الحديث والفقه. ويظهر أنه مكيال للمائعات. ورد: اذا كان الماء قدر كرّ لم يحمل القذر. ومكيال للجوامد أيضاً،وهو ستة أوقار حمار، وهو عند أهل العراق ستون قفيزاً. والقفيز ثمانية "مكاكيك" والمكوك صاع ونصف، وهو ثلاث كليجات. وذكر الأزهري أنه اثنا عشر وسقاً، كَل وسق ستون صاعاً او أربعون اردباً بحساب اهل مصر.
واستعمل الجاهليون "للزق"، وحدة عامة لوزن المائعات. فورد: "زق خمر" مثلاَ ويستعمل خاصة في الخمور.
وقد عثر على عدد من قطع الأوزان المصنوعة من الحديد وبعضها من برونز، وقد استعملت في وزن الأشياء. وقد تأًثر بعضها بالعوارض ولعبت الأيدي ببعض آخر. ونأسف على عدم وقوفنا وقوفاً تاماً على أسماء الأوزان ومقدار ثقلها،لعدم وصول عدد كاف منها الينا عليه كتابة تشير إلى اسمه ومقدار وزنه، ولعل الأيام تجود علينا منها بما يحقق لنا هذه المعرفة أما "الصّبرة": فما جمع من الطعام بلا كيل ولا وزن بعضه فوق بعض.
فهي: الطعام المجتمع كالكومة، ومن ذلك بيع "الصبرة" من التمر. وقد نهى الإسلام عن هذا النوع من البيع، والفالج والفلج مكيال ضخم، وقيل هو القفيز. وقد ذكر بعض الباحثين انه سرياني الأصل، وأن أصله "فالغا" فعرب. قال الجعدي يصف الخمر: ألقى فيها فلجان من مسك دا رين وفلج من فلفل ضـرم
ومن هنا يقال للطرف المعدّ لشرب القهوة وغيرها "فلجان"، والعامة تقول: فنجان، و "الطسق" مكيال أيضاً، وهو من أصل فارسي، وذكر أنه مكيال لكيل الزيوت وكل أنواع الدهن. وهو ضريبة الأرض كذلك، أي في معنى خراج في الإسلام. كتب عمر إلى "عثمان بن حنيف" في رجلين من اهل المدينة أسلما: ارفع الجزية عن رؤوسهما وخذ الطسق من أرضيهما.
والفرق مكيال بالمدينة، اختلف فيه. فقيل: يسع ستة عشر مداً، وذلك ثلاثة آصع، أو يسع ستة عشر رطلاً، وهي اثنا عشر مداً وثلاثة اصع عند أهل الحجاز. أو هو أربعة أرباع، وقيل الفرق خمسة أقساط، والقسط نصف صاع. وقيل غير ذلك. وذكر أن "الفرق" هو مكيال لأهل اليمن، وقد ذكر في عهد الرسول لقيس بن مالك بن سعد بن لأي الأرحبي الهمداني، إذ جاء فيه: "وأطعمه ثلاثمائة فرق من خيوان، مائتا زبيب وذرة شطران ومن عمران الجوف مائة فرق برُّ".
الموضوع الأصلى من هنا: موسوعة طعس العربيه http://www.t3as.com/vb/t42703-12.html#post154079
وقد ذكر بعض علماء اللغة اسم مكيال من مكاييل أهل اليمن دعوه "الذهب"، ويجمع على أذهاب.
ومن المكاييل المذكورة في التوراة والمعروفة عند الجاهليين كذلك، والتي تكال بها الأشياء الجافة: "القبضة"، أي كومة اليد. والكومة كيلة عند الشعوب الأخرى وهي بمعنى "صبرة". ولا يزال البدو يستعملونها، ولكنها ليست من المكاييل الرسمية، بل هي في الواقع كتلة عرفية. وهي تختلف في المقدار والكمية بحسب اتساع قبضة اليد، وقد كان الجاهليون يكوّمون ما يريدون بيعه بالتكوم كوما، ولا زال هذا البيع معروفاً. وقد كان أهل الجاهلية، يبيعون قبضة من التمر، أو قبضة من السويق، أو الدقيق، وذلك بحسب ما تقبضه اليد، أي كفاً منها.
ريم âيه ôîًَىà   رد مع اقتباس
قديم 10-02-2007, 08:30 AM   #116 (permalink)
عضو
 
تاريخ التسجيل: Mar 2007
العمر: 27
المشاركات: 3,982
Rep Power: 349
ريم will become famous soon enough ريم will become famous soon enough
الفصل السادس عشر بعد المئة

الفصل السادس عشر بعد المئة
الفن الجاهلي





العمارة
لظهور الفن وازدهاره في مكان ما لابد من توفر تربة خصبة فيه تمونه بالمواد الأولية اللازمة، ولا بد من وجود جو يساعد على نمو بذوره وانمائها وازدهارها. وجزيرة العرب أرض كما نعلم غلب عليها الجفاف وتحكمت فيها أشعة الشمس المحرقة والسموم الحارة الجافة، وهي ذات جو مشرق صاف صاحٍ في الغالب، ولكنه جاف يابس، لا تبكيه السماء في الغالب إلا بمقدار، فإذا سالت دموعه، انهمرت انهماراً، وتحولت الى سيول جارفة عارمة سرعان ما تختفي وتزول، بأن تغور في باطن الأرض، وقد تنزل الأمطار نزولاً لا بأس به، فتخضر الأرض وتنبت الأزهار والأعشاب، وتضحك ويضحك الناس معها، وتهيج قرائحهم لفرحهم وطربهم من حصولهم على هذه النعمة الكبرى، التي لا تدوم طويلاً، وهذا أمر يؤسف له، أو قد لا تعود اليهم ثانية إلا بعدّ أجل، لانحباس البخار مولد المطر، فيلجأ المخلوق إلى خالقه يتوسل إليه أن يغيثه بانزال الغيث عليه بكل الوسائل التي يتوصل إليها عقله لاقناعه آلهته بإنزال المطر ليغيث الإنسان والحيوان والنبات.
ولظهور العمارة وفن النحت والزخرف، لا بد من وجود أحجار صالحة للبناء أو للنحت والحفر، حتى يكون في امكان المعمار أو النحات تحويلها إلى أبنية أو أصنام وتماثيل أو ما شاكل ذلك. وأرض سهلة لا حجر طبيعي فيها لا يمكن أن يظهر فيها بناء أو فن إلا إذا كانت قريبة من مواطن الحجر أو من مواطن الحضارة حيث تستوردها عندئذ من تلك الأماكن. لذا نجد الفن الجاهلي قد تركز وانحصر وبرز في العربية الغربية وفي العربية الجنوبية وفي المواضع القريبة من مواضع الحجر ومن اهل المدر في الغالب.
وفي اليمن أنواع من الأحجار الصالحة للبناء وللنحت، كما توفرت فيها، المواد المساعدة الأخرى التي تدخل في انشاء العمارات مثل الجبس. ولهذا قامت فيها بيوت مرتفعة ذات طوابق متعددة، ولا يزال أهل اليمن وبعض أهل المواضع الأخرى من العربية الجنوبية يبنون البيوت والقصور المرتفعة السامقة، وما كان بوسعهم ذلك لولا وجود المواد الصالحة للبناء، التي تستطيع البقاء و مقاومة الطبيعة أمداً. وبفضل المواد المذكورة بقيت أبنية من أبنية الجاهليين اليمانيين إلى الإسلام بقيت محافظة على نفسها وعلى شكلها العام، ولولا يد الإنسان التي لعبت بها وخربت أكثرها لبقيت أزمنة طويلة أخرى ولا شك. ولو كانت تلك الأبنية قد بنيت بالطابوق أو باللبن وبالمواد المستعملة في البناء في وسط وفي جنوب العراق، لما تمكنت من البقاء طويلاً، لأنها مواد لاتتحمل معاركة الطبيعة زماناً طويلا، لذلك تنهار بسرعة إذا لم ترعاها يد الإنسان دوماً بالاصلاح والتعمير.
وقد ساعدت وفرة الرخام والحجارة الصلدة في اليمن في التعويض عن استعمال الخشب القوي الصلد في البناء فاستعمل المعماريون الأعمدة العالية الجميلة ذوات التيجان في رفع السقوف وفي إقامة الردهات الكبيرة وفي "الطارمات " أمام الأبنية، وفي واجهات المعابد بصورة خاصة، استعملوها بدلاً من الخشب الذي لا يتحمل الثقل كما يتحمله الحجر، والذي لا يعمر طويلاً كما يعمر الحجر. وبفضل هذه الحجارة استطاع المعماريون أن يستفيدوا من الماء بإقامة السدود القوية التي تتحمل ضغط السيول العالي عليها، وهذه ميزة لا نجدها بالطبع في العراق.
وقد ساعدت طبيعة اليمن عامل البناء في نحت الحجر وقطعه وصقله وتكييفه بالشكل الذي يريده. وتمكن بذلك من وضع أحجار مصقولة بعضها فوق بعض لتكوين أعمدة منها أو جدر معبد أو حيطان سدود أو قصور بحيث يوضع حجر فوق حجر، فيجلس فوقه بصورة يصعب على الإنسان أن يتبين منها مواضع اتصال الحجر بعضه ببعض. ولولا وجود الحجر الجيد لديه لما تمكن من القيام بإنشاء الأبنية الضخمة المؤلفة من جملة طوابق والتي قاومت الدهر،.ولكان بناؤه من الطابوق، أي من اللبن الذي حُجر بالنار، والطابوق لا يمكن أن يقوم مقام الحجر في البناء، ولا أن يقاوم الطبيعة وأن يعمر طويلاً. ونظراً لصغر حجمه بالنسبة إلى الحجر، ولضرورة ربطه بعضه ببعض بمادة ماسكة مثل الجبس فإن البناء به لا يمكن أن يكون متيناً، ولا يمكن أن يقاوم الرطوبة والعوامل الجوية الأخرى، فيتآكل ويتداعى، ولا سيما في المواضع السهلة ذات الرطوبة، أو التي تتساقط عليها الأمطار بكثرة، فتكوّن سيولاّ عارمة تكتسح ما تجده أمامها من ابنية مبناة بمادة غير متينة متانة الحجر.
وتفيدنا دراسة المباني اليمانية في الزمن الحاضر فائدة كبيرة في تكوين فكرة عن البناء عن أهل اليمن قبل الإسلام. ففي هذا البناء الذي نراه عناصر عديدة لا تزال حيةّ باقية، هي من بقايا البناء اليماني الجاهلي. وما قاله "الهمداني". في صفة بعض المباني والقصور الجاهلية التي كانت قائمة في أيامه ثم زالت، ينطبق على أوصاف القصور والمباني القائمة الآن، كما أن في دراسة أسماء أجزاء البناء وما يستعمل فيه فائدة كبيرة في حلّ كثير من المعضلات الفنية المتعلقة بفن العمارة عند الجاهليين.
وقد زال أكثر المباني الجاهلية، ويا للأسف، بسبب اعتداء الإنسان بجهله، عليها. فقد حمله كسله وجهله على تدمير تلك الأبنية، لاستعمال حجارتها في بناء بيوت جديدة ولأغراض أخرى. ونجد في الأبنية الحديثة، واكثرها أبنية رديئة قبيحة بالقياس إلى القصور القديمة، حجارة ضخمة، بعضها مكتوب كتابة كاملة انتزعت من الأبنية الجاهلية، وبعضها ناقص الكتابة لتلف الكتابة المكملة أو لنقلها إلى موضع آخر. ونجد حجارة مكتوبة وقد طليت بالجبس، لاعطاء الجدار الذي دخلت فيه وجهاً أملس. ونجد في الكتب القديمة. مثل كتب الهمداني إشارات إلى مثل هذه الأعمال، التي ما تزال جارية مستمرة بالرغم من قرار الحكومات المعنية بمنع هذه الأعمال. وقد حطمت تماثيل جميلة عثر عليها بين الرمال ولا تزال تحطم، لأنها في نظر العاثرين عليها أصنام لقوم كفرة، وتماثيل قوم ممسوخين غضب الله عليهم، فلا يجوز الاحتفاظ بها، فهشمت وعبث بها، وبذلك خسر العرب كنوزاً فنية وذخائر لا تقدر بثمن، كان في وسعنا الاستفادة منهما في تدوين تأريخ الجاهليين.
وقد حطمت ودمرت قصور عظيمة في اليمن، بقيت بعضها قائمة إلى الإسلام، مثل قصر "غمدان" بصنعاء، الذي يبالغ أهل الأخبار في وصف ارتفاعه وضخامته، وقد كان مؤلفاً من طبقات بعضها فوق بعض، ثم هدم وقلّ في الإسلام، أمر الخليفة "عثمان" بهدمه، فزالت معالمه. ولو بقي إلى اليوم لكان من المفاخر، ومثل المعابد الضخمة، وقصور الأسر الحاكمة، مثل قصر "شمر" بذي ريدان، وأبنية أخرى قوضت لأسباب عديدة، فضاع بذلك علينا تراث مهم. وفعل مثل ذلك في الأبنية الأخرى. ففي العراق مثلاً، هدمت قصور الحيرة وبيوتها، لاتخاذ حجارتها مادة لبناء الكوفة، و "وجد في قراطيس هدم قصور الحيرة الي كانت لآل المنذر، إن المسجد الجامع بالكوفة بني ببعض نقض تلك القصور، وحسبت لأهل الحيرة قيمة ذلك من جزيتهم". وقد أضاعت علينا هذه الأعمال معالم قيّمة من تراث الجاهليين.
وقد هدم قصر "يهر" "ذي يهر" ببيت حنبص، وهو أثر جاهلي مهم، بقي قائماّ إلى حوالي سنة "295" للهجرة، فأمر بإحراقه "ابن أبي الملاحف" القرمطي، فأحرق، وظلت أخشابه تحترق أربعة أشهر على ما يزعمه الرواة، مبالغة منهم بالطبع.
ولأهل اليمن عادات جميلة أفادتنا فائدة طيبة، وذلك بوضعهم على الجدر حجارة مكتوبة تحمل اسم الدار أحياناً واسم صاحبها واسم الإلهَ الذي تبرك صاحب المبنى بتقديمه إليه تيمناً به، حتى الترميمات والاصلاحات التي يقوم بها أصحاب البناء تدوّن على هذه الحجارة، ولا سيما الترميمات والاصلاحات التي تدخل على المعابد والمباني العامة، تعين عليها بدقة تامة. فيذكر الموضع الذي ابتدأ به والموضع الذي انتهى منه، ويذكر مقدار ما صرف عليه في بعض الأحيان. ومن هذه الكتابات أخذ معظم علمنا بتاريخ اليمن القديم.
ويظهر أن أهل الحجاز لم يكونوا على شاكلة اهل اليمن في بناء البيوت الضخمة من الحجارة والمواد البنائية الأخرى التي يعمرّ بها البناء عمراً طويلاً، بدليل ما نشاهده في اليمن وفي مواطن أخرى من الجزيرة العربية من بقايا معابد ومبان ضخمة، وعدم وجود شيء من ذلك في الحجاز، وبدليل ما أورده أهل الأخبار من قصص عن مباني اليمن العادية، وما شاهدوه من بقاياها في أيامهم هناك، وهي تتحدث عن فن عمراني متقدم، على حين خلت أخبارهم من هذا القصص عن الحجاز، بل يظهر منها أن أكثر أبنية مكة ويثرب لم تكن إلا أبنية صغيرة ضيقة، أكثرها من اللبن أو الطين، وقد عرشت بجريد النخل وبالعيدان وبالأخشاب المحتطبة من التلال والجبال. وقد عرفت بيوت أهل الحاجة في مكة ب "عروش مكة".
وقد امتازت "يثرب" عن مكة بوجود "الأطم" بها، والأطم، هي قصور تتكون من طابقين في الغالب، أو ثلاثة طوابق، تكون ضخمة نوعاً ما يعيش فيها سادتها، وتكون حصوناً لأهل المدينة يتحصنون بها عند دنو خطر عليهم، ويحمون أموالهم بها. وقد بنيت بالآجر وباللبن أحياناً، وبالطين أحياناً أخرى، حيث تجعل الجدر عريضة، لتقف صامدة أمام الدهر وامام المهاجمين، وتتخذ في أعلى الأطم مواضع يقف عليها المدافعون لرشق المحاصر بالسهام، أو بالحجارة، وبصب الماء الحار أو النار عليه إن مر من جدار الأطم. وقد اتخذت الأطم في يثرب، لعدم وجود سور حولها يحميها من الأعداء، ولكونها مكشوفة،، لا تحميها حواجز طبيعية، يتحصن بها أهل المدينة عند دنو الخطر منهم، فلم يجدوا أمامهم من وسيلة سوى بناء هذه الأطم للدفاع عن أنفسهم، على نحو ما فعل أهل الحيرة في مدينتهم، حيث بنوا القصور.
وتوجد في أعالي يثرب إلى فلسطين بقايا حصون وقصور ومواضع قديمة، كانت آهلة عامرة، أما الآن فلم تبق منها غير بقية من آثارها، وهي لا تزال مادة "خاماً" لم تكتشف، ولم تدخل بعثات علمية منتظمة، وتشاهد عندها بعض أحجار مكتوبة، بقلم مشتق من المسند، وبلهجات عربية تختلف عن لهجة "ال"، أي عن العربية التي نزل بها القرآن، مما يدل على انها كانت في الأصل لقبائل كانت لهجاتها لا هي عربية جنوبية ولا هي عربية من عربية أهل البوادي، ولكنها كانت متأثرة بالثقافة التي تدون بالقلم المسند، ثم تأثرت بلغة الأعراب الذين جاءوها من البوادي وذلك قبيل الإسلام،،فنزلت هذه المواضع، وزاحمت أهلها، ثم غلبتهم على أمرهم، فاختفت اللهجات العربية القديمة، وحلت محلها لهجة "ال". وسيجد المنقبون الذين سينقبون في المستقبل في هذه المواضع آثاراً ستحدد لهم الاتجاهات الثقافية والحضارية التي دخلت جزيرة العرب، واللغات التي كانت سائدة فيها.
وفي المسند مصطلحات كثيرة خاصة بالبناء وبالآلات والمواد التي تستعمل فيه، وفي أجزاء البناء واللهجات العربية الجنوبية هي أغنى بمصطلحات البناء من العربية التي نزل بها القرآن الكريم. و ذلك لأن أهل العربية الجنوبية كانوا حضراً في الغالب وأهل مدر، حتى أن أعرابهم كانوا يقيمون في أكواخ وعشش ثابتة مستقرة. لهذا كثرت في لغتهم ألفاظ الحضارة التي تقوم على الإقامة والاستقرار. وظهرت عندهم ألفاظ لمواد تستعمل في البناء مثل أنواع الصخور والحجارة، وكيفية قطعها. وأنواع الخشب المستعمل فيه، وآلات القطع أو آلات المعمار وغير ذلك من مصطلحات لا نجد لها مقابلاً في هذه العربية التي نتكلم بها وذلك لأن حضارة البناء التي ظهرت في اليمن وفي بقية العربية الجنوبية للاسباب المذكورة لم يظهر ما يماثلها في المواضع الأخرى من جزيرة العرب، حيث قام عمرانها على المدر بالنسبة للحضر. أي على الأبنية المتخذة من المدر أو من اللبن أو من الآجر. ومثل هذه الأبنية، لا تحتاج الى مصطلحات والى آلات كثيرة، ولما كانت الحاجة هي أم الاختراع في اللغات، لذلك قلَّت مصطلحات العمران في اللغة التي نزل بها القرآن الكريم، بينما كثرت فيها مصطلحات أهل الوبر ومصطلحات البداوة، في مثل أجزاء الخيمة وما يتعلق بحياة الفرس والجمل، حيث قصرت دونها هنا لغة المسند.
وقد درس الآثاريون في الأيام المتأخرة موضوع الفن العربي الجنوبي ووضعوا بحوثاً فيه، استندت على الملاحظات والدراسات التي قاموا بها في مواطن الآثار أو من ملاحظاتهم للقطع الأثرية وللصور التي أخذت لها. وقد وجَد بعضهم مثل الباحثة "جاكلين بيرين" Jacqueline Pirenne، إن الحضارة العربية الجنوبية انما برزت وظهرت في القرن الخامس قبل الميلاد، برزت بتأثير الحضارة اليونانية - الفارسية عليها. وقد زعمت إن القلم العربي الجنوبي اخذ من القلم اليوناني في ابتداء القرن الخامس قبل الميلاد، وان عناصر الحضارة العربية. الجنوبية، وخاصة الفن منها. مثل النحت والعمارة، قد غرفت من مناهل يونانية - فارسية..أما ما قبل هذا الوقت، فلم يكن لشعوب الشرق الأدنى أي أثر حضاري أو ثقافي على اهل العربية الجنوبية.
وقد درست باحثة أخرى موضوع الفن العربي الجنوبي، هي "برتا سيكال" Berta Segall. ذهب اجتهادها بها إلى أن هنالك مؤثرات حضارية خارجية أثرت على الحضارة العربية الجنوبية، وأرجعت هذه المؤثرات إلى أثر يوناني هيلليني، وأثر سوري حثي وأثر فينيقي وإلى عناصر حضارية اخرى. وذكرت إن هذه المؤثرات أثرت على الحضارة العربية الجنوبية، وتولد من هذا المزيج الأجنبي والعربي حضارة العرب الجنوبيين.
لقد تبين من دراسة الفخار الذي عثر عليه في العربية الجنوبية انه من صنع محلي ومن تصميم محلي أيضاً. وقد تبين أيضاً انه لا يخلو مع ذلك من المؤثرات الأجنبية التي أثرت عليه، ولا سيما على المظهر الخارجي للفخار في مثل الزخرفة والشكل. فقد أثر الفخار العراقي والسوري على الفخار العربي الجنوبي. ويظهر من الفخار الذي عثر عليه في "هجر بن حميد"، انه قد تأثر بمؤثرّات شمالية سورية وعراقية.
وتقدمت معارفنا بعض التقدم بالنسبة للفن المعماري عند العرب الجنوبيين. وتوجد لدينا فكرة عامة عن فن هندسة المعابد، أخذناها من فحص معابد "حقه" و "مأرب"و "تمنع" و "حريضة"و "خور روري". وتقدمت معارفنا أيضاً في موضوع أبنية المقابر والأضرحة عند الجاهليين، وكذلك عن هندسة البيوت. وقد وجد ايضاً أن الفن المعماري قد تأثر بمؤثرات خارجية كذلك. بمؤثرات عراقية وسورية وفينقية ويونانية ومصرية.
ويظهر الأثر اليوناني على سك العملة عند العرب الجنوبيين. فقد ضرب النقد على شاكلة النقد اليوناني، لا يختلف عنه إلا في وجود الحروف العربية الجنوبية على ذلك النقد. فالنقد العربي الجنوبي، هو تقليد ومحاكاة للنقد اليوناني، الذي ظهر في أيام "البطالمة"و "السلوقيين"، ويكاد يكون قالباً لها، أضيفت عليه حروف المسند. فالبومة التي تمثل "أثينا"، والتيَ كانت تضرب على العملة اليونانية، ضربت على النقد العربي الجنوبي، الى غير ذلك من أمور بحث عنها علماء "النمّيات".
الموضوع الأصلى من هنا: موسوعة طعس العربيه http://www.t3as.com/vb/t42703-12.html#post154080
ولكننا لا نستطيع أن نقول اليوم إن معارفنا عن الحضارة العربية الجنوبية قد تقدمت تقدماً مرضياًً، وانها صارت واضحة مفهومة، وسوف تبقى معارفنا عن هذه الناحية وعن النواحي الأخرى ناقصة ما دامت أكثر الآثار مدفونة تحت طبقات كثيفة من التربة لم تلمسها الأيدي حتى الان. لقد تقدمت معارفنا عن هذه النواحي على نحو ما ذكرت بسبب قيام بعض الباحثين المحدثين بالتنقيب في بعض المواضع بصورة جدية علمية وبشيء من التعمق في باطن الأرض، وممكن أن نتصور ما سيحصل عليه الباحثون من معلومات عن الجاهلية لو سمح لهم في التنقيب بأسلوب جدي علمي في باطن الأرض وفي مواطن الآثار..
استعمل اللحيانيون لفظة "بنى" "بنا" للتعبير عن بناء شيء. وذلك كما نفعل نحن في عربيتنا. وتشمل اللفظة بناء كل الأبنية، من بناء بيوت أو قبور أو غير ذلك. وقد وردت في عدد من النصوص.
ويعبر عن المبنى بالتعبير نفسه في العربيات الجنوبية، فيقال "مبنى". وإذا أريد التعبير عن تقديم البناء إلى إلهَ أو جماعة.، كأن يسمى باسم الإلهَ ويحبس عليه، فيعبر عن ذلك بلفظة "قتدم" أي قدم بهذا المعنى ألمفهوم منها في عربيتنا، وبمعنى أهدى. وأما الفعل فهو "بنى"، وذلك كما في هذه الجملة: "عسى وبنى"، أي " تملك وبنى". و "هبنى"، وذلك كما في هذه الجملة: " هبنا عقبتهن قلت"، أي "بنى قلعة قلت". ويراد ب "عقبت""عقبة" القلعة. وللفظة علاقة بكلمة "عقبة" التي نستعملها تحن بمعنى صعوبة وعائق، ونجمعها على "عقبات".
واستعمل اللحيانيون لفظة "حفر" بالمعنى المفهوم من اللفظة في عربيتنا. استعملت لكل انواع الحفر: حفر الأسس أو الآبار أو العيون، أو الحفر على الأحجار والخشب، لغرض النقش والزخرفة، أو لأي هدف آخر.
ويشق المعماريون أسساً في الأرض للابنية الفخمة، كالبيوت المؤلفة من طبقات عدة كالمعابد، لتحمل الأرض ثقل البناء. ويختلف عمق الأساس وعرضه باختلاف سمك الجدار وثقل البناء. ويحفر المال الأرض بالقدر الذي يعينه البناء، حتى إذا ما بلغوا العمق المقرر، وضعوا المواد اللازمة كالحجارة أو الكلس المخلوط بمواد أخرى، ثم يترك الأساس مدة حتى يجف ويستقر، ثم يقام عليه الجدار. ويقال لهذا الأساس في العربيات الجنوبية "موثر"، وهي بمعنى "الأس" والأساس والأسس في عربية القرآن الكريم.
وقد ورد في كتب اللغة، "والوثير": الفراش الواطىء، وكذلك الوثر كل شي جلست عليه أو نمت عليه فوجدته وطيئاً، فهو وثير. وتؤدي لفظة "مبحر" معنى: "أساس" وسناد. ف "مبحر" كل بناء هو أساسه وسناده في لغة السبئيين.
وترد لفظة "برا" بمعنى بنى وأنشأ وأقام وشقّ وما شابه ذلك. وترد بعدها لفظة: "هشقر" في الغالب. ومن هذا الأصل لفظة: "مبرام" "مبرا" بمعنى برىء من الدين، وبراءة الذمة. وترد لفظة "برأ" في كتب اللغة بمعنى الخلق. و "البرية": الخلق، وأصله الهمن، والجمع البرايا والبرّيات. والبرى: التراب.
وأما "هشقر" فمعناها أكمل الشيء، وانتهى منه. وأتمه وغطاه وستره. وهي من أصل: "شقر"، وترد من هذا الأصل لفظة "تشقر" و "شقرم"، بمعنى الأعلى والنهاية، و ذلك كما في هذه الجملة: "بتورببم اد شقرم"، أي من الأساس إلى الأعلى، أو إلى النهاية. و "ربب" معناها الأساس.
أما اعلى البناء ونهايته، أي تاجه الذي ينتهي عنده، فيقال له "تفرع". و "تفرع" نهاية الجدار وأعلاه، والمكان الذي ينتهي فيه.
ومن العبارات الواردة في بعض النصوص المتعلقة بالبناء، هذه العبارة: "بن موثر هو عدي مريمن"، وهي في معنى العبارة: "بن أشرس عد شقرن" التي ترد في النصوص المعينية، ومعناها من "الأساس إلى أعلى". فلفظة "موثر" وكذلك لفظة "أشرس" هما بمعنى الأساس أي أساس البناء، و"عد" حرف جرّ بمعنى إلى، و "مريمن"و "شقرن" كلاهما بمعنى أعلى، أي أعلى البناء.
ويقال لتعلية البناء "تعلى". أما تقوية البناء والجدر وحمايتها من السقوط، فيعبر عنه ب "تصور"، من أصل "صور" ومعناها وضع أوتدة وأعمدة عند الجدار أو البناء للتقوية والإحكام. وهي بذلك قريبة من معنى "الظئر" في لهجة القرآن الكريم.
ويعبر عن إتمام بناء ما أو اكمال شيء آخر بلفظة "تقه"و "قه"، بمعنى "وقه" أي أكمل وأنجز. وهي مرادفة للفظة: "تفرع"، وللفظة "هوعب" أيضاً. وكلها بمعنى الإنجاز والإكمال والانتهاء من عمل ما. ولفظة "قه" هي من أصل "وقه". وتعني جملة: "إتقه عن" انتهى. وقد ذهب "رودوكناكس " إلى أن لفظة "وكن" هي بهذا المعنى اي اكمل وانجز في بعض الأحيان.
ويعبر عن اصلاح البناء وترميمه بلفظة "هحدث"، وهي فعل ماض أي "أحدث"، ومعناها أقام ورمم وأحدث وأنشأ. أما سقوط حائط أو سقف أو ما شابه ذلك، فيعبر عنه بلفظة "تل" و "تلت"، ومن هذا الأصل لفظة "تلو"، أي الخرائب والتلال، وتقابلها لفظة "خيل"في المعينية، و."ذخبل"، أي تداعى وسقط ووقع.
وفي معنى الاصلاح والترميم أيضاً لفظة "غوث" الواردة فى الكتابات المعينية. وقريب من هذا المعنى معنى "غوث" في لهجة القرآن الكريمّ، ففي الإغاثة معنى المساعدة والاصلاح وترميم التصدع وإصلاحه.
وترد مع هذه اللفظة لفظة أخرى، هي "سعذب"، وهي فعل ماضٍ بمعنى أعاد وأرجع الشيء إلي ما كان عليه، من أصل "عذب". وأما حرف السين الداخل على أول اللفظة فإنه في مقام حرف الهاء في السبئية، يدخلان على المصدر فيحولانه إلى فعل ماضٍ.
ويقال لمقدم كل بناء "صلوتن" "الصلوة". وقد وردت اللفظة في كتابات دوّنت لمناسبة إقامة سدود كذلك. ووردت في بعض الكتابات هذه الجملة: "بن ذت هورتن عدي صلوت بين ذن محرمن وميسلن"، ومعناها: " من هذه الجهة الخلفية إلى الجهة الأمامية أو الصالة الأمامية بين هذا الحرم وموقد النار".
ويقال للجهة الخلفية من البناء "هورتن". من أصل: "ورت"، بمعنى وراء. و "وَرَه" في لغة أهل العراق، وذلك كما نرى في هذا النص.
وتؤدي لفظة "صلوت"معنى "فناء" أيضاً، وقد تؤدي معنى موضع منعزل أو مكان للصلاة، وقد يراد به فنِاء يؤدي إلى "مبسل" يقع مقابله تماماً.
وللفظة "صلوتن" "صلت" "صلوت" معنى آخر بعيد عن هذا المعنى بعداً كبيراً، هو "وثيقة" و "شهادة" و "عقد"، فتكون في معنى "سمع" و "اسمع" التي تطلق على هذا المعنى أيضاً في العربيات الجنوبية.
ويقال للباب "خلف" و"خلفتن"،في السبئية. ويراد ب "خلف " و "خلفتن" "الخلفة" الشباك كذلك. وقد كان أصحاب القصور يستعملون الشبابيك كثيراً في قصورهم، ويزينونها بالرخام الرقيق وبالزخارف لتظهر جميلة خلابة، ويقصد ب "خلف" و "خلفتن" المنافذ الخلفية كذلك.
وتتكون الأبواب من "مصرع"، أو من "مصرعي"، ويراد بذلك "مصراع" واحد أو مصراعان.
ويعبر عن الباب ب "الخلف" في عربيتنا كذلك. وأما لفظة "مصرع الباب" و "المصرع" و "مصراعا الباب" فمعروفة في عربيتنا كذلك.
ويعبر عن الباب العظيم، أو الباب المغلق وفيه باب صغير، أو مما يغلق ه الباب بلفظة "رتج" "رتاج" في اللحيانية. ولفظة "رتاج" لفظة معروفة في عربيتنا كذلك.
ويعبر عن السلالم والدرجات بلفظة "احلين"، تطلق على السلالم من أية مادة مصنوعة، من الحجر أو الخشب، كما يعبر عنها بلفظة "علوم" و "علوه " أيضاً، لأنها طريق يؤدي الى أعلى.
ولفظة "علية"، والجمع "علالي"،هي عند أهل الحجاز بمعنى غرفة أيضاً، والجمع "غرف"و "غرفات" وقد وردت لفظة "غرف"و "غرفات" في القرآن الكريم.
وعبر عن السقف وسطح البناء بلفظة "ظلتن"و "ظلل"أي "الظلة" و "الظل". وذلك لاستظلال الإنسان بالسقوف وحمايتها للبيوت والغرف من وهج الشمس.
ويعبر عن الشيء المسقوف مثل ذي سقف أو ما شابه ذلك بلفظة "مسقفن"، أي "المسقف"، من أصل "سقف". ووردت لفظة "مسقف" بمعنى الموضع المسقوف.
ويعرف المكان الذي ينفذ منه النور إلى مكان ما "مصبح" في الحضرمية. ويمكن إن نقراها "مصباح" كذلك. فالمصبح الكوة أو النافذة التي ينفذ منها الثور إلى مكان ما. والنور هو "صبحت" في الحضرمية، وذلك كما ورد في هذه الجملة: "صبحت عينو"، أي "نور عينه".
وأما الموضع الذي ينفذ النور إليه، ويستقر فيه، وقد يكون مسقوفاً وربما لا يكون مسقوفاً، فيقال له "منحل". وعلى هذا المنحل يكون المصبح أي المنفذ الذي ينفذ النور منه.
ويعبر عن الجدار والسور بلفظة "جنا" في لغة المسند.
وقد فسر بعض علماء العربيات الجنوبية لفظة "بره" بمعنى مجاز. ومن هذا الأصل أخذت كلمة "ابرى"، ولعلها تؤدي معنى خارج كذلك.
وترد لفظة "أدرف" في مصطلحات البناء كذلك، وتعني طرف البناء، وطرف كل شيء. وقد استعملت للتعبير عن تحصين جانب القلعة أو الحصن مثلاً، أو تحصين جوانب وأطراف برج ما.
ويعرف مقدم البناء أو مقدم أي شيء ب "قدم" وب"انف"0 أم الجهة المضادة للمقدمة فيقال لها "معذر"، فمعذر أي بناء أو أي شيء هو الجهة الخلفية لذلك البناء أو لذلك الشيء، كما تطلق هذه اللفظة على الأسوار الخفية للمدينة.
ويقال للطابق الأعلى من البناء "علوهو" "علوه"، و "علين" "عليان"، لعلوّه بالقياس إلى الطابق الذي تحتة. أما الطابق الأسفل، فيقال له "سفله" "سفلهو".
ويقال للبيت إذا كان فوق البيت "علية" والجمع "علالي". وتقابل لفظة "علية" لفظة "غرفة" والجمع "غرف" و "غرفات". والغرفة عُلّية من البناء. وسميت منازل الجنة "غرفاً".
ويعبر عن العمل الفني المتقن بلفظة "نكل"، ومن هذا الأصل لفظة "نكلو" و "نكلتو" في الأشورية.
وقد كان أصحاب الأبنية يذكرون المواد التي استخدموها في الأبنية بكل تفصيل لا يكتفون بذكر اسماء المواد حسب، بل يذكرون حتى صفاتها. فإذا كان الحجر غير مهندس ولا مصقول ذكروه، وإذا كان مصقولاَ ومهندساً ومقطوعاً عبروا عن ذلك بلفظة "تقرم".
ويقال للحجارة الحادة أو الملساء "زلت"، وهي تقابل لفظة "زِلّة" في لهجتنا وهي بمعنى أرض ذات حجارة ملساء أو حادة في اللهجتين المعينية والسبئية كذلك، وتعني لفظة "صلال" ألواحاً من الحجر في اللهجة الحضرمية. وأما الجمع فهو "ازلت".
وتؤدي لفظة "زلت" معنى سيلان الزفت أو القار على أرض ما كأرض غرفة مثلاً أو أرض شارع أو حمّام لتبليط الأرض بهذه المواد. وذلك كما يفهم من هذه الجملة: "زلت أوسطهس" أي "وزفت أو وقير الأواسط"، ويراد بالأواسط وسط الأشياء، أو الشيء.
ويقال للحجارة المكسرة الناتجة عن تكسير الأحجار الأخرى أو عن القلع "جريم" "جرب". ويراد بها الحجارة المقطوعة أيضاً. وتوضع هذه الحجارة في أماكنها على نحو ما قلعت من المقلع، فلا تصقل، ولا تمسها آلات الصقل. أما الحجارة المقلوعة التي تصقلها الأيدي وتنقحها، فتعرف ب "منهمتم" "منهمة". وتبنى هذه الحجارة مع الحجارة الأخرى، وتوضع بينها مواد البناء التي تلزم تلك الحجارة. والعادة هي أن توضع الحجارة المصقولة المعمولة المهندسة في جبهة الجدار لتكسبه منظراً جميلاً حسناً، توضع وراءها الحجارة الأخرى المقطوعة، وذلك لأن صقل جميع الحجارة التي تدخل في البناء يستنفذ وقتاً كبيراً كما يكلف ثمناً باهظاً. ويضع المعمار الحجارة بالطبع وضعاً متناسياً بحيث لا تكون مرتفعة أو منخفضة وتملأ الفرج ومواضع اتصال الحجارة بمواد البناء التي تلزمه وتمسكه ببن الحجارة.
وقد توضع الحجارة ل "جرب" على شكل طبقة واحدة في الجدار أو على هيأة طبقات وصفوف للزينة، وتجد هذه الطريقة في أبنية الحبشة كذلك.
ومن هذا الأصل جاءت لفظة "جربة" و "جروب" بمعنى المدرجات التي يضعها الفلاحون على الجبل، وذلك لزرعها بأنواع المزروعات، ولا سيما الكروم. وكذلك الأسوار التي تحيط بالبساتين.
وهناك من يرى أن "منهمتم" من "منهمت" "منهمة" تعني على العكس الحجارة المقلوعة غير المصقولة. و "حجر منهوم" بمعنى مقطوع غير مصقول.
وهناك لفظة أخرى تطلق على الحجارة المنحوتة المهندسة باليد هي "تقرم" من أصل "نفر". وهناك نوع آخر من الحجر يقال له "بلق". وقد ذكر علماء اللغة أن "البلق" الرخام وحجارة باليمن تضيء ما وراءهما كالزجاج.
ويعبر عن قطع الحجارة من الصخر وعن صقلها لجعلها صالحة للبناء، بلفظة "اثع" في اللحيّانية. وأرض اللحيانيين أرض بلدة صخرية، لذلك استخرج اللحيانيون حجر أبنيتهم منها فبنوا بها بيوتهم، كما نحتوا الصخور وجعلوها على هيأة كهوف لكي تكون ملاجئ لهم.
ويعبر عن تكسير الصخور وثقبها وعمل خرق بها بلفظة "جوبن"، وتعني "الجوب". والجوب هو عمل نقب في الحجر، أو ممر. وأما لفظة "جوب" فجمع "جوبة"، ويراد بها الفراغ بين شيئين.
ويُستعان بفؤوس ومطارق في تكسير الحجارة وهندستها واصلاحها لتتخذ الشكل المطلوب. فتستخدم المطارق الثقيلة في كسر الحجارة. وتكون ذات رؤوس مختلفة الأشكال تناسب المهمة التي تؤدى بها. وتستعمل الفؤوس في هندسة جوانب الحجارة وصقلها، وهي ذات أشكال مختلفة كذلك، منها ذات رأس حاد نابت يتصل بقاعدة عريضة وتستخدم في نقر الحجارة، ومنها ذات رأسين حادين عريضين، ولها خصر في الوسط وتستخدم في شذب أطراف الحجارة وصقلها.
ولا تزال هذه المطارق والفؤوس مستعملة في مثل الأعمال التي قام بها الجاهليون.
ويعبر عن تزيين الحائط وزخرفته بالحجارة أو بالأخشاب التي يوضع بين حجر الجدار وطابوقه بحيث تبرز للعيان وتوضع في أبعاد متناسقة، يعبر عن ذلك بلفظة "موسم"، ومن هنا لفظة "وسم" التي تعني التزيين والتزويق أيضاً. فلفظة "موسم" تعني الزخرفة والنقش في البناء.
وأما الحجارة المصنوعة وما يقال له "طابوق" في العراق، أي الحجارة المكونة من الطين المشوي، فيقال لها "لبتم" "لبت". ويراد بها اللبن كذلك اي الطين المجفف. وعادة مزج الحجارة المصنوعة أي الطابوق بالحجارة الطبيعية المقلوعة سواء أكانت مصقولة أم غير مصقولة هي عادة معروفة في البناء في الشرق.
وأما اللبن، أي الطين المجفف بالهواء وبأشعة الشمس والمصنوع بقوالب ولكنه لم يوضع في النار لإحراقه، فيقال له: "لبن" أيضاً. وقد ورد "لبن شمس" أيضا. ويطلق العبرانيون لفظة لبنة على اللبن، وعلى الطابوق أي اللبن المفخور بالنار.
وقد عثر المنقبون على لبن جاهلي في أماكن متعددة من جزيرة العرب. وقد كان أهل الحجاز يستعملونه في أبنيتهم، لم ينفردوا بالطبع في ذلك وحدهم، بل كان يفعل ذلك كل الجاهليين، وقد بني مسجد الرسول باللبن. وكان الرسول ينقله مع الناقلين وهو مختلف الحجم. بعضه واسع ثخين، وبعضه متوسط أو صغير. ويكثر استعماله في الأمكنة التي تقل فيها الحجارة، وتتقلب على طبيعة أرضها، الربة الطينية، فيكون من السهل على أهلها اقامة ابنيتهم باللبن بارتفاعات مختلفة تبعاً لمتانة البناء ورغبة صاحب البناء في الارتفاع. وقد عثر على آثار قلاع وحصون وأسوار بنيت باللبن. ويمكن لمثل هذه الأبنية البقاء مدة طويلة، لجفاف أجواء الشرق الأوسط وقلة الأمطار فيه، ولا سيما إذا كانت ذات أسس وقواعد وجدر ثخينة وفي أماكن جافة بعيدة عن رطوبة الأرض.
أما الطابوق، أي الآجر، فيتكون من طبخ اللبن في الكورة أي الأتون، أو بتكديس اللبن طبقات وصفوفاً، ووضع الوقود بينها، فإذا اشتعلت النار يصلد اللين ويشوى فيكون آجراً. وطريقة صنع الآجر بإحراق اللبن في الأتون، لا تزال شائعة معروفة في جزيرة العرب. وهي طريقة صنع الطابوق عند الفراعنة والسومريين والأشوريين والبابليين وغيرهم من الشعوب.
ولم يكن في استطاعة الفقير بناء بيته باللبن أو بالطابوق، بل كان يشيد بيته بنفسه بالطين، فيقيم جدره بالطين طبقة طبقة، إذا جفت طبقة وضع فوقها طبقة أخرى، وهكذا، ويسقف بيته بالأغصان، وبسعف النخل، ويضع فوقها طبقة من الطين لتخفف عنه وهج الحرّ في أيام الصيف، وتمنع عنه سقوط المطرى عليه عند نزوله، أما الأعرابي فلم يكن له بيت دائم، لا من الآجر ولا من اللبن، بل كان بيته خيمة تتنقل معه حيث يشاء، يستظل بها وينام تحتها، فهي بيته الحقيقي.
ويقوّى الطين الذي يصنع منه اللبن أو تقام به جدر البيوت أو تفرش به سقوف البيوت بالتبن، يخلط مقدار مناسب منه بالتراب، ثم يعجن الخليط ويترك مدة حتى يختمر، ثم يستعمل عندئذ، فيكون أقوى وأدوم بقاءً من اللبن أو الطوف المصنوعين من التراب الصرف. وهذه الطريقة معروفة أيضاً عند العراقيين والمصريين وعند غيرهم من الشعوب في العهود القديمة ولا تزال مستعملة عند حفَدَتهم. ويعرف التبن ب "تبن teben"عند العبرانيين.
وتطين جدر البيوت الفقيرة والريفية بالطين، وذلك لتكون مُلساً خالية من الثقوب. ويستعمل الطيّانون آلة تسمى المسجة. ويذكر علماء اللغة أنها يمانية، وأنها خشبة يطين بها، وهي المالجة بالفارسية ويعبر عن تطيين الحائط بلفظة وسج، وذلك إذا مسج الحائط بالطين الرقيق. وقد ذكر علماء اللغة أن السجة والسجة صنمان.
ويقال للحجارة المربعة، سواء أكانت مقلوعة أم مصنوعة، "ربعتم" "ربعت"
"ربعة" أي "مربعة". وهي تدخل في البناء إما مستقلة، وإما مع أنواع أخرى من الطابوق والحجارة. وقد توضع على مسافات وابعاد متناسبة ومتناسقة، لتكون نوعاً من أنواع الزخرف في الجدر، وقد ذكر "الهمداني"في صدد ذلك هذه الجملة: "المكعب و ذلك بكعاب خارجة في معارب حجارته على هيأة الدروق الصغار". وهذا النوع من الزخرفة معروف في اليمن. أما في الحبشة، فقد كانوا يضعون حجارة منحوتة على هيأة رؤوس قردة للزينة.
ويعبر عن إدخال الحجارة بين حجارة أخرى للزينة أو الزخرفة أو ملء الفراغ بين جبهتي جدار بحجارة صغيرة لسدّ الفراغات "ولج". أما "مولجم" "مولج"، فتعني الموضع الذي وضعت تلك الحجارة فيه. والايلاج هو إدخال شيء في شيء.
وأما الحفر على الحجر أو الجدار، بقصد التزيين والزخرفة، فيعبر عنه بلفظة "فتخ"، وتقابل بلفظة "بتاخو Patahu". والحفر والنقش العميق على الحجارة و الطابوق من مذاهب التزيين المتبعة في الشرق حتى الان. وقد ذهب "رودوكناكس" إلى أنها تعني معنى "ولج" كذلك، أي ادخال الحجارة المحفورة والمنقوشة والمنحوتة بين حجارة جدار ما مثلا للتزيين والتزويق.
وتؤدي لفظة: "فلزتم" "فلزت" "فلزة"، معنى: أبعاد وطريق جانبي واخلاء وحفر ونقب. وقد أريد بها عمل ثقب في جدار في بعض الكتابات. وكان من عادة أهل اليمن صهر الرصاص وصبه بين حجارة الأعمدة وفي أسسها، وذلك لربطها وتقويتها، ويقال لذلك: "صهرم" من "صهر"، التي تعني جعل الرصاص مائعاً يصب في المكان المراد تقويته أو تثبيته، أو لأي غرض آخر من هذ الصهر. وقد استعملوا الرصاص المصهور في سدّ "مأرب" كذلك، استعملوه مادة ماسكة تمسك بعض الصخور التي تؤلف الجدر الأمامية وفي مواضع أخرى منه.
وقد استعمل المهندسون العرب الجنوبيون "القيطران" القار في البناء. استعملوه خاصة في الأماكن الرطبة والتي تسيل عليها المياه وفي الأسس لمنع الرطوبة، كما، استخدموه في رصف الشوارع ورصف قيعان السدود. فقد وجدت آثار قيعان بعض السدود وهي مرصوفة ومكسوة بطبقة من القطران.
وفي معنى "قطر" ترد لفظة "قثر" و "قتر" أيضاً. و "القتار" بمعنى الدخان. ومن هنا المعنى جاءت جملة: "قتر اللحم" اي شوُي وظهرت رائحته. وفي معنى "قطر" لفظة "هيع" أيضاً. ومعناها "سال" و "ماع". ولهذا استعملت في النصوص ذات الصبغة الدينية في القرابين حيث تسيل دماؤها، وفي الري لسيلان الماء، وفي صهر المعادن.
وفسر بعض الباحثين لفظة "هيع"، بمعنى بنى، أي أنشأ بناء، وفي مقابل لفظة "برا" في المسند.
واستعملت مواد دهنية مستخرجة من زيوت بعض الأشجار في منع الرطوبة أو الماء من التسرب إلى الأسس والجدر والسقوف.
والخشب هو "عض" في العربيات الجنوبية. وقد استعمله العرب الجنوبيون في تسقيف بيوتهم، ولعمل الأبواب، كما أدخلوها في البناء كذلك لتقويته.
أما لفظة "عضن" "العض"، فقد ذهب "رودوكناكس" إلى أن المراد بها نوع خاص من الخشب، نوع ذو رائحة زكية، يستعمل خاصة للحرق في مذابح المعابد.
ويلاحظ من فحص بقايا بعض الأبنية القديمة من عهود ما قبل الإسلام أنها خالية من المواد الماسكة التي توضع عادة بين الحجر لتثبيته بعضه على بعض. ومعنى هذا أن المهندسين المعماريين كانوا قد وضعوا هذه الحجارة بعضها فوق بعض على نحو يجعلها كأنها متداخلة بعضها في بعض فتثبت مدة طويلة وتتماسك وتصبح وكأنها، قد لصق بعضها ببعض بمادة من المواد المستعملة في العادة في تثبيت الحجارة مثل، الجص أو الكلس أو الطين، ويسمى ب"الخلب" عند أهل اليمن اليوم.
والحجارة التي أقصدها هي صخور اقتطعت من الجبال، وأكثرها هي صخور كبيرة وهي بعد أن تّسوى وتشذب وتهذب يوضع بعضها فوق بعض بحيث تتثبت بعامل الثقل وبهذه الطريقة تقام الجُدُر، ويجري ذلك في المباني الضخمة الكبيرة التي تستعمل فيها الصخور. وأما أوجه الجدر من الداخل فقد تملح بمادة كالجص لتجعلها مُلساً ناعمة، وبذلك تسد الفرج بين محال اتصال الصخور.
واستعملت في مباني أخرى المواد البنائية التي توضع بين الآجر والصخور الصغيرة والحجارة لتثبيتها ولضمان تماسكها. ومن هذه المواد الجص والطين والكلس، وقد تكحل الفواصل التي بين الأحجار بالكلس وبالجص لسد الفرج بينها وللزينة ايضاً. وأما الجدر الداخلية فتكسى بطبقة لتجعلها جميلة ملُساً على نحو ما يفعله أهل اليمن وما يفعله غيرهم في الزمن الحاضر. وقد وجدت البعثات الأثرية التي نقبت في العربية الجنوبية بقايا جدران بيوت، وقد كسيت بطبقة ملساء من الجص، تدل على مهارة البناء في ذلك الوقت. وقد تزخرف المواضع البارزة من الجدار بزخرف يصنع بقوالب خاصة توضع عليها المادة اللينة التي يراد زخرفتها، فإذا جفت رفع القالب عنها، فتظهر بارزة بالحفر التي تكون حولها.
وتكسى الجدر الخارجية للبناء بالجص والكلس في بعض الأحيان. فإذا كسيت بالجص، ظهرت بيضاً ترى من مسافات بعيدة، جاء في شعر لعدي بن زيد: شاده مرمراً وجلله كلساً فللطير في ذراه وكور
وقد ورد أن الجص لغة، والعرب تسميه القصة.
ولم يكتفِ المتفنن العربي الجنوبي باقامة الأبنية حسب، بل استخدم الحجارة للتعبير عن شعوره وعن خواطره، ينحتها على الصخور ويبثها على ألواح الحجر. وإذا كان العربي الصحراوي قد عبر عن شعوره وعن خواطره بالشعر ينظمه أبياتاً أو مقاطع أو قصائد، يسر نفسه بها، ويسر الآخرين، فقد عبر العربي الجنوبي عن مشاعره وخواطره بنوع آخر من الشعر، هو الشعر المادي المتمثل في البناء وفي النحت والتصوير بالإضافة إلى الشعر المعروف الذي لم يترك لنا أثراً مكتوباً منه ويا للاسف.
والعربي الجنوبي متفنن بطبعه مذواق، لم يكتفِ بهندسة الحجارة وصقلها وتزيينها، بل اهتم بالألوان كذلك وبالمظاهر الخارجية للبناء. فاتخذ الحجارة الملونة للبناء، وكوّن منها مناظر متعددة الألوان، محاكاةً للطبيعة، وتأثراً على النظر. وبنى جدران قصر غمدان من حجارة ذات ألوان مختلفة، فبنى سافاً بالحجارة البيضاء. وبنى سافاً آخر بحجارة سُود، وبنى سافاً ثالثاً بحجر أحمر، وسافاً آخر بحجر أخضر وهكذا، وذلك إمعاناً في التفنن وفي التزويق ولا شك. وكسا السقوف والأبواب والأعمدة وبعض الجدران بصفائح الذهب والفضة وبالحجارة الكريمة وبسن العاج والأخشاب الغالية الثمينة، فأكسب البناء روعة وجمالاً وخشوعاً. ونجد ذلك في المعابد وفي القصور.
واستعمل المعمار العربي الجنوبي الرخام لإكساء أوجه الجدران أو في فرش أرض الغرف والمعابد ليكسبها بهجة وجمالاً، واستعمله ألواحاً رقيقة تزخرف بالصور والنقوش، لتعبر عن مباهج الحياة، كما استعمل ألواحاً رقيقة شفافة منه لتكون مكان الزجاج المستعمل في النوافذ في وقتنا الحاضر. ولا يزال أهل اليمن يستعملون الرخام المرقق في نوافذهم، توارثوا ذلك عن آبائهم وأجدادهم، وهو يعطي النافذة رونقاً وجمالاً لا يتوافران في الزجاج.
وتكون النوافذ والشبابيك في جدار الغرفة المطل على صحن الدار. أما الجدر المقامة على الطرقات والأزقة، فتكون خالية منها وذلك لئلا ينفذ منها اللصوص أو الأعداء إلى الدار، وليمنع المارة من التطلع إلى داخل الغرف والبيوت. أما البيوت المرتفعة المكونة من طابقين فأكثر، فقد حليت بالنوافذ، ومن هذه النوافذ ما كان يصنع من الخشب ومنها ما كان يصنع من الحجارة، ولا سيما الرخام. وجعل العربي الجنوبي الطوابق العليا مواضع للدفاع عند الحاجة، ولا سيما في الأماكن المنعزلة النائية، وجعل لمزارعه مواضع مرتفعة مبنية أو من الأخشاب أو على الأشجار لمراقبة من يحاول السرقة وسلب الفلاح ثمار أتعابه.
والنافذة ضرورية جداً بالنسبة للابنية العالية التي عرفت بها العربية الجنوبية، وذلك للدفاع بواستطها عن البيوت ولدخول النور والهواء اليها، وقد صنعت من لوح من الرخام، عملت فيه ثقوب، لدخول الهواء منها. وتعمل الألواح المصنوعة من الرخام ألحواحاً رقيقة جداً، وقد تكون شفافة كالزجاج، لتنير الغرف. ولا تزال نوافذ بيوت العربية الجنوبية محافظة على طرازها القديم. وقد استخدمت بعض النوافذ الجاهلية في بناء. وقد صنعوا النوافذ من الخشب أيضاً، زخرفوها بزخارف جميلة وأحاطوها بأحجار أو بمرمر لتمسكها ولتعطيها منظراً جميلاً.
ويعبر في اللحيانية بلفظة "بت"، أي "بيت" عن معنيين، عن معنى "بيت"، أي موضع سكن، وعن معنى نعبد. وذلك كما في هذه الجملة: "بنيو بت هصن لذ غبت" ومعناها" "بنوا بيت هصن لذي غابة"، و "ذو غابة" هو إلهَ اللحيانيين، أو بتعبير آخر: "بنوا معبد هصن للإلهَ ذي غابة". ويعبر عن البناء والبناية بلفظة "مبنى"في لغة سبأ. وهي من أصل "بنا" "بنى".
وقد ذكر علماء اللغة اسماء الدور بحسب نوع بنائها من حيث المادة أو المساحة أو الارتفاع وغير ذلك. ويقال للدار المنزل كذلك والدارة والمنزلة والمباءة والمعَان والوطن والمغنى والمثوى والمربع. والصرح هو كل بناء مرتفع. وأما الأطم والأجم فالحصن.
والدار المسكن والبيت، وترد اللفظة في النصوص اللحيانية، قال "ابن الكلبي": "بيوت العرب ستة: قبة من أدم، ومظلة من شعر، وخباء من صوف، وبجاد من وبر، وخيمة من شجر، وقنة من حجر، وسوط من شعر، وهو أصغرها". وقال البغدادي: الخباء بيت يعمل من وبر أو صوف، أو شعر، ويكون على عمود أو ثلاثة، والبيت يكون على ستة أعمدة إلى تسعة. والخيمة في عرف العرب: كل بيت من بيوت الأعراب مستدير، أو ثلاثة أعواد أو أربعة يلقى عليها الثمام ويستظل بها في الحر، أو أعواد تنصب وتجعل لها عوارض وتغلل بالشجر فتكون أبرد من الأخبية. أو عيدان تبنى عليها الخيام، أو ما يبنى من الشجر والسعف يستظل به الرجل إذا أورد إبله الماء. والخيمة عند العرب البيت والمنزل وسميت خيمة لأن صاحبها يتخذها كالمنزل الأصلي. وورد أن الخيمة لا تكون إلا من أربعة أعواد، ثم تسقف بالثمام ولا تكون من ثياب، وأما المظلة، فمن الثياب وغيرها.
و "القبة" من البناء ومن الأدم. وقيل: القبة من الخباء بيت صغير مستدير وهو من بيوت العرب. و "المظلة": الكبير من الأخبية، قيل: لا تكون إلاّ من الثياب، وهي كبيرة ذات رواق، وربما كانت شقة وشقتين وثلاثاً، وربما كان لها كفاء، وهو مؤخرها. قال بعض العلماء لا تكون المظلة إلا من الشعر خاصة. إلى غير ذلك من آراء. والخباء: ما يعمل من صوف أو وبر، وقد يكون من شعر، وقد يكون على عمودين أو ثلاثة، وما فوق ذلك، فهو بيت.
ويظهر من تضارب آراء العلماء في تعريف الأسماء المذكورة، انهم أخذوا معانيها من موارد مختلفة من رعاة ومن شبه حضر ومن أعراب، ومن جهات مختلفة، فكان كل مورد يفسر الشيء تفسيراً يختلف عنه عند مورد آخر، فتضاربت من ثم تلك الآراء.
ويقال لصحن الدار: حُرّ الدار وقاعتها وباحتها وساحتها وصرحتها وبحبوحتها. وفي الدار البيت. والمخدع، وهو البيت في البيت، والنفق والسرب، فالبيت تحت البيت ويتألف البيت من غرف. والغرفة في أعلى هي "العلية" والجمع علالي. والخزانة هي التي يحفظ فيها الشيء. والمرقد، هو المضجع.
وما يحيط بالبناء هو الحائط والجدار. والأُس هو أصل الحائط. والرهص، هو البناء من الطين الموطوء، ينضد بعضه فوق بعض، ويقال للنضدة الواحدة دمص، أما النضدة السفلى، فيقال لها رهص. والخط الواحد من الحائط ساف، ويقال للصف الواحد من اللبن أيضاً ساف. وإذا أقيم الآجر بعضه فوق بعض، فهو السميط. ويزال للحائط حين يبلغ العقد أو الثقيف أو التقبيب، ارتفع الحائط. ويقال للعقد: عقد الأزج وللبيت مغمى إذا سقف بالخشب، وبيت مقبب إذا كان ذا قباب. أما إذا كان على هيأة السنام، فيقال له بيت مسنم. والبرزخ الفرجة بين الأزَجَين في صهوة البيت، والهدف ترس الأزج.
وتقوى الجدر بالأوتاد، وذلك برز الوتد في الحائط عند البناء، وقد عثر على أوتاد من الخشب مرزوزة في بقايا أبنية السبئيين والمعينيين وغيرهم لتقوية الجدر، أو لاستعمالها لأغراض أخرى، مثل تعليق أشياء عليها، أو استعمالها بمثابة السلالم للتسلق إلى أعلى.
وفي الدار الصُّفَّةُ، وتسمى بحسب الجهة المتجهة إليها. ويقال صفة فراتية إذا كانت الشمس لا تقع فيها رأساً. و "المقنوءة" مكان ظله دائم ويكون بارد الهواء. والزاوية ملتقى الحائطين في البيت. والكوة الثقب في أعالي البيت. ويقال لها الشاروق. والمشكاة التي في الحائط. ويقال لها الأوقة ويقال بيت مأوَّق.
ويقال للسطح الإجار والصهوة. وسقف البيت أعلاه الداخل. وأما سمكه، فما كان بين قراره إلى سقفه. والطّاية السطح. والدرج المرتقى إلى السطح إن كان من خشب دعي ب "سلم". وكل مرقاة عتبة. والفرغ الخلاء بين المرقاتين. والعلاوة هي أعلى الحائط الذي لا يغمى. والتفاريج والطنف آجر أو نحوه يجتح به أعلى الحائط ليقيه المطر إن يسيل عليه. وهو الكثة والافريز. والهرادة من الخشب لأعالي الحيطان، والنجيرة سقيفة بخشب لا يخالطها غيره.
ويسقف البيت بالخشب، يوضع عليه عُرضاً، ويسس "العراص"، ثم تلقى عليه اطراف الخشب الصغار. وقد يطيَّن، أو يجصّص، أو يِبنى فوقه ليمنع المطر من السقوط من خلال الخشب على البيت، وحرّ أشعة الشمسن من النفاذ إليه.
وكانت بيوت أزواج النبي من اللبن، ولها حجر من جريد مطرورة بالطين، وعلى أبوابها مسوح الشعر. وهذه كانت صفة معظم بيوت أهل يثرب والمدينة، ما عدا بيوت الأثرياء، فقد كانت من حجر وكلس ولها كل وسائل الترفيه والراحة المتوفرة بالقياس إلى ذلك الزمان.
واللبن جمع لبنة. وأما الذي يعمل اللبن، فهو اللبان. والملبن الآلة التي بضرب بها. والسابل، الأداة التي ينقل عليها. والسميقان والأسمقة خشبإت يدخلن في السابل. والطوب هو الآجر، والطباخ هو الذي يطبخ أتونه، والأطيمة: أتون الجرار والقصاع وامثالها. والبلاط: الحجارة تفرش بها الأرض. ويقال أرض مبلطة، إذا فرشت بالبلاط.
وقد عرف بعض علماء اللغة اللبن بأنه المضروب من الطين مربعاً للبناء، وتقابل لفظة "اللبنة" كلمة Libbatu في الأشورية، و "لبيتو"و "لبنتو"في الإرمية.
والطياّن، الذي يعمل الطين، ويطين الحائط أو السطح، ويشتغل بالطين. والملاط ما رق من الطين. ونحوه السيّاع. ويقال للمالج الذي يمسح به وجه الحائط المسجّة والمسيعة. وأما الخيط الذي يقدر به البناء، فيقال له "المطحر". والشّيد والشص الجص. والجصّاصة موضع الجص. والملاّحة مجمد الملح.، والجيار والكلّس الصاروج. والصاروج النورة وأخلاطها. والثلاجة مكبس الثلج.
و توضع في سطوح الدور ميازيب لتسبل منها مياه الأمطار إلى أسفل، وتعرف ب "المثاعب"، وواحدها "مثعب"، ويكون من خشب وغيره. ويسيل الماء. الى "البالوعة" ويقال لها "البلّوعة" كذلك. ولفظة "مئزاب"و "مرزاب" من الألفاظ المعربة عن الفارسية، ولكنها من الألفاظ القديمة الداخلة إلى العربية.
وموضع الطبخ في الدار هو المطبخ. وأما المخبز فهو موضع التنور. ويقال للتنور الوطيس والهيلم والمسِعر كذلك. والكرامة طبق التنور، والمناقة حجره. وأما الساعور، فتنور صغير في الأرض.
والسور هو حائط الحصن والمدن. وأما الربض، فحائط حول السور. والشرف هو ما أشرف فوق الحائط، ويتشرف الناس من ورائه. ويعبر عن "السور " ب "حل" Hel في العبرانية، أي "حائل"، وهو الحائط الذي يحيط بالمدينة.
وتطلق لفظة "حال" و "حويل" على الحائط، وعلى الحدّ التي يفصل بين ملكين، لأنه حائل يحول بين الأملاك وبين الأشياء، فلا تختلط ويمتزج بعضها ببعض.
ريم âيه ôîًَىà   رد مع اقتباس
قديم 10-02-2007, 08:31 AM   #117 (permalink)
عضو
 
تاريخ التسجيل: Mar 2007
العمر: 27
المشاركات: 3,982
Rep Power: 349
ريم will become famous soon enough ريم will become famous soon enough
الفصل السابع عشر بعد المئة

الفصل السابع عشر بعد المئة
القصور والمحافل وألاطام






وقد أورد علماء اللغة العربية، جملة ألفاظ لها صلة بالمباني الضخمة وبالمباني العالية. منها: "قصر" والجمع "قصور"، و "محفد" والجمع "محافد"و "أطم"، و "مجدل"، و "حصن" و "برج" وغير ذلك. من ألفاظ لبعض منها صلة بالناحية الحربية، لذلك أترك أمرها إلى ذلك الباب، وسأقتصر هنا على الكلام على المباني الأخرى التي تخص الحياة الاجماعية في الأكثر.
والقصر البيت الكبير الفاخر، وتقابل لفظة "قصر" كلمة "قصرو" في لغة بني إرم. وقد أطلقها علماء اللغة على البيوت الكبيرة لأهل الجاهلية في اليمن، فقالوا: "قصور اليمن". واشتهر من بينها "قصر غمدان" و "قصر سلحين"، وقد اطلقها عرب العراق على حصونهم التي كانوا يتحصنون بها عند دنو خطر عليهم، فكانت الحيرة مكونة من "قصور"، أقامها أشرافها، واتخذوها بيوتاً لهم، وحماية لأموالهم، وملجأ يلجأ إليه أتباعهم عند دنو الخطر، للدفاع عن سادتهم وعن أموالهم، يصعدون الى أعلى القصر، فيرمون المهاجم بالحجارة والخزف والسهام والنار، ويصبون عليه الماء الحار. ولما هاجمها "خالد بن الوليد"، أخذ يحاصرها قصراً قصراً، ويفتحها، وبذلك سقطت المدينة، المؤلفة من هذه القصور. ولا تزال اللفظة معروفة في العراق، فيعرف حصن "الأخيضر" المشرف في البادية ب "قصر الأخيضر"، ويطلق على بعض قرى عين التمر القصور، لأنها كناية عن بيوت تحمى ب "قصر"في الأصل.
وتخزن في غرف الطابق الأرضي من القصر الميرة، وما يحتاج إليه، وكذلك الماشية، أما الطابق الثاني، أو ما بعده، فيتخذ مسكناً، لأهل القصر، وقد تعمل به منافذ صغيرة، ليرمي منها المدافعون المهاجمين بالسهام وبالحجارة، لمنعه من الدنو من القصر، ويدافع عنه من السطح كذلك.
والمحفد من الألفاظ الواردة في كتب اللغة، وجمعها "محافد". وتعني في العربية الجنوبية القلعة والحصن، أي المكان الحصين المنيع الذي يتحصن فيه الجنود للدفاع. وتعرف ب "محفدن" في العربية الجنوبية، أي "المحفد".
وترد لفظة "صحفت " مع "محفد". وأما"صحفت"، فقد فسرت بمعنى المجاز أو الطريق أو الممر أو الخندق. وهي في معنى لفظة "ضخف " التي تعني الحفر، ومنها "مضخفة" التي تعني المسحاة. ويكون الخندق حول المحفد، يحميه من غارات الأعداء، فيحول بينهم والوصول إلى سوره. وتؤدي لفظة "صحفت" معنى ممر في داخل الحصن يربط بين السور وداخل الحصن. والمجدل، هو القصر المشرف. فهو نوع من أنواع الأبنية الضخمة. وهو الحصن في داخل المدن عند العبرانيين، ويقابل لفظة Castellum في اللاتينية. وقد وردت لفظة "مجدل" و "مجادال" أي في صيغة الجمع في النصوص اللحيانية بمعنى البرج والحصن.
وأما الأطم فالحصن و الجمع أطام. وهي القصور و الحصون. وقال "الأصمعي" الأطام الدور المسطحة السقوف، موشاة أي منقوشة. وهي معروفة عند أهل "المدينة". وقد تحارب الأوس والخزرج عندها، فأرخوا بهذا اليوم. وكانت الأوس والخزرج تتمنع بها، فأخربت في أيام "عمان".
وتقوّى الحصون بسكك الحديد أحياناً، وبكل وسائل التقوية والإسناد، لتتمكن من الصمود أمام العدو، ومن تحمل ضربات الآلات التي تستخدم للهدم. ويعبر عن التقوية هذه بلفظة "سكم"، أي "سك".
وقد فسر بعض علماء العربيات الجنوبية لفظة "صرحت" "صرحة" "صرحس" التي ترد في كثير من الكتابات المتعلقة بأعمال البناء، بالطبقة الثانية من البناء أو أعلى كل بناء. وفي كتب اللغة: "الصرح: بيت واحد بنى منفرداً ضخماً طويلاً في السماء"، وقيل "القصر" أو كل بناء عال مرتفع. وفي التنزيل: إنه صرح ممرد من قوارير، والجمع صروح. وقال بعض المفسرين: الصرح بلاط اتخذ لبلقيس من قوارير.
وترد لفظة "مرحت" بهذا الشكل في بعض الكتابات، كما ترد بغير تاء، أي "صرح". وقد وردت على هذه الصورة: "صرحس" في بعض الكتابات المعينية، كما وردت على هذا الشكل: "صرحسن" أي "الصرح".
والغالب بين علماء اللغة أن الصرح البيت العالي، وقد قيدّ بعضهم ذلك بالبيت العالي المزوق. وحيث إن البيوت المرتفعة العالية هي في اليمن وفي مواضع من العربية الجنوبية الأخرى في الغالب، ونظراً لورود اللفظة في كتابات العرب الجنوبيين، فإننا نستطيع أن نقول باحتمال أخذ الحجازيين لفظة "الصرح" و "صرح" من العرب الجنوبيين.
الأعمدة والاسطوانات
ومن الرخام أقيمت أعمدة جميلة كسيت تيجانها بالنقوش وبالزخرف الأخاذ. وقد تمكن المعماريون من وضع الصخور بعضها فوق بعض وضعاً فنياً في غاية الدقة جعلها تظهر وكأنها قطعة واحدة. فقد صقلوا الصخور صقلاً تاماً بدقة وعناية، وجعلوا نهايتها متطابقة تماماً. فإذا جلست بعضها فوق بعض، انطبقت على بعضها، وبدت وكأنها قطعة واحدة يصعب التمييز بين مواضع انطباقها. وقد نقروا أحياناً في أواسط الرخام نقراً عميقة، ثبتوا في داخلها أوتاداً من الرصاص أو الحديد، لتربط بين قطع الرخام، ولتكون لها سنداً وقوة، فلا تسقط. وقد وجدت مثل هذه الأوتاد بين الصخور المكونة لسد مأرب، وكذلك في قصر "غمدان".
وأقيمت الأعمدة على قواعد تحمل الصخور الثقيلة المؤلفة منها تربط بينها أوتاد مربعة في الغالب، وتكون القواعد أكبر حجماً من العمود ليستقر ثقل الأعمدة عليها، ولتكون أثبت على سطح الأرض. وتقوى هذه القواعد بصب الرصاص عليها. وقد وجد إن المعماري العربي الجنوبي تعمد في جعل الجدران المرتفعة ميالة إلى الجدار الداخلي كلما ارتفع البناء، بمعنى انه يجعل الجدران الخارجية أقرب الى واجهة الجدران الداخلية في أعالي البناء من القواعد، فتكون المسافة عندئذ بين الجدارين عند السقف أقرب وأقصر منها عند القاعدة. ويظهر انه تعمد ذلك لأغراض هندسية واقتصادية، تستدعيها المحافظة على الحجارة من عبث الطبيعة بها وتقوية لها، وتخفيفاً عنها، واقتصاداً في مواد البناء.
وأقيمت بعض الأعمدة على أرض البناء رأساً من دون قاعدة بارزة يرتكز عليها بمعنى إن المعمار لم يجعل قاعدة العمود أوسع وأعرض من هيكل المجموع، فيظهر العمود وكأنه قد نبت من الأرض.
وقد عثر المنقبون على أنواع متعددة من الأعمدة، تيجان بعضها مربعة أو ذات زوايا مستقيمة. منها ما هو بسيط بدون زخرفة ولا نقوش، ومنها ما هو مزخرف أو عليه بعض النقوش أو بعض الحروف أو الكتابات. ومن جملة الزخرف الذي زين تيجان الأعمدة زخرف يمثل زهرة الزنبق وأنواعاً أخرى من الزهور.
وتمثل الأعمدة المربعة الشكل أو المستطيلة والخالية من الزخرف أقدم أنواع الأعمدة بالنسبة للفن المعماري العربي الجنوبي. ونجد نماذج منها في خرائب معبد "قرنو" عاصمة معين. وفي "مرواح" "الخريبة" وفي "مأرب" "حرم بلقيس" "محرم بلقيس" وقد اقتطع المعمار هذه الأعمدة من الصخور، كتلا كتلاً، ثم أمر بصقلها وتشذيبها حتى حوّلها إلى قطع أكسبها شكلاً هندسياً، قواعدها مربعة أو مستطيلة، وضعها بعضها فوق بعض الى الارتفاع المقصود، مكوناً منها اسطوانة تحمل البناء.
من كتاب: Qataban and Sheba "ص 224" ونرى في هذه الصورة تاج أحد الأعمدة، وقد زخرف بحيث ظهر وكأنه كتلة من رؤوس خرفان أو حيوانات لها قرنان كالوعل وقد أبدع الفنان في حفره حتى ظهر الحجر كأنه مجموعة حيوانات وقفت بعضها إلى جانب بعض، وزخرفت قاعدة الحجر، كما ترى في الصورة ويظن بعضهم أنه رمز الإلَه القمر.
وقد أبدع الفنان في الحفر، وأجاد في الزخرفة وفي اتقان عمله، واعطى عمله روعة، فترى الحفر على مستوى واحد، وقد عمل بدقة ومهارة. واتقان العمل. والإبداع في الفن من المزايا التي امتاز بها أهل العربية الجنوبية حتى اليوم.
وهناك أنواع من الأعمدة تكون من ثمانية أضلاع، وأنواع أخرى تتكون من ستة عشر ضلعاً، عثر عليها في مدينة "تلقم"، وتتكون تيجانها من ست درجات: ثلاث منها على هيئة نصف اسطوانة: بطونها إلى الخارج وقاعدتها العمود، وثلاث على هيأة صفائح مستطيلة ذات ستة عشر ضلعاً. وقد نحتت هذه التيجان ورتبت على هذا الشكل: الدرجة السفلى مكونة من مستطيل ذي ستة عشر ضلعاً، وفوقه درجة على هيئة نصف أسطوانة يليها مستطيل ذو ستة عشر ضلعا، وهكذا إلى أن ينتهي التاج بالدرجة السادسة للتاج.
وقد عثر على نماذج من الأعمدة المثمنة الأضلاع في معبد "صرواح" ب "أرحب"، وفي "حقه" وفي "العرين" وفي "بيت غفر" وفي "سوق النعم" وفي "شبام كوكبان" وفي "مأرب"، وفي مواضع أخرى. ويرجع عهد هذا النوع إلى ما قبل الميلاد، وممتد إلى ما بعده. ويرى بعض الباحثين إن أكثر هذه الأعمدة قد ظهر في فترة من الزمن تقع فيما بين القرن الثاني قبل الميلاد والقرن الثاني من بعد الميلاد.
وقد رأى "كلاسر" Glaser عموداً مثمناً ذا تاج "كورنثي" في مسجد "منقط" بالقرب من "يريم"، يرى الباحثون انه من صنع عامل يوناني.
وهم يرون أن أصله من مدينة "ظفار" التي لا تبعد كثيراً عن هذا المكان، جيء به من هناك إلى هذا المسجد. وقد كانت "ظفار" مركزاً خطيراً وعاصمة لحمير، وفيها أسس "ثيوفيلوس" كنيسة حوالي سنة "354" للميلاد. وصارت هذه المدينة مركزاً لأسقفية تشرف على نجران وهرمز وسقطرى. وقد عثر في هذا المسجد على قطع أخرى أثرية، عليها آثار الصلبان وكتابات حبشية وآثار اخرى تشير إلى أصل نصراني، يظهر انها من أيام استيلاء الحبشة على اليمن، وانها ترجع إلى ما بين سنة "525" و "570" للميلاد. وفي خلال هذه المدة كان احتلال الحبشة للعربية الجنوبية.
ولا استبعد أن يكون من بين هذه الأعمدة التي نحت الصليب فوقها، أعمدة جاهلية أُخذت من المعابد الوثنية، ثم حفر الصليب عليها، لتتناسب مع الطقوس النصرانية. أو أنها كانت معابد وثنية قديمة، فلما استولى الحبش على اليمن، أو عند اعتناق أهل تلك المواضع للنصرانية حوّلوا تلك المعابد إلى كنائس وأحدثوا فيها بعض التكييف والتغيير لتكون في وضع يناسب الكنيسة، فكان في جملة ما أدخلوه عليها حفر الصلبان على أعمدة تلك المعابد.
وتظهر الأعمدة المكونة من ستة عشر ضلعاً، وكأنها اسطوانة، أي عموداً ذا شكل دائري. لأن الأضلاع صارت ضيقة متقاربة أعطت العمود شكل اسطوانة. وقد عثر على نماذج من هذه الأعمدة في مدينهّ "تلقم" وفي معبد "صرواح" بأرحب، وفي "مرواح" "الخريبة" و في "الفراس"، وفي جامع المتوكلية بصنعاء.
ويرى بعض الباحثين إن الأسطوانات، أي الأعمدة المدوّرة ذات الشكل الاسطواني التام، قد ظهرت بعد الأعمدة المذكورة، وأنها ترجع الى الأزمنة المتأخرة لذلك من تأريخ اليمن.
الموضوع الأصلى من هنا: موسوعة طعس العربيه http://www.t3as.com/vb/t42703-12.html#post154081
ومن العربية الجنوبية انتقلت هذه الأعمدة إلى بلاد الحبشة، حيث نجدها في معابد الحبشة القديمة. وقد أخذ أهل تلك البلاد هذا النوع من الأعمدة في جملة ما أخذوه من حضارة أهل العربية الجنوبية. وقد رأينا إن أهل سبأ كانوا قد أقاموا حكومة لهم في إفريقية، وقد ترك أهل العربية الجنوبية، ولا شك أهل سبأ منهم، آثاراً في اليمن في مختلف النواحي، ما تزال ظاهرة للعيان.
وقد استعملت الأعمدة المصنوعة من الخشب لحمل السقوف، ولاسيما في البيوت وتوجت هذه الأعمدة بتيجان في الغالب، جعلت على هيآت وأشكال مختلفة. ولا يزال الناس يستعملون هذه الأعمدة في بناء البيوت.
وقد نوّع المعمار هندسة تيجان الأعمدة والأساطين، بأن جعلها أشكالاً وأنماطاً، راعى وحرص على أن يجعلها تتناسب مع شكل العمود الذي سيوضع التاج فوقه، أو الاسطوانة التي سيوضع عليها. وقد مرّ هذا التنويع في أدوار وأطوار، كما مرت صناعة الأعمدة والأساطين بهذه الأدوار كذلك. لقد كان التاج في بادئ أمره جزءاً أساسياً من أجزاء العمود، أي قطعة منه. هي القطعة الأخيرة من قطع العمود. وعلى هذا الجزء أقام قواعد السقف من غير أن يميزه عن الأجزاء الباقية من أجزاء العمود بأي شيء. ثم بدا له أن قي يجعل للقطعة الأخيرة حافة عليا بارزة، وأن يجعل أعلاها أوسع من أسفلها الذي هو قاعدة التاج التي ترتكز على بقية أجزاء العمود. وذلك لأسباب فنية تتعلق بالبناء وبعقد عقود سقوف المعابد. تم أخذ يجعل التاج قطعة حجر تكون أوسع مساحة من مساحة القطعة من العمود الذي سيوضع فوقها، أي أوسع من مساحة العمود نفسه، وصار يزخرفه ويتفنن في زخرفته، حتى ظهرت عنده جملة تيجان أقيمت عليها سقوف المعابد والقصور.
وقد عثر على تيجان بسيطة هي عبارة عن حجر وضع فوق العمود، ولكي يربط هذا التاج بالعمود ربطاً محكماً، ويجلس فوقه جلوساً تاماً هندسياً، فقد ربط بالعمود بوتد يقوم مقام المسمار في ربط أجزاء الخشب بعضها ببعض، يدخل في التاج وفي العمود ليربط بين بينهما ويجعلهما وكأنهما قطعة واحدة من حجر. وقد توضع بين التاج والعمود مادة بنائية لتشد بين الحجرين وتمسك بينهما، فضلاً عن "المسمار" الذي يدخل في الثقب الموجود في الحجرين، إن كان ذلك "المسمار" متحركاً أي متنقلاً، أو في الثقب المحفور في الحجر المقابل، إن كان ذلك "المسمار" أو الوتد ثابتاً وقد نحت في أحد الحجرين حتى صار مرتفعاً كقطب الرحي، ليدخل في التجويف المعمول في الحجر الثاني المقابل وبذلك يتماسك الحجران.
وقد وجد "كلاسر" تاج عمود، ظهر أنه كان مؤلفاً من حجرين، حجر مربع الشكل أطرافه قائمة الزوايا، وأضلاعه الخارجية عدلة، ثم حجر آخر أقيم تحته، أي فوق العمود، أطرافه الخارجية منحوتة نحتاً جعل الأطراف مائلة نحو العمود، أي إلى الجهة السفلى. وربما كان هذا النوع من التيجان مرحلة من مراحل تكبير التاج وتطويله بجعله يتألف من جملة طبقات. كما عثر على تيجان جعلت جملة طبقات، طبقة مصقولة ملساء، وطبقة منحوتة ومزخرفة زخرفة هندسية أو بأشكال أخرى حسب ذوق المهندس المعمار الذي وضع تصميم المكان.
عثر على نماذج أخرى عديدة من التيجان، تفنن في نحتها وفي تكوينها المعمار. وتمثل بعض منها شخصية ذلك المعمار تمام التمثيل. فهي مستقلة تمثل طابع العمارة العربية الجنوبية. ولكننا نجد بعض التيجان وكأنها تقليد ومحاكاة لتيجان أجنبية. فبينها تيجان تشبه تيجان أعمدة بعض معابد مصر التي تعود إلى ما قبل الميلاد، ونجد بعضاً وكأنه محاكاة لتيجان يونانية أو رومانية أو فارسية أو حبشية. وقد ذهب بعض الباحثين إلى إن عدداً من تيجان الأعمدة الموجودة اليوم في بعض دور الحكومة بصنعاء، أو في المساجد أو في بعض البيوت هي من أيام الاحتلال الحبشي أو الساساني لليمن. ولا يستبعد أن يكون كل من بينها تيجان وأعمدة أخذت من كنيسة "القليس".
ولما كانت العربية الجنوبية على اتصال بالعالم الخارجي، منذ عصور ما قبل الميلاد، وقد شهدت فتوحاً أجنبية، كما كانت لها صلات تجارية مع الروم والإفريقيين والهنود والفرس، فلا يستبعد استخدام العرب الجنوبيين للأعاجم في أعمال البناء، وتأثرهم بالأساليب المعمارية الاجنبية، ولا سيما في أثناء الفتح الحبشي لليمن، فقد ذكر أهل الأخبار أن الحبش استعانوا في بفعلة من الروم في بناء "القليس"، كما أن الروم كانوا قد شيدوا كنائس في عدن وفي مواضع أخرى من جزيرة العرب. وقد بنيت هذه الكنائس وفقاً لأسلوب الفن البيزنطي النصراني ولا شك. وقد كان بين الفرس من يحسن البناء ويتقنه، كما كان لأهل العربية الجنوبية اتصال بالفرس قبل هذا الفتح، وكانت فيها جاليات منهم ولا سيما في الأقسام الجنوبية الشرقية، فأثروا بذلك في طراز البناء.
وما قلته من لم تفنن المعمار العربي الجنوبي في تنويع الأعمدة وتيجانها ينطبق أيضاً على القواعد التي أقيمت الأعمدة عليها. فبعد أن كانت قاعدة العمود أو الاسطوانة بسيطة، لا تمتاز عن العمود بأي شيء، بل كانت قطعة واحدة منه، ليست لهما عن بقية الأقسام أية ميزة، رأى المعمار تميزها عن بقية الأقسام، فجعلها أوسع من العمود، وأعطاها أشكالاً هندسية وزخرفية ميزتها عن العمود وعن تاجه. فنجد قواعد أعمدة على شكل مربع أو على شكل مستطيل أو على شكل دائري. ثم نجدها بسيطة تماماً، ونجدها مزخرفة ومزوقة. ونجدها وقد نحتت على شكل تظهر وكأنها من طبقات مختلفة.
وعلى هذه الأعمدة والتيجان والاسطوانات أقيمت سقوف المعابد والقصور وبيوت السادات عقدت عقداً على نحو ما نراه في الوقت الحاضر من بناء المساجد وبعض الأسواق القديمة والأبنية الأثرية. ولا يستبعد استعمال أهل اليمن للقباب في معابدهم وفي قصورهم، فمادة البناء متوفرة عندهم، والإمكانيات الفنية موجودة عند المعمار العربي الجنوبي. عقدت على عقود وأقواس ينتهي مركز ثقلها بتيجان الأعمدة أو برؤوس الأعمدة على طريقة بنائهم للمساجد في هذه الأيام.
ولم تجر حتى الآن حفريات علمية واسعة في اليمن وفي بقية أنحاء العربية الجنوبية، كما أن دراسات المتخصصين الضليعين بعلوم العربيات الجنوبية قليلة، وهذا كان علمنا بالآثار العربية الجنوبية ضحلاً لا يعين على تكوين رأي علمي واضح صحيح في آثار تلك الأرضين وفي صلة الحضارة العربية الجنوبية بغيرها من الحضارات.
لقد وضع "كلاسر" مخططات تقريبية لبعض المعابد والأبنية القديمة في اليمن، مثل معبد صرواح ومعبد "محرم بلقيس" حرم بلقيس، وهو معبد إلهَ سبأ الرئيس "المقه" وأماكن أخرى، كما وضع غيره مخططات أخرى. ولكن هذه الدراسات تقريبية وغير كاملة. ولا بد من وقت للبحث في هندسة هذه الأماكن بحثاً علمياً دقيقاً. ومثل هذه البحوث لا تقوم إلا بحفريات عميقة منتظمة، توصلنا إلى أسس تلك الأبنية وما طمر في الأرض من آثار تتعلق بتلك الأماكن.
وقد تمكن المنقبون في هذا اليوم من تثبيت معالم بعض المعابد ولا سيما معبد "المقه" بمأرب، حيث شخصوا بعض معالمه، إلاّ أن تحديده بصورة مضبوطة واضحة، وتعيين مواضع العبادة فيه، تحتاج إلى دراسات أثرية واسعة وبمقياس كبير. فقد أمكن مثلاً تنظيف بعض مواضع معبد "اوم" "اوام" بمدينهّ "مأرب" من الأتربة، لتظهر معالمه، وأمكن بذلك من الحصول على معلومات أثرية لا بأس بها عنه، غير أن معارفنا عنه لا تزال قليلة، لأن البحث العلمي لم يتم على هذا المعبد حتى الان، وترى في الصورة بقايا الأعمدة التي كانت تحمل سقوف المعبد، كما تشاهد بعض بقايا جداره، وهو من المعابد المهمة التي كانت في "مأرب"
وقد نسى اسم هذا المعبد القديم، الذي كان يسميه السبئيون معبد "اوم" "أوّام". وكانوا يتقربون إليه بالهدايا والنذور، تقدم باسم رب هذا المعبد "بعل اوم". وهو "المقه" إلَه الأكبر، إلَه القبيلة القديم. وهو القمر ويسمى معبده في هذا اليوم ب "محرم بلقيس"، ويقع على مسافة ميلين تقريباً من قرية "مأرب" الحديثة. وتقع معظم ساحة المعبد وجدره وأبنيته تحت الرمال. وما لم ترفع هذه الكثبان الرملية عنه، فإنه من المستحيل التحدث عن حديثاً علمياً . وقد سرق الناس أحجار السقوف وأعالي جدار المعبد، لاستعمالها في بناء، ولما زار "كلاسر" المعبد ووصفه، رأى سقف المعبد، أي البيت الذي يتعبد فيه، وكذلك أعالي سوره، وكانت زيارته له سنة "1888م"، ولا نجد اليوم من آثار السقف وأعالي الجدران شيئاً، بسبب سرقة الأحجار، ولولا الرمال التي غطت الأرض والجدران وساحة المعبد، وحفظت في باطنها أحجارها وبعض الأعمدة الضخمة التي صعب على الإنسان قلعها لما بقى من حجارة هذا المعبد شيئاً.
وقد بني هذا المعبد في أيام "المكربين"، وفد وجدت فيه كتابة تعود إلى أيام المكرب "يدع ايل ذوح ين سمهعلي" مكرب سبأ. ويرى "البرايت" انه حكم في منتصف القرن السابع قبل الميلاد. وربما كان هذا المكرب قد جدد بناء هذا المعبد الذي أقامه مكربون سبقوه في الحكم.
وتجد في هذه الصورة بقايا جدار معبد "اوم"، وبقايا نوافذ حجرية، وقد تخللتها ثقوب لدخول الهواء و النور منها، وقد نقشت وزخرفت. وقد جدد ورمم بناء المعبد مراراً، وأضيفت عليه جملة زيادات، كما يتبين ذلك من الكتابات التي عثر عليها المنقبون داخل المعبد، وقد دوّنت لمناسبات التجديد و إدخال الإضافات، ثم من طراز الهندسة الذي نراه في البناء ومن تنوع الأحجار ومادة البناء.
وهذه صورة أخرى، أخذت أثناء قيام بعثة "وندل فيلبسى" بأعمال الحفر في معبد "اوام" و ترى الأعمدة قائمة، والعمال يشتغلون في إزاحة الأتربة التي طمرت ذلك المعبد القديم.
وهذه صورة أخرى لمعبد "اوم" اوام"، في أثناء قيام بعثة "وندل فيلبس" بالحفر فيه.
ونرى في هذه الصورة أعمال الحفر لبعثة "وندل فيلبس" وهي تجرى في معبد "عثتر" بمدينة "تمنع" عاصمة قتبان. ويعود عهده إلى القرن الأول قبل الميلاد.
وتوجد في خرائب "مأرب" آثار معبد آخر خصص لعبادة "المقه" كذلك، هو معبد "برن" "بران". ويعرف موضعه ب "العمايد" عند أهل مأرب الحالين. وذلك لوجود أعمدة من أعمدته القديمة ظاهرة على سطح الأرض. ولم يقم العلماء بالتنقيب عن هذا المعبد المهم.
وقد بقيت في العربية الجنوبية بقية من أصول الهندسة المعمارية الجاهلية، تظهر معالمها في المباني الضخمة التي تكون بيوت الحكام والأسر الغنية، والتي تضم في الغالب أحجاراً قديمة مكتوبة و غير مكتوبة، وتراثاً قديماً موروثاً ورثه المعمارون من عرب ما قبل الإسلام.
وترى في الصورة نموذجاً من الريازة القديمة المتمثلة في مسجد "الأشرفية" بمدينة تعز، وهي ريازة أخذت من الفن الجاهلي. وترى الضريح، وقد أقيم على طراز عربي قديم، لا يشبه الأضرحة التي توجد في البلدان العربية الأخرى، لاستمداده هندسته من هندسة الأضرحة القديمة في العربية الجنوبية.
ونرى في هذه الصورة المأخوذة لجامع "الجندية" فناً، يختلف عن فن بناء المساجد في العراق أو في بلاد الشام، فلعقود هذا الجامع ولأعمدته واسطواناته صلة بالأبنية العربية الجنوبية القديمة. وأنت إذا دققت في هذه الصورة ترى طراز بناء القسم الأيمن منها يختلف عن طراز بناء الجزء الأيسر منها، ومع ذلك فإن للطرازين صلة بالفن العربي الجنوبي. وترى سطح السقف، وقد زين بأفاريز لها صلة بالأفاريز التي كان يعملها العرب الجنوبيون على مثل هذه المواضع من أسوار مدنهم، وأبنيتهم الضخمة من دور و قصور.
ونرى في الصورة التالية التي هي صورة مسجد بمدينة "تعز"، فناً، له جذور وأصول قديمة، استمد روحه من الفن العربي الجنوبي الذي يعود إلى أيام ما قبل الإسلام. وهو فن له استقلال في الشخصية، ومزايا تميزه عن الفن في المواضع الأخرى من جزيرة العرب. ونرى بعض قباب مساجد اليمن لها شخصية مستقلة، ترشدنا إلى إنها من أصل ذلك الفن اليماني العريق في القدم.
وعندي إن من الواجب في هذا اليوم دراسة الفن المعماري القائم حالياً في العربية الجنوبية، المتجلي في الأبنية القائمة الباقية التي لها طابع عربي جنوبي خاص، من قصور ودور ومساجد وأضرحة، ودراسة فن الزخرفة المتمثلة في النقش على الحجر، من زخرف قديم وزخرفة حديثة، ودراسة الأعمال الفنية السائدة اليوم، مثل النجارة والحفر والقش والرسم وما شاكل ذلك، لأن مثل هذه الدراسة تساعدنا كثيراً في الوقوف على الفن العربي الجنوبي.
وقد أبدع أهل العربية الجنوبية في فن الزخرفة. و "الزُخرف" في تفسير علماء العربية الذهب في الأصل، ثم، سميت كل زينة زخرفاً، ثم شبه كل مموه مزوّر به. وفي حديث يوم الفتح أنه لم يدخل الكعبة حتى أمر بالزخرف فنحيّ.
وأمر بالأصنام فكسرت. الزخرف هنا نقوش و تصاوير. ومن النقوش التي عثر عليها في العربية الجنوبية نقوش حيوانات وأشجار وصور بشر حفرت على الأحجار أو المعادن أو الأخشاب، وعلى ألواح من الجبس، استعملت في أغراض مختلفة للزينة. ومنها احجار منقوشة، نقشت عليها عناقيد عنب وأغصان وأوراق، وما شاكل ذلك. وجد علماء الآثار أن بعضاً منها يعود عهده إلى القرون الأولى من الميلاد.
وإذا كانت المعابد شاهداً على الفن وعلى التفكير الديني لقوم من الأقوام، فإن المقابر هي شاهد كذلك على وجهة نظر القوم إلى العالم الآخر، عالم ما بعد الحياة. فما في القبر من أدوات وأشربة وطعام وآنية، أو من بساطة وسذاجة، تشير إلى تفكير القوم في شكل الحياة الآخرة وفي كيفيتها وفي درجة تعلقهم وتمسكهم بالالهة وبالدين.
وخير مثال على ذلك، أهرامُ مصر وآثارها، فإنها آثار قبورية، تمثل مبلغ تغلغل الدين في نفوس الحاكمين وفي الشعب، ووجهة نظرهم إلى عالم ما بعد الحياة. لقد أنفق الحاكمون على قبورهم اكثر مما أنفقوه على قصورهم في الدنيا. إن بهم - بعد الموت - حاجةّ إلى كل ما يحتاج اليه الإنسان في الحياة. ولهذا ادخروه في هذه المقابر، ليستفيد منها الميت بعد انتقاله إلى العالم الآخر ورجوع الحياة إليه. أما العربي، فلم يهتم بقبره اهتمام المصري به، فلم يترك "المكربون " ولا الملوك ولا الأمراء ما تركه الفراعنة والكهان والأمراء في قبورهم، لا كله ولا بعضه. إنه لم يكن يحفل بالحياة الآخرة احتفال أهل مصر بها، لذلك نجد قبره ساذجاً، ثم هو لم يدخل فيه طعاماً ولا شراباً ولا أثاثاً، ولم يدخل فيه كذلك خدماً وحشماً من بقايا الحاشية المسكينة التي أدخلت إلى القبر قسراً لتخدم سيدها في العالم الآخر، كما خدمته في العالم الأول.
وقد يقال إن لفقر بلاد العرب دخلاً في ذلك، ولكن ما بال أهل اليمن، وقد كانوا في سعة وخير، لا يفعلون في قبورهم بعض ما فعله أهل مصر. وما بال قبور ملوكهم ساذجة، لا تحوي ذهباً ولا حجارة كريمة ولا تصاوير وتماثيل وتوابيت وجثثاً للضحايا التي تدفن مع الميت ? إن ذلك، إن دلّ على شيء، فإنما يدل على اختلاف في وجهة نظر القوم عن وجهه نظرِ المصريين مثلاً عن الحياة الآخرة، ونحن لا نتكهن في الزمن الحاضر عن وجهة نظرهم في ذلك الزمن، لعدم وجود كتابات جاهلية أو آثار تتحدث عن تلك الحياة.
وإذا قلنا إن تلك القبور كانت ساذجة خالية من الكنوز التي يجدها الناس في اهرامات مصر، فإن ذلك لا يعني إن قبور الجاهليين، كانت خالية من النفائس تماماً.فقد عثر في بعض منها على أساور من ذهب وخواتم وتماثيل وجرار بل وعلى سيوف وخناجر وسكاكين، وضعت مع الميت في قبره، كما يروي أهل الأخبار إن بعض الجاهليين كانوا يتعقبون المقابر القديمة، فينبشونها لاستخراج ما فيها من أشياء نفيسة، حتى ذكروا إن ثراء "عبدالله بن جدعان" انما كان من المقابر القديمة التي كانت بمكة، فرووا قصصاً عن قبور زعم إن الناس عثروا فيها على كنوز، وقد سبب هذا القصص إقدام الناس على نبش المقابر الجاهلية لاستخراج ما قد يكون في جوفها من ذهب وكنوز، مما أفسدها وأزال معالمها وأضاع علينا تراث الجاهليين.
وقد ذكر "أبو علي لغدة" الأصفهاني، إن " بجلدان هضبة سوداء، يقال لها بتعة، وبها نُقُبٌ، كل نقب قدر ساعة، كانت تلتقط فيه السيوف العادية، والخرز، يزعمون أن فيه قبوراً لعاد، وكانوا يعظمون ذلك الجبل".
وقد عثر على بعض المقابر الجاهلية في العربية الجنوبية، ظهر منها إن القبور ساذجة لا تكلف فيها ولا تعقيد في الغالب. ولكنها مختلفة باختلاف الأرضين والقبائل وطبيعة الأرض. فقد عثرعلى قبور اتضح منها إن الجاهليين في بعض أماكن من اليمن، وضعوا الميت في تابوت قائم الزوايا، مصنوع من الحجر، وقد غطي بغطاء من الحجر كذلك. ومثل هذه القبور لا تكون في العادة إلا في الأماكن التي تتوفر فيها الحجارة. أما في الأماكن الصحراوية والترابية التي لا تتوافر فيها مثل هذه الحجارة، فلم يكن من الممكن وضع الميت في مثل هذا التابوت، ولهذا كانوا يدفنونه في الأرض في لحد، ثم يهال على الميت التراب. وقد عثر على جملة قبور تكوّن مجموعة واحدة يحيط بها حائط معقود بالحجارة يتراوح ارتفاعه، من متر إلى خمسة أمتار. وهي مدافن أسرة واحدة في الغالب. وقد أشير إلى أمثال هذه المقابر في الكتابات. كما عثر على قبور هي غرف نحتت في الصخور، وقد كُتب على باب الغرفة، أي القبر، اسم صاحب القبر أو أسماء المدفونين في الغرفة. وقد وصف "هريس" بعض هذه القبور.
وعثر على بقايا مقبرة خارج سور مأرب من ناحية الشمال والغرب، تبين من فحصها ودراستها إن بعض الموتى قد دفنوا وقوفاً، وبعضهم قد دفنوا على الطريقة المألوفة أي اضطجاعاً على الأرض. ومن هذه المقبرة العامة الجاهلية حصل "كلاسر" على عدد كبير من شواهد القبور، التي وضعت فوق قبور أصحابها لتدل عليهم و لتشير إلى صورة صاحب القبر واسمه.
وقد عثر في معبد "اوم" "اوام"، المعروف بمحرم "بلقيس"، على مقابر، لها أبواب تؤدي إليها، ذات غرف، اتخذت مواضع لوضع الجثث بها.
وجد أن بعضها كانت مقابر للمكربين وللملوك، فقد عثر على اسم "سمه علي ينف" "سمهعلي ينف" "سمه علي ينوف"، مكتوباً على حجر في أحد القبور، وعثر على اسم آخر هو: "يثع امر بين بن يكرب ملك وتر" وهما من الملوك الذين اعتنوا بهذا المعبد، فأضافوا إليه اضافات، ولعلّ الحفريات المقبلة ستكشف عن أسماء ملوك آخرين قبروا في هذا المعبد الكبير، الذي كان المعبد الرئيسي لشعب سبأ في عاصمته مدينة مأرب "هجرن مربن"، "هجرن مرب".
وقد عثر في هذه المقابر على مباخر، يظهر أنها استخدمت لتبخير القبر عند دفن الموتى، وفقاً لطقوسهم الدينية، كما عثر على قطع من الأحجار الكريمة وبعض المصوغات المعمولة من الذهاب، ونظراً لوجودها مبعثرة، يظن أن الأيدي قد عبثت بها، فنهبت ما كان أهل الموتى قد دفنوه مع الميت من أشياء ثمينة.
ووصف "فون ريده" نوعاً من الأضرحة وجده في "صهوة" بحضرموت. وقد وصفه بأنه بناء على هيأة مكعب، طول كل ضلع منه زهاء 25 قدماً، وبارتفاع مماثل. وقد شيد من حجارة مربعة كبيرة، ويبلغ سمك حائطه قدمين.
وهو مقسم في الداخل إلى قسمين. يكون القسم الواحد غرفة يفصل بينهما حائط يبلغ ارتفاعه ست أقدام من مدخل البناء. ويتكون السقف من حجارة عرضها قدمان. ونجد في جوانبه ثلاثة أهرام للزخرفة. وعلى البناء كتابة قبورية تشير إلى القبر.
ولتخليد ذكرى صاحب القبر، ولوقوف الناس عليه، استخدم العرب الجنوبيون كغيرهم شواخص قبور، هي عبارة عن أعمدة من الحجر رباعية أو غير رباعية يكتب في أعلاها اسم المتوفى. وقد يصور تحت الكتابة صورة تمثل الميت، أو ترمز إلى شيء ديني. وقد عثر "كلاسر" على عدد من هذه الشواهد القبوربة في مأرب.
وقد تكون الشواخص على هيأة صخور مستطيلة، يكتب عليها اسم صاحب القبر. وقد تزخرف هذه الصخور. وتنتهي الكتابة بلفظة "صلم" في بعض الأحيان، بمعنى صنم، أي صورة، ويراد بها صورة المتوفى، أو الرمز الدال على شيء مقدس. وقد تدوّن الكتابة في القسم الأسفل من الشاهد، وتحفر الصورة في القسم الأعلى منه. وعثر كلاسر أيضاً على نوع آخر ساذج من الشواهد، هو عبارة عن نصب يشتمل على الكتابة وتحتها عينان فقط. وتثبت هذه الشواهد في الأرض. وقد وجد لبعضها حافة رقيقة كحد السكين، وذلك لتسهيل تثبيتها في الأرض، ومقاومتها لعبث الهواء والآفات الأخرى فيها.
ويقال للقبر "مثبر"و "هقبر" "القبر" في اللحيانية. وقد عثر المنقبون على أحجار قبور، كتبت عليها اسماء الموتى، وصورت عليها صور تشير إلى الميت، وحفرت عليها بعض الرموز والإشارات المستعملة في طقوسهم الدينية.
وقد وجدت في المقبرة الملكية لملوك أوسان تماثيل لبعض ملوك هذه الأسرة الصغيرة التي حكمت مملكة أوسان، وقد كتبت على قاعدة التماثيل أسماء الملوك، ويتبين من وجودها في هذه المقبرة، أن آل الميت دفنوا مع الملك المتوفى تمثالا له، ربما ليدل على قبره. وكتب لذلك عليه اسمه ليعرف، ولم يعثر على مواد أخرى ثمينة، ويظهر أنها كانت موجودة غير أن السرّاق سرقوها، فلم يبق فيها غير ما فات عنهم، فلم يصلوا إليه. وقد موّنت المقابر الأخرى التي سلمت علماء الآثار والباحثين بألواح من الحجر، نحتت عليها صور المتوفين، فوضعت شواخص على القبور، ليعرف بالشاخص صاحب القبر، كما عثر على مثل هذه الشواخص في باطن القبر، مما يدل على أنها دفنت مع الميت في القبر.
ونرى في الصورة التالية تماثيل صغيرة استخرجت من مقبرة قديمة، ويلاحظ إن الأنف دقيق، وقد حفرت العيون حفراً، وجعلت واسعة نوعاً ما في بعض التماثيل. وقد نقرت بعض هذه القبور نقراً في الصخور، وهي صغيرة لا تتسع إلا لميت واحد، ولكن المنقبين وجدوا مقابر جماعية، تضم افراد العائلة الواحدة.
وعثر في المقابر التي ضمت جدت نساء على أقراط حلي نسائية، وعلى أشياء أخرى تستعملها المرأة. وقد أمكن بواسطتها من تشخيص صاحبة القمر، ومن الوقوف على مكانة أسرتها ومنزلتها. وتوجد بعض الحلي في المتاحف، وهي جميلة تدل على مهارة "الصائغ" العربي الجنوبي. وفي جملة ما عثر عليه قلادة، عمل القسم الرئيسي منها على شكل هلال، بداخله زخارف، كما ترى في الصورة السابقة الي عثر على أصلها في مقبرة قديمة من مقابر "تمنع" عاصمة قتبان.
ووجدت مصوغات أخرى من ذهب، لا يزال الصاغة يصوغون من أمثالها في العربية الجنوبية وفي مواضع أخرى من جزيرة العرب. منها ما يعلق على الرأس، ومنها ما يعلق على الرقبة، ومتها ما يوضع على الزند أو المرفق أو الأرجل، ويلاحظ إن لفن الصاغة في اليمن وفي بقية العربية الجنوبية طابع خاص يميزه عن فن الصاغة في البلاد الأخرى. وقد وضع الصاغة شعارات دينية على بعض المصوغات تيمناً وتبركاً بها. ولهذا فمن المستحسن مقارنة المصوغات الحالية مع المصوغات الجاهلية التي عثر وسيعثر عليها، للتوصل بهذه المقارنة إلى معرفة تأريخ هذه الحرفة عند العرب.
وقد وجدت مجامر قديمة في مواضع متعددة من اليمن. وقد استعمل بعضها في المعابد، واستعمل بعض آخر في البيوت حيث يحرق فيها البخور أو بعض الأخشاب ذوات الروائح الطيبة العطرة لتطييب القادم. ولا تزال هذه العادة المعروفة قبل الإسلام مستعملة في اليمن، وفي مواضع أخرى من جزيرة العرب، كما في "بيشة" مثلاً، وذلك على سبيل التقدير والتكريم والاحترام.
ريم âيه ôîًَىà   رد مع اقتباس
قديم 10-02-2007, 08:32 AM   #118 (permalink)
عضو
 
تاريخ التسجيل: Mar 2007
العمر: 27
المشاركات: 3,982
Rep Power: 349
ريم will become famous soon enough ريم will become famous soon enough
الفصل الثامن عشر بعد المئة

الفصل الثامن عشر بعد المئة
الخزف والزجاج والبلور



الخزف: ما عمل من الطين وشوي بالنار فصار فخاراً، وبائعه الخزّاف. والفخّار: الخزف. وذكر انه ضرب من الخزف تعمل منه الجرار والكيزان وغيرها. وورد في القرآن الكريم: )من صلصال كالفخار(.
والفِخارة من الحرف المعروفة عند الجاهليين. ومادة الفخار الطين يسوّى على الشكل المطلوب. فإذا جف، فخر بالنار. وأواني الشرب أي الجرار هي من أكثر الفخار استعمالاً حيث يوضع فيها الماء، والكيزان. واستعمل الفخار لخزن المواد الغذائية أيضاً، ولحفظ الأشياء الثمينة مثل الذهب والنقود والحلي، ولأغراض أخرى عديدة، ويكون في كَل الأماكن الأثرية مادة مفيدة للآثاريين.
وقد ذهب بعض علماء اللغة إلى إن "الكوز" لفظة معربة، عربت عن الفارسية، وذهب آخرون إلى انها عربية أصيلة، وصانعها هو "الكوّاز". وعرف الخزف بأنه كل ما عمل من طين وشوي بالنار حتى صار فخاراً. أما صاحبه، فهو الخزّاف.
وقد عثر على جرار على هيأة "الثومة"، أي ذات عنق طويل، وأما أسفلها فواسع، في مواضع متعددة من جزيرة العرب وفي بلاد الشام. وتعرف ب "بقبق"و "بقبقة". وهي "بقبق" "بقبوق" في العهد القديم.
وللتربة أهمية كبيرة في صنع الخزف، ولهذا اشتهرت بعض المواضع ذات التربة الجيدة بجودة فخارها، فكانت تصدره إلى أماكن أخرى. كما أن للعناية التي يبذلها الفخار في عجن الطين وفي تنقيته من الشوائب أهمية كبيرة في صناعة الفخارة.
ولم يشر أهل الأخبار إلى الآلات التي يستعين بها الخزاف والكواز الجاهلي في صناعته. ولكن سكوتهم هنا لا يكون دليلاً بالطبع على عدم استعانة الفخار والكواز بالآلات، فليس من المعقول صنع أنواع الفخار بغير آلة. فإن عملها باليد وبغير آلة، أمر يكاد يكون صعباً. وكل الخزف الذي عثر عليه، يدل على أنه صنع بآلة ؛ لأنه على شكل منتظم. والآلة التي يستخدمها الخزاف في صناعته، هي دولاب يدير قرصاً من الخشب، يوضع عليه الطين ثم يحرك، فيدور القرص ويدور الطين الذي عليه معه، ويعالجه الخزاف بيده ليعطيه الشكل الذي يريده. ولصنع خزف جيد لا بد من العناية بالطين، فيختار ترابه من تربة جيدة خالية من الأملاح والرمال، ثم يعجن بعناية، ويترك مدة ليختمر جيداً. وإلا كان الخزف رديئاً. وقد يدهن الخزف بعد جفافه بدهن ملون أو ينقش بنقوش، ثم يفخر بالنار.
واستخدم "الأتون"، لتحويل المواد التي صنعها الخزاف من الطين الى خزف. والأتون هو "كورة" في أسفله موقد توقد فيه النيران، فيرتفع لهيبها وتصعد حرارتها من خلال فتحات تكون في قاع الأتون الذي هو سقف الموقد إلى أعلى مارة بين مصنوعات الطين الموضوعة في باطن الأتون لتشويها فتتحول بذلك إلى خزف وفخار. وتكون الأتونات مرتفعة لها فتحة في أعلاها وفتحة في الجانب تغلق أثناء العمل، وتفتح بعد نضوج الخزف والفخار. ولا يزال الخزافون والفخارون يصنعون بضاعتهم بهذه الأتونات على النحو المذكور. ويذكر علماء العربية أن الأتون لفظة معربة. وأنها تطلق على أخدود الجبار والجصاص وأتون الحمّام.
وقد كان الجاهليون يدهنون الجرار أحياناً، لسدّ مساماتها لمنع السوائل من السيلان منها، فكانوا يضعون النبيذ فيها مثلاً والسمن وامثالهما. وصانعها هو الجرّار. وقد كان أهل يثرب يحملون الخمر في جرار حمر، يطلقون عليها اسم "الحنتمة"، و ذكر إن "الحنتم" الخزف الأخضر أو كل خزف. وورد: الحنتم جرار مدهونة خضر كانت تحمل إلى المدينة فيها الخمر ثم اتسع فيها فقيل للخزف كله حنتم. وقد نهي عن الدباء والحنتم. وانما نهي عن الانتباذ فيها لأنها تسرع الشدة فيها لأجل دهنها. وقد أشير إليها في شعر للنعمان بن عدي: من مبلغ الحسناء أن حليلهـا بميسان يسقى من رخام وحنتم
وطالما استعملت الجرار لخزن الأشياء النفيسة فيها مثل الذهب والنقود والحلي وما شاكل ذلك، إذ توضع هذه الأشياء في داخل جرة ثم تسد وتدفن حتى لا يقف عليها اللصوص والطامعون في المال. وقد عثر الجاهليون والمسلمون على كنوز كانت مخبأة في جرار طمرت تحت التراب.
والقلال من صنع الخزاف. وعرفت القلة بأنها الحب العظيم، وقيل الجرة العظيمة، أو الجرة عامة. وقيل الكوز الصغير. وذكر انها إناء للعرب كالجرة الكبيرة، إلى غير ذلك من آراء، يظهر من غربلتها إن القلُة جرة كبيرة، بدليل ما ورد عنها في الحديث من اشارات تفيد كلها إن القُلة كبيرة. وقد اشتهرت "هجر" بقلالها، فقيل "قلال هجر". وهجر قرية قريبة من المدينة،وليست هجر البحرين. وكانت تعمل بها القلال. واشتهرت الأحساء بقلالها أيضاً.
وعرف "الحُب" بالجرة الضخمة وبالحابية، وبأنه الذي يجعل فيه الماء. وذكروا أنه فارسي معرب. وعرفوا "الخابية" بالحُب، سمي بالخابية لأنه يستر الشيء ويخفيه.
وقد عثر المنقبون على قلل وجرار وكؤوس من خزف، وجدت على بعضها كتابات، عثر على كثير منها في المقابر، مما يدل على أنها دفنت مع الموتى في القبر. وقد يستنتج من ذلك أن أصحاب الموتى كانوا يتصورون أن موتاهم سيحتاجون اليها فى حياتهم الثانية لشرب الماء بها، ولذلك دفنوها معهم، وقد يدل دفنها معهم، على أنهم أرادوا بذلك وضع ما كان يستعمله الميت في حياته لإظهار تقديرهم للميت، وأنهم يتنازلون عنها إليهم، ولذلك دفنوا معه حليّه وسلاحه وما كان عزيزاً عنده، فقد عثر في المقابر على رؤوس حراب، وعلى سيوف وخناجر، وسكاكين، ولا يعقل دفن هذه الأشياء مع الميت وفي قبره عبثاً، بل لابد وأن يكون لهم رأي فيه.
وقد استعملوا القدور المصنوعة من الحجر. كقدور "البُرَم" المصنوعة من حجر صلد قوي يستخرج من موضع يسمى "المعدي" لا يبعد كثيراً عن الطائف.
والأعراب أقل من أهل المدر استعمالاً للفخار، وذلك بسبب وضعة وطبيعة حياته، فالفخار ثقيل وهو سهل الكسر، ويجب بذل عناية في حفظه، وحياة الأعرابي حياة تنقل، ولا توجد لديه أوعية لحفظ الفخار من الكسر، ولهذا استخدم الأدوات المصنوعة من الجلود والمعدن والخشب بدلاً من الفخار.
ومن أواني الشرب "الراقود"، وهو دنّ، يسيع باطنه بالقار. وذكر "الجواليقي" إن اللفظ من الألفاظ الفارسية المعربة. و "القافزة"، وهي "القاقوزة"و "القازوزة". وهي مشربة أو قدح، أو الصغير من القوارير و الطاس.
ولابد أن يكون بين الجاهليين أناس تخصصوا بصنع الزجاج وعمله، فقد عثر على أواني معمولة من الزجاج وعلى قطع زجاج. وقد ذكر علماء اللغة أسماء أدوات من الزجاج، مثل "الباطية"، وهو إناء واسع الأعلى ضيق الأسفل. وذكر بعض العلماء أن الباطية شيئ من الزجاج عظيم، يملأ من الشراب ويوضع.
بين الشَّرب يغرفون منها وهو "الناجود" على رأي بعض علماء اللغة. وتصنع الأقداح والقوارير والقناديل والأسرجة من الزجاج أيضاً، والمصباح، هو السراج يصنع من الزجاج كذلك، وفيه موضع لوضع الفتيلة عليه، لتأخذ وقودها الذي يساعد على إدامة اشتعالها منه. وهذا الوقود هو الزيت.
وقد ذكر الزجاج في القرآن الكريم: )مثل نوره كمشكاة فيها مصباح،المصباح في زجاجة، الزجاجة كأنها كوكب درّي يوقد من شجرة مباركة(. وذكر علماء اللغة أن الزجاج: القوارير، وان الزجاجة القنديل. وأن القوارير: أواني من زجاج في بياض الفضة لصفائها.
والمصباح: السراج، وهو قرطه الذي تراه في القنديل وغيره. وعرف السراج، بأنه المصباح الزاهر الذي يسرج بالليل، والمسرجة الي فيها الفتيل. و "القنديل"، لفظة معربة، عربت عن اللاتينية من لفظة Candel.
وتعني مصباح وسراج ونبراس. وتقابل لفظة "نبراس" لفظة "نبرشتا" Nebrastha في لغة بني إرم. ولفظة "منوراه" "منوره" Manorah في العبرانية.
والقنديل، لفظة أعجمية تخصصت بالمصابيح المحمولة. وقد يعلق القنديل وقد يتصل برجل تحمله. وتقابله لفظة "نبرشتا" في لغة بني إرم. أي "النبراس" في عربيتنا. و "منوره" "مينوره" في العبرانية. وقد أشير إلى القناديل في التوراة. وتستعمل في المعابد وفي بيوت الأغنياء. وقد تصنع من الذهب والفضة والبرونز، على أشكال متنوعة.
ومن مصنوعات الزجاج "المرآة". وهي "مرات" في العبرانية أيضاً. وقد صنعت من المعادن المصقولة كذلك. مثل النحاس. ووردت في التوراة لفظة "هجلونيم" فسرت بمعنى "مرآة اليد"، وتعني "المجلاة" في عربيتنا. والكأس، هو إناء الشرب، يشرب به. ويصنع من مواد مختلفة فقد يكون من الزجاج وقد يكون من معدن مثل الذهب أو الفضة أو الحديد وقد يكون من فخار. ويقال له "كوس" عند العبرانيين. وقد ينقش ويحلى بزخارف وباللؤلؤ والحجارة الكريمة. وقد ذكر "الكأس" في القرآن الكريم.
والراووق، المصفاة، وقيل: الباطية والناجود. وذكر بعض علماء اللغة إن الراووق الكأس. وقد وردت اللفظة في شعر لعدي بن زيد العبادي: قدمته على عقار كعين الديك صفى سلافَـهُ الـراووقُ
وقد عرف أهل العربية الجنوبية "البلور" لوجوده في اليمن وفي أماكن أخرى. وهم يستخرجونه من نوع خاص من الحجر ويصقلونه بعناية، والغالب عليه اللون الأبيض غير إن بعضه ذو الوان اخرى، هو لون الحجر الذي أخذ منه.
الموضوع الأصلى من هنا: موسوعة طعس العربيه http://www.t3as.com/vb/t42703-12.html#post154082
ولا يزال أهل اليمن يمارسون صقل الحجارة الكريمة التي يستخرجونها من بعض الجبال، مستعملين في ذلك الماء والتراب الناعم على حجارة رملية ويصنعونها بأشكال مختلفة ويستعملونها في صنع الحلي. وهي ذوات ألوان متعددة: بيِض وسوُد وخُضر وزرق وصفر وحمر، ومنها ما يجمع عدة ألوان متمازجة. ويعد جبل نقم وجبل الغراس من أهم المواطن التي تستخرج منها مثل هذه الحجارة على مقربة من صنعاء.
وقد عُني العرب الجنوبيون بشق الطرق وتمهيدها، وبعمل القناطر والجسور وقد بلّطوا بعض الطرق بالحجارة وبمادة تشبه "السمنت"، وترى اليوم بقايا قناطر عملوها في الأودية للعبور عليها، وقد دمر الكثير منها بسبب الحروب والاهمال.
ونرى في الصورة بقايا قنطرة جاهلية وقد تطرق اليها الخراب من كبر العمر. و قد عملت على وادٍ يفصل بين الجبال.
ريم âيه ôîًَىà   رد مع اقتباس
قديم 10-02-2007, 08:34 AM   #119 (permalink)
عضو
 
تاريخ التسجيل: Mar 2007
العمر: 27
المشاركات: 3,982
Rep Power: 349
ريم will become famous soon enough ريم will become famous soon enough
الفصل التاسع عشر بعد المئة

الفصل التاسع عشر بعد المئة
الفنون الجميلة





وبين الآثار التي عثر عليها الرحالون، أو نقلت إلى بعض متاحف الغرب، عدد من التماثيل والصور المنحوتة على الحجارة، وهي قليلة في الوقت الحاضر لا تعطينا فكرة واضحة عن الفن العربي الجنوبي، وبعضها يمثل فناً عربياً جنوبياً أصيلاً، فلا يشبه المنحوتات اليونانية أو الرومانية، أو المصرية، أو الايرانية، أو غيرها، وبعض آخر له شبه بفن بعض هذه الشعوب، مما حمل المستشرقين على أن يذهبوا إلى أن هذا التشابه هو نتيجة تقليد ومحاكاة لذلك الفن.
ونلاحظ على هذا التمثال الذي عثر عليه في مقبرة قديمة عند "تمنع" عاصمة "قتبان"، ويعود عهده إلى القرن الأول أو الثاني قبل الميلاد، إن المثَّال حاول جَهد إمكانه اعطاء تمثاله الذي صنعه طابعاً عربياً جنوبياً، لكنه لم يتمكن من ذلك، وقد دوّن في أسفله إسم صاحبه، وهو "جبا ام هنعمت"، "جبأ أوام هنعمت".
ومن الصعب إصدار حكم عام على الفن العربي الجنوبي استناداً الى هذه التماثيل والصور المنحوتة أو البارزة، لأنها قليلة غير مغنية وغير كافية لإصدار حكم في هذا الموضوع، ثم هي من صنع أيد متعددة، فيها أيدٍ قوية ذات موهبة، وفيها أيدِ ضعيفة إنتاجها بدائي يشبه فن البدائيين، لاتناسق فيه ولا تناسب بين الأجزاء. وقد نشأ ذلك بالطبع عن تفاوت مواهب المشتغلين بهذه الصناعات وعن وجود أناس اتخذوا الحفر في المرمر حرفة يتكسبون بها، وقد يكون لأنهم ورثوا تلك الحرفة، فاشتغلوا بها، مع عدم وجود قابليات فنية لديهم.
وقد عبر عن النحات، أي المثال الذي يصنع التماثيل بلفظة "هصنع"، أي الصانع في اللغة اللحيانية. ويعبر عن صنع التمثال بلفظة "نحت"، أي حسب تعبيرنا عن نحت التماثيل في الوقت الحاضر0 و تطلق لفظة "هصنع" على الرسام كذلك وعلى المعمار.
ويلاحظ أن الفن العربي الجنوبي مثل أكثر الفنون الشرقية الأخرى،لا تجاري الفن اليوناني في هيأة الجسم في موضوع إبراز جماله. فإذا ما نظرت إلى تمثال أو صورة بارزة أو حفر عربي جنوبي، ترى فرقاً واضحاً بين عمل الفنان في هذه الصور وعمل الفنان الهلليني اليوناني المعاصر له. ففي عمل هذا الأخير نرى عملاً فنياً جميلاً راقياً، يبرز جمال الفن وروحية "الفنان"، وهو عمل يقرب القطعة المعمولة إلى قلبك، ويجعلها تؤثر فيك تأثيراً عميقاً، على حين لا نرى مثل هذا الإبداع في الفنون الشرقية في الغالب.
وفي الفن اليوناني تناسق وتناسب بين الأجزاء. راعى الفنان فيه النسب الطبيعية للجسم فمثلها في تماثيله، وأظهرها بمظهر يشعرك بقوه فنه وبتمكنه من التعبير عن أحاسيسه. أما الفن الجاهلي، عموماً عربي جنوبي أو من موضع آخر، فإنه لم يتمكن من تحقيق هذا التناسق ولا النسب ولا الاتساق والتوازن بين الأعضاء. ولم يتمكن الفنان مع كل ما بذله من جهد من اظهار الجمال الفني على القطع التي صنعها، ولا من اعطائها حياة ودماً وروحا أخاذة تجعلك تشعر انك امام فنان عبر عن إدراكه الفني وعن الحس الذي يشعر به احسن تعبير باية طريقة أو مدرسة من مدارس الفن. وبأية وسيلة من وسائل التعبير عن الذوق الفني الذي تملك الفنان فجعله يعبر عنه بطريقته التعبيرية الخاصة بهذا الانتاج المجسم لروحه والذي نسميه الفن.
ولا تملك المتاحف في الوقت الحاضر تماثيل جاهلية بالحجم الطبيعي للانسان.
ويظهر إن اعتبار كثير من الناس للتماثيل أصناماً قد أدى بهم إلى اتلافها والقضاء عليها. وهناك أمثلة عديدة تؤيد هذا الرأي ذكرها القدامى والمحدثون. بل إن هذه النظرة لا تزال عند البعض. ثم إن الناس لم يكونوا يدركون قيمة الأثر في حفظ تأريخ أمتهم، ولهذا فلم يكونوا يهتمون بالتماثيل ولا بالأحجار المكتوبة ولا بكل أثر من الآثار. وتوجد اليوم قطع تماثيل يظهر انها من تماثيل حطمها الإنسان بيده وهشمها بنفسه، إما للقضاء على معالم الوثنية المتجسمة في نظره في هذا التمثال، وإما للاستفادة من أحجاره في أغراض البناء أو أغراض أخرى تفيده.
ومن بينها رؤوس تماثيل أو أقدام تمثال، أو جسم تمثال بلا رأس ولا أرجل.
أما التماثيل الصغيرة، فقد وصل عدد منها دون أن يمسها أي سوء. وقد استخرج عدد منها من باطن الأرض، استخرجه المنقبون والمواطنون الذين أخذوا يحفرون التلول الأثرية للبحث عن أثر يبيعونه لتجار العاديات. ونجد فى دور المتاحف وعند جماع العاديات عدداً منها.
ومن بين التماثيل الكاملة التي تستحق الدراسة والانتباه ثلاثة تماثيل لملوك من مملكة "أوسان". يبلغ ارتفاع احداها "89" سنتمتراً. وقد نحتت من المرمر.
وهي تمثل مرحلة من مراحل التطور في فن النحت عند العرب الجنوبيين. وقد حاول النحات جهد امكانه بذل أقصى ما عنده من فن وقابلية وموهبة في اعطاء هؤلاء الملوك ما يليق بهم من جلال ووقار ومظهر، وإبراز ملامحهم وملابسهم، ولكنه فشل في نواحٍ ووفق قدر استطاعته في نواحٍ. وقد نحت شعر الرأس وجعله متدلياً طويلاً مجعداً. وجعل للتماثيل قواعد استقرت عليها، دوّن عليها أسماء أصحابها. وقد اختلف الباحثون الذين بحثوا في خصائص النحت البارزة على هذه التماثيل في تقدير عمرها، فذهب بعض منهم إلى أنها ترجع إلى القرن السادس أو إلى القرن الخامس قبل الميلاد، وذهب بعض منهم إلى أنها ترجع الى القرن الأول قبل الميلاد، بينما رأى آخرون أنها من نحت القرن الأول بعد الميلاد.
وهناك تماثيل صغيرة لرجال ونساء وأطفال بعضها من حجر وبعضها من معدن تكشف لنا عن عادات وتقاليد المجتمع في ذلك العهد. في مثل الكشف عن الحلي التي كانوا يحلوّن بها جيد المرأة وعنقها، أو التي تحلى بها الأيدي أو الأرجل، كما تكشف بعضها عن ملابس المرأة والرجل والأطفال في تلك الأوقات، ولهذا فإن لهذه التماثيل أهمية كبيرة لا من الناحية الفنية حسب، بل من الناحية التأريخية أيضاً لأنها تتحدث عن العوائد الاجتماعية كذلك.
وتعبر بعض شواخص القبور عن شعور الحزن والاسى في نفس من أمر بحفر تلك الشواخص أو نحتها. فقد حرص صانعها على أن تكون معبرة عن المناسبة التي عملت من أجلها على أكمل وجه. واكملها برموز و إشارات دينية لها صلة وعلاقة بالحياة الثانية، وتزيد في فوائد هذه الشواخص بالنسبة لعمل الباحث، التماثيل التي وضعت مع الميت في قبره، لتعبر عنه. فهي تعبير آخر عن هذا الشعور المؤسف في شكل آخر من أشكال الفن.
وقد كانت العادة آنذاك، دفن تماثيل مع الموتى، أو صوراً محفورة على الصخر، فقد عثر في مصر وفي الجاز وفي بلاد الشام على مثل هذه التماثيل مدفونة في القبور، على مقربة من الأجداث. بعضها تماثيل رجال وبعضها تماثيل أطفال، ومن النادر تماثيل نساء، ولعل ذلك بسبب النظرة الاجتماعية التي كانت سائدة في ذلك العهد، من إعطاء الأولوية للرجل في المجتمع ثم للأولاد الذكور.
ونرى في هذه الصورة رأس رجل عربي جنوبي، حفر النحات عيني الرجل حفراً، وجعلها واسعة، فبدتا وكأنهما قد قلعتا، وأوصل اللحية بشعر الرأس، حتى أحاط الشعر بالرأس والوجه، وصار كأنه هالة. أما الفم، فصغير مفتوح، ولم يتمكن النحات من حفره حفراً يقارب الطبيبة، ولم يتمكن كذلك من إبراز معالم الأنف. أما الجبين فأملس، وأما الوجنتان، فملساوان كذلك، وأما الحجر المنحوت، فمن الرخام.
وإذا قارنت هذا التمثال والتماثيل العربية الجنوبية بالتماثيل اليونانية، أو بالتماثيل اليونانية التي عثر عليها في جزيرة "فيلكا" في الكويت، تجد فرقاً عظيماً من النواحي الفنية، فالفنان اليوناني له إدراك عظيم للقيم الفنية، له قدرة عظيمة على إبراز الملامح، وفي تقدير النسب بين الملامح وأعضاء الجسد، ثم هو متمكن تماماً من كيفية إظهار الحاجبين وحفر الأنف، و إبراز العينين. ومع مرور مئات السنين على الفن اليوناني، فإنك تستطيع أن تجد فيه حتى يومنا هذا الإبداع والجمال والاتساق والانسجام. خذ هذه الصورة، التي هي تمثال من الطين المحروق، عثر عليه في جزيرة فيلكا، ويعود عهده إلى حوالي "200" سنة قيل الميلاد، ثم قارنه بصور التماثيل التي عثر عليها في العربية الجنوبية ترى فرقاً كبيراً جداً بين الفنين.
ولكننا نجد مع ذلك في الفن العربي الجنوبي، محاولة نستحق التقدير، تظهر في طموح الفنان العربي الجنوبي ورغبته جهد إمكانه في إظهار شخصيته ومواهبه الفنية، وهو لو وجد التقدير الذي كانت يظهره اليونان للفن، لأبدع ولا شك إبداعاً كبيراً في عمله الفني.
وقد عبر الفنان العربي الجنوبي عن مشاعره بطريقة أخرى، هي طريقة الحفر على الحجر أو المعدن أو الخشب أو أية مادة أخرى يمكن الحفر عليها. وذلك بطريقتين: طريقة الحفر أي نقش الصورة أو ما يراد تخليد أثره على المادة حفراً كأن تحفر صورة إنسان أو حيوان حفراً عليها بأن تجعل معالم الصورة محفورة حفراً، عميقاً نازلاً في تلك المادة. فالحفر في هذه الحالة هو رسم محفور. وطريقة الحفر البارز، وذلك بجعل الأثر المراد تخليده بارزاً ظاهراً فوق سطح المادة التي حفر عليها. وذلك بأن يؤشر معالم ما يراد تخليده ويرسم، ثم يحفر ما حوله من سطح المادة التي رسم عليه، فتبرز الصورة وترتفع بهذا الحفر عن سطح تلك المادة.
وعثر على عدد من تماثيل الحيوانات، نحتت من المرمر ومن أحجار أخرى، فعثر على تمثال بقرة، وعثرت بعثة "وندل فيلبس"على تماثيل ثيران في خرائب مأرب. كما عثر بعض الباحثين على تماثيل أسود أو خيل. وقد تمكن الفنان من التعبير عن موهبته الفنية في بعض المنحوتات، وأجاد في إبراز مظاهر بعض أعضاء جسم تلك الحيوانات التي نحتها. وقد وصلت بعض هذه التماثيل وهي مهشمة، وقد فقدت بعض منها بعض أجزاء جسمها، فأضاع هذا الفقدان على الباحثين امكانية اعطاء رأي فني علمي عن هذه المنحوتات.
ومن الصعاب التي اعترضت "الفنان" العربي الجنوبي مسألهّ التعبير عن
الحركات، ورسم الأشياء المتجاورة، والتمييز بين البعيد والقريب، والتفريق بين المنازل الاجتماعية، كالسيدة المصون صاحبة البيت وبين خادمتها. وهي مشكلات تواجه كل فنان، ولا يتغلب عليها بالطبع إلا من له قدرة وعلم بالتصوير والنحت. ومن جملة النواقص التي نلاحظها على الصور المحفورة أن أكثر القطع المحفورة لم تتمكن من التنسيق بين وضع صاحب الصورة. فبينما نجد الوجه مثلاً وهو متجه إلى الأمام، كأن صاحبها ينظر اليك، نرى الساقين والقدمين جانبيتين وهذا الوضع لا يتناسب بالطبع مع وضع القسم الأعلى من الجسم.
وقد نشأت عن صعوبة التعبير عن الأشياء المتجاورة، مثل رسم ثورين متجاورين يجران محراثاً، أو فرسين مربوطين معاً في محراث، مشكلة لم يتمكنوا من التغلب عليها، فلجأوا الى طريقة بدائية في الغالب، يتحدث وضعها عن هذا العجز، هو رسم أحد الحيوانين مثلاً، وكأنه تحت الحيوان الثاني المجاور له، و ذلك كما نرى في الصورة التي يمثل فلاحاً يحرثه ويجرّ محراثه ثوران، فوضع الفنان الثور الجانبي الأيمن فوق الثور الجانبي الآيسر، ظاناً إن ذلك قد عبر عن هذا الوضع، فبدا الثوران وكأن أحدهما قد ركب الآخر.
وقد عثر على لوح يمثل وجه انسان مستدير، رسم كأنه مع الجبين دائرة كاملة. وقد حفر الشعر على صورة قوس يكاد يحيط بالوجه إلا الحنك، وقد برز الشعر متموجاً، وقد فصلت بين الأمواج قواطع جعلت الشعر خصلاً. أما العينان فصغيرتان بالنسبة إلى الأنف. وبدا الفم مقفلاً وقد حلق صاحب الرأس ذقنه، وترك له شاربين طويلين يتصلان بالشعر المتدلي من الرأس. أما الأذنان فقد اختفتا تحت الشعر ولا أثر لهما في الصورة. والرقبة غليظة وقد أحاطت بها حيتان ارتفعتا إلى أعلى على هيأة قوس. ويظهر في هذه الصورة أثر الفن الساساني.
وقد عبر النحات عن تجعد شعر الرأس بحفره بصورة تشعرك انه يعبر عن شعر متجعد. وذلك بإحداث ثغرات تظهر الشعر وكأنه عقد، وقد جعله متدلياً إلى الكتفين، أو نازلاً على الجبين حتى الحاجبين، ولأجل أن يريك العينين وكأنهما في صورة طبيعية وضع أحجاراً ملونة أو أصباغا في بعض الأحيان على باطن العين لتظهر التمثال وكأنه بعينين حقيقيتين. تنظران إلى الأشخاص.
وحال حفر الأزهار وعناقيد العنب ورؤوس الحيوانات وبعض الكروم هي خير من حيث الإجادة من تصاوير الإنسان أو الحيوانات كاملاَ. وقد عثر على قطع رسمت فيها التيوس وهي من الحيوانات الكثيرة في اليمن، وقد رسمت بصورة تتمثل فيها القوة والحيوية.
وقد استعمل العرب الجنوبيون الكروم كثيراً للزخرفة، ولا يستبعد ذلك منهم فالكروم من النباتات المحبوبة الكثيرة في اليمن. وقد درّت عليهم أرباحاً طائلة واستعملت للاكل وللشرب. وهي تعطي نبيذاً طيباً وخمراً مشهوراً. فلا غرابة إذا ما استعملوه بكثرة للزينة، يحفرون صوره في اطارات الألواح أو الصور، أو يكبسون صوره في الجبس.
وعثر على قطع فنية نفيسة، من الحجر النفيس الغالي المحفور،أي من الأحجار الكريمة، حفرت عليها صور ذات صلة بالأساطير الدينية، مثل القطعة النفيسة المحفوظة في المتحف البريطاني، ويظهر انها من صنع فنان قتباني، حفر عليها أيلين أو وعلين وقد وقف كل واحد منهما على جانب، وقفا على القدمين الخلفيتين ورفعا القدمين الأماميتين إلى أعلى، وصور النحات القدم المقابل للشخص الذي يقابل القطعة أو ينظر اليها وقد عقف، أي بوضع منحن. أما القدم المقابل للقدم المعقوف، فلم يتمكن النحات من اعطائها الوضع الصحيح، ونجد رأسي الحيوانين وقد اتجها إلى الداخل، فكأنهما يريدان الكلام مع بعضهما أو الالتقاء، ولاظهار قرني الحيوانين معقوفين، نحت النحات عليها نحوتاً على شكل "الجزر"، أو الورق الرفيع. ووضع للحيوانين ذيلين قصيرين، وقد جعل آلة الذكر للحيوانين منتصبتين، وجعل تحت القدم المرتفع لكل حيوان رمزاً، له فم مفتوح متصل برقبة أو بجسم ينتهي بدائرة صغيرة، ثم بما يشبه كرة قائمة على ثلاثة أرجل. ووضع بين الحيوانين "طغراء" قراءته: "اب عم"، "ابي عم"، أي "أبى" "عم" إله قتبان.
وبين الأحجار الكريمة المحفورة التي عثر عليها في خرائب اليمن. أحجار أصلها من العراق ومصر ومن أحجار يونانية من أيام القياصرة ومن العصور الهيلينية، وقد نحتت على بعض منها حروف بالمسند المعبرة عن بعض المعاني الدينية أو عن أسماء أصحابها. وهي تستعمل خاتماً في الأصابع، وتختم بها الوثائق والرسائل.
وقد وضعوا "الدُّمى" على ألواح الأبواب، إما للزينة، وإما لدفع الشر والأذى أو للتبرك والتقرب. وقد قيل إن "الدمية" الصورة المصورة أو الصنم. وقد عرفوا "الدمية" بالصورة وبالصنم وبالصورة المنقشة بالعاج، ونحوه. وعرّفوها أيضاً بالصورة المصورة لأنها يتأنق في صنعتها ويبالغ في تحسينها.
وقد اتخذ العرب الجنوبيون من الحجر أثاثاً لهم، فنحتوا منه أسرّة وعروشاً.
وقد عثر على قطع من المرمر، هي من بقايا عروش أو كراسي عملت لبعض الأغنياء. وعثر على كراسي مصنوعة من أحجار أخرى. كما عثر على صناديق صنعت من حجر، وقد زوقت واجهاتها وزخرفت وحفرت عليها بعض الصور التي تمثل الأوراق والنباتات والأزهار والنوافذ أو واجهات البيوت.
واتخذوا من الحجارة مذابح Altars. وللمذابح مكانة في الطقوس الدينية ورسوم العبادة عند الجاهليين. ويقال لها: "مذبحت" و "مذبح" و "حردن". تذبح عليها حيوانات كبيرة مثل ثيران. وقد عثر على نماذج منها في مختلف المعابد. وقد زين بعض منها وزخرف.بصور حيوانات حفرت عليها أو نحتت كما حفرت عليها رموز لها علاقة بالعبادة والآلهة. وهي تفيدنا من هذه الناحية في الوقوف على فن الزخرف والنقش وعلى كل ما له من علاقة بالحياة الدينية عند الجاهليين.
وللمباخر والمجامر والمحارق أهمية أيضاً بالنسبة لمن يريد الوقوف على الفن الجاهلي. وقد عرفت المحارق ب "مصرب" و "مشود". وهي مواضع لحرق ما يقدم إلى المعبد من ضحايا عليها. وعرفت المجامر ب "مسلم"، وأما المبخرة، فهي "مقطر". وقد عثر على نماذج عديدة منها. وقد صنعت من مواد مختلفة من مرمر ومن معادن. مثل البرنز أو الذهب أو الفضة. وقد تفنن في صنعها، وبعضها مفتوح ليس له غطاء، وبعض آخر له غطاء. وقد نقش على بعض منها اسم الطيب الذي يحرق بالمجمرة، واسم صاحبها والمعبد أو الإله الذي خصصت به.
ولم يصل إلينا ويا للاسف من مصوغات الذهب والفضة شيء كثير. والصياغة صناعة اشتهر بها العرب الجنوبيون، حتى بالغ في ذلك بعض الكتاب اليونان، فأشاروا للى أوانٍ وأثاث وأدوات منزلية أخرى مصنوعة من الذهب والفضة.
ولكننا لم نر شيئاً مما ذكروا، ولم يروا هم ذلك أيضاً بالطبع، وإنما رووا ذلك عن طريق السماع.
وبعرف الذهب ب "ذهب" في العربيات الجنوبية. وأما الفضة، فيقال لها "صرف". وقد وردت أرض "شبا" في جملة الأماكن التي مونت العبرانيين بالذهب، حمله اليهم تجار "شبا".
وترد في الكتابات جمل مثل: "قدم تمثالاً من ذهب"، مما يدل على أن العرب الجنوبيين كانوا ينذرون إلى الهتهم إن منت عليهم وأجابت طلبهم بأن يقدموا لها نذراً هو تمثال من ذهب. غير أن الباحثين لم يعثروا حتى اليوم إلاّ على عدد محدود من تماثيل صيغت من ذهب، بل عثروا على تماثيل من البرنز. لذا ذهب بعضهم إلى إن العرب الجنوبيين قصدوا بكلمة "ذهبن"، أي "الذهب"، معدن البرنز، وذهب بعضهم إلى أنهم قصدوا معادن طليت بماء الذهب.
وفي جملة ما هو محفوظ من أعمال الصاغة، قلادة جميلة من الذهب عثر عليها في خرائب مدينة "تمنع" سبق أن وضعت صورتها قبل صفحات. وقلائد أخرى وصفائح من الذهب حفرت عليها صور بعض الحيوانات. كما عثر على معادن مطلية بطبقة من ذهب.
وقد وصلت قطع فنية نفيسة مصنوعة من المعادن، تدل على ذوق عال وعلى مهارة في الصنعة واتقان. من ذلك مصباح يضيء بالزيت، مصنوع من يتكئ على قاعدة. أما موضع الزيت، فينساب انسياباً جميلاً، وقد صنع بشكل متناسق، وارتفع فوق المصباح من الطرف العريض تمثال "ايل" جميل جداً ربطه بالصباح حزمة انفتحت عند اتصالها بالمصباح على هيئة أصابع يد. فلما ارتفعت، اتصل بعضها ببعض على هيأة ضفيرة، الى موضع اتصالها بالأيل. وقد انكسرت يدا الحيوان وكانت ممتدة. أما الرقبة والرأس والقرنان، فقد صنعت بدقة وبمهارة، وعلى الجملة القطعة تدل على تطور كبير في فن الصناعات اليدوية عند العرب الجنوبيين، وذلك كما نراه في الصورة المذكورة.
ونرى في قطعة أخرى مصنوعة من البرنز فناً وخيالاً، نرى رجلاً قد وضع على رأسه غطاءً يشبه الخوذة، وأمسك بيديه أسدين، فاليد اليمنى أمسكت بيد أسد، واليد اليسرى أمسكت بيد الأسد الأخر وقد أدار الأسدان رأسيهما إلى الجانبين، وكأنهما يتلويان من شدة القبض عليهما، وإن كانت لا يمثل أجزاء الأجسام تمثيلاً كاملاً، تعطي انطباعاً حسناً، وتعبر عن الفكرة تعبيراً طيباً.
وهنك قطعة مصنوعة من البرنز كذلك، تمثل منظراً رمزياً: ففي الوسط، راقص يشبه شكله شكل الشيطان في الأساطير، وقد اتصل فوق رأسه، وعلى الغطاء عمود يحمل طيرا ماداً جناحيه. ويقابل الطائر أيلان، انتصب كل أيل على جانب منا جاني الطير، و كأنهما يتقاتلان، ويحمل الأيلان حيوانين.
ونرى في هذه الصورة تمثالاً من البرنز لثور يرمز إلى الإلهَ القمر، وقد عثر عليه في "ظفار".
ونرى في هذه الصورة تمثال رجل صنع من النحاس، تظهر على شعر رأسه نتوءات بارزة كأنها الخرز، ربما يمثل زينة، أو تعبر عن شعر صاحبها المتموج. أما الوجه، فلا يمثل وجه أهل اليمن، بل كأنه بمثل وجهاً ل "بوذا"، أي وجهاً متأثراً بالفن الهندي الصيني القديم. الأنف فيه ضخم، والفم كبير، وقد غطى الجسيم بقميص له رأس يغطي الرقبة ويصل إلى الحنك، وتجد القميص مفتوحاً تحت الخصر، وأما أعلى القميص فمغلق، وقد شد على الخصر "خنجر" مستقيم، على طريقة أهل اليمن في حمل الخناجر إلى هذا اليوم، وقد مدّت اليد اليمنى إلى أعلى، وظهرت أصابع الكف واضحة مفصلة. أما اليد البسرى، فقد مدت إلى أعلى قليلاً، وكفها مقبوض، مكوناً ثقباً، يظهر أنه صنع لوضع عصا في الثقب، أو شيئاً آخر يرمز إلى سيادة ومنزلة اجتماعية. ونجد الجسم لا يتناسب مع ضخامة الرأس والكتفين، فهو ضئيل ضعيف. وفي الأذن صغيرة بالنسبة إلى الرأس. وقد وضعت في مقدم الشعر. ونرى إن الوجه عليق، مما يدل على أن بعض الناس كانوا يحلقون شعر أوجههم في تلك الأيام. وأما الرقبة فغليظة. وهناك قطع أخرى هي عبارة عن تماثيل بشر أو حيوانات مثل حيات أو جمال أو خيل أو جرذان وأمثال ذلك، وقد صنعت من البرنز كذلك، بعضها في غاية الجودة والاتقان. ومن بين هذه القطع المتقنة عصا انتهى طرف منها على هيأة أفعى، نرى فيها الأناقة والرشاقة، وعصا أخرى رأسها على هيئة حيّة وقد تدلى إلى أسفل. والقطعتان من الصناعات المتأخرة ومن أواخر أيام دولة حمير.
وبين القطع القديمة المصنوعة من البرنز، تمثال رجل ماش يبلغ ارتفاعه "93" سنتمتراً، رجله اليسرى متقدمة على اليمنى، ويرى القسم الاعلى من الجسيم عارياً إلا من جلد أسد أو فهد لف على الظهر، ويتصل طرفاه بالصدر. أما الوركان فقد غطيا بمئزر شد على الجسم بحزام عريض. وقد جعل المثّال الرأس وكأنه قد غطي بخوذة مجعدة، كناية عن الشعر، وقد تدلى على الجبين. ووضع شيئاً أشبه بالريشة للمحافظة على الشعر، وجعل للرجل لحية عبر عن تجاعيد شعرها بعقد. وجعل العينين واسعتين، اما الأنف فكبير ملتحم، وأما الفم فصغير. وأما الجسم عموماً، فهو نحيف. وقد عثر على هذا التمثال في المدخل المؤدي إلى "حرم بلقيس". ويرى بعض الباحثين أنه يعود إلى القرن السابع أو السادس قبل الميلاد. وأن صاحبه كان من كبار الموظفين في أيامه، وربما كان بدرجة حامل أختام الملك أو كاتم أسراره، وقد قدم التمثال تقربة ونذراً إلى الإلهه "المقه". ووجد اسم صاحبه مدوّناً على الكتف الأيسر منه، وهو "معدكرب" "معديكرب".
الموضوع الأصلى من هنا: موسوعة طعس العربيه http://www.t3as.com/vb/t42703-12.html#post154083
وبين التماثيل المصنوعة من البرنز تمثال امرأة وهي ترقص، وقد لبست فستاناً طويلاً يمتد على سروال، وكأنه يمثل الزي الفارسي القديم، المعروف في العراق، وقد أبدع صانع التمثال في عمله فجعله حياً ينبض بالحياة، وقد ضيق خصر المرأة، وجعل الساقين بعضها فوق بعض، ليأخذ جسمها وضع راقصة وهي في حالة رقص، كما ترى في هذا التمثال.
ونجد في مصنوعات المعادن مصنوعات تتحدث عن وجود اثر عراقي عليها، ومصنوعات أخرى تثير إلى وجود أثر مصري أو يوناني أو هندي عليها، وقد نسب بعض الباحثين وجود هذا الأثر إلى الصلات التجارية التي كانت تربط بين الأرضين المذكورة و بين العربية الجنوبية، كما نسبوه إلى اثر الرقيق المشترى من تلك البلاد والمستورد إلى العربية الجنوبية، حيث كلف بأداء الحرف اليدوية. وحيث أن هذا الرقيق كان من بلاد مختلفة، لهذا ظهر التنوع في هذه الصناعات.
ومن المصنوعات البرنزية التي يظهر عليها اثر الفن اليوناني مجموعة التماثيل التي عثر عليها في بيت "يفش" في خرائب "تمنع"، وتماثيل أخرى حفظت في متحف "صنعاء". وتمثالين لزنجيين عثر عليهما في موضع "نخلة الحمرا" "نخلة الحمراء" على مسافة خمسين كيلومتراً جنوب شرقي "صنعاء". وتماثيل أخرى لبعض الحيوانات، مثل تمثال حصان وتمثال آخر لأسد.
والتماثيل البرونزية التي عثر عليها في بيت "يفش" بمدينة "تمنع"، هي من الآثار المهمة التي عثر عليها في أرض قتبان. ونظراً للأثر "الهليني" البارز على جسم الأسد وعلى وجه راكبه المحافظ على الملامح اليونانية يرى الباحثون انها من القطع الفنية التي ربما يعود عهدها إلى القرن الأول للميلاد، حيث كان اليونان اذ ذاك يمخرون عباب البحار، وكان تجارهم ينقلون المصنوعات اليونانية إلى مختلف الأنحاء من العالم، لبيعها ولشراء ما يحتاجون إليه من النفائس التي لا توجد في بلاد اليونان وما وراءها. والظاهر إن الفنانين العرب، وقفوا على قطع فنية يونانية، فقلدوها وعملوا على صنع مثلها،وقد ضربوا على القاعدة الحروف المسند، الدالة على صاحب البيت. ومن هذه التماثيل تمثال أسد، امتطى على ظهره ولد بيده اليمنى لجام، وبيده اليسرى شيء يشبه القفل، وقد صنع الأسد وكأنه يريد الوثوب، وذلك كما تراه في الصورة. وقد قدّر تأريخ صنعه فيما بين السنة 75 و55 قبل الميلاد. ومنهم من يجعله بعد ذلك، أي في القرن الأول للميلاد.
وقد تبين من هذه التماثيل أن العرب الجنوبيين، كانوا ينتعلون نعالاً على نحو أنعلة هذا اليوم، وهي سميكة لتقاوم الأرض فلا تأكلها عند المشي، كما تبين لنا من دراسة هذه التماثيل أن بين ملابس العربية القديمة قبل الإسلام وبين ملابس العرب في اليمن وفي بقية العربية الجنوبية في الوقت الحاضر تشابه كبير. ومن الممكن في هذا اليوم عمل دراسة عن ملابس العرب الجنوبيين بالاستعانة بهذه التماثيل وبالصور المحفورة على الأحجار، التي تمثل مختلف طبقات المجتمع في ذلك العهد.
تمثالان صنعا من البرز، ويرى على التمثال أثر الفن "الهيليني" واضحا بارا.
من كتاب Qataban and Sheba )ص 189( أما الخشب المزخرف، فهو وجه آخر من أوجه الفن وأضرابه، وقد استعمل في البناء وفي أثاث البيت وفي صنع التماثيل والألواح المكتوبة وفي أغراض أخرى. وقد عثر المنقبون على نماذج منه. ولما كان الخشب معرضاً للتلف والهلاك أكثر من المعدن والحجر، لذلك فإن يد الطبيعة قد لعبت بالكثير منه، كما استعملته يد الإنسان قبل الإسلام وبعده في أمور أخرى غير الأمور التي خصصها أصحاب تلك الأخشاب لها، لذلك زالت معالم الكثير منها، واستعمل بعض منه في الوقود وفي اعمال البناء. ولا زلنا لا نملك نماذج من الأثاث المعمول من الخشب، مثل صناديق لحفظ الألبسة والأشياء الأخرى التي تحتاج إلى حفظ، وسرر منامة وكراسي وغير ذلك مما يستعمله الإنسان في حياته من مصنوعات الخشب.
إن الفنان العربي الجنوبي حاول جهد طاقته إظهار شخصيته في أعماله الفنية، وهو وإن كان قد حاكى غيره وقلده في بعض الأمور، غير أنه نجح في اعطاء فنه صورة المحيط الذي عاش فيه. فنرى السحنة اليمانية على وجوه بعض التماثيل، ولا سيما في أوجه الرجال. ونجد الطابع العربي الجنوبي يبرز على بعض المصنوعات. وسوف يزداد علمنا ولا شك في المستقبل بالفن العربي الجاهلي في المستقبل حين تهدأ الأحوال وتقوم البعثات العلمية بالحفر العلمي المنظم في جزيرة العرب، فربما يعثر على أعمال فنية تغير وجهة نظر العلماء المكتوبة عنه في هذا اليوم.
وأما الحديث عن الفن في الحجاز قبل الإسلام، فحديث مقتضب مختصر، لأن البحث العلمي لم يبدأ هناك حتى الان. فاقتصر علمنا عنه على ما ورد في الموارد الاسلامية وحدها. وما ورد في هذه الموارد هو اشارات عارضة ذكرت عرضاً في أحوال لا علاقة لها بالفن بل في البحث عن أمور أخرى، مثل: فتح مكة، حيث أشير إلى وجود تصاوير وأصنام في الكعبة، أمر الرسول بطمسها وازالة معالمها وبكسر كل ما كان هناك من أصنام، ومثل ما جاء في كتب الحديث والفقه عن "الصور والتماثيل" في باب النهي عنهما في الإسلام. وذلك يدل على إن بعض أهل مكة وسائر مواضع الحجاز الأخرى، كانوا يضعون الصور والتماثيل في بيوتهم، وان طائفة من الناس كانت تصوّر وتتعيش من بيع الصور، وأن طائفة أخرى كانت تنحت وتعمل التماثيل، وأن طائفة من النساجين والخياطين كانوا يجعلون صور انسان أو حيوان على الستائر أو الملابس لتزويقها، فنهى عن ذلك الإسلام.
ونحن لو أخذنا بروايات أهل مكة عن بناء الكعبة، خرجنا منها على أن الكعبة لم تكن عند ظهور الإسلام وبعد تعميرها الأخير قبل البعثة، شيئاً يذكر من ناحية الفن والهندسة المعمارية، فهي لم تكن سوى بيت مكعب، تحيط بحرمه البيوت، ولم يكن الحرم واسعاً وله سور، وانما كان ساحة مفتوحة تجاوز عليها أهل مكة، فأدخلوا جزءاً منها في بيوتهم، ولذلك اضطر الخلفاء إلى توسيعها، بشراء البيوت المجاورة وهدمها لاعادة ادخالها في الحرم. ونحن لا نجد اليوم أثراً باقياً على وضعه وحاله من آثار الجاهلية سوى "الحجر الأسود"، وبئر زمزم، أما الأشياء الأخرى مثل الكعبة، فإنها من بناء الإسلام.
أما بيوتها، فلا علم واضح لنا عنها، لأن أهل الأخبار لم يتحدثوا عنها حديثاً فيه إفاضة، وقد ورد في خبر إساءة الجوار لرسول الله، أن رسول الله كان يجلس تحت ظلة أمام باب داره، فكان جيرانه يرمونه بالحجارة، مما يدل على أنهم كانوا يبنون ظللاً على أبواب بيوتهم يجلسون تحتها على "دكة" ويستظلون بها من حرارة الشمس حين وقوفهم أمام الباب. ولا بد وأن تكون بيوت تجار مكة، من حجارة وكلس، وقد تكون من طابقين أو أكثر، ولكن الأخبار لا تتحدث بحديث مفصل عنها.
وفي أعالي الحجاز، آثار من بقايا أبنية ومن تماثيل وكتابات مكتوبة ومن تصاوير نقشت على الصخور، تعبر عن حالة النقّاش الذي نقشها، وهو من الأعراب. وفي جملة الصور مناظر إنسان يصيد غزالاً، أو يجاهد في قتل أسد أو حيوان مفترس، أو فارساً قد امتطى ظهر فرسه، أو مناظر قطعان حيوانات وحشية أو أليفة، وما شاكل ذلك من مناظر تمر على عيون الرعاة. وبعض هذه الصور مما يعود عهده إلى ما قبل الميلاد. وهي تستحق الدرس وتوجب على عشاق الفن دراسة النواحي الفنية والتعبيرية في هذه الصور المرسومة على الأحجار والصخور.
وفي المتحف البريطاني حجر، رمز إليه ب B.M.120928 كتب عليه بالحروف الصفوية "هف زبن بن أحرب" أي "هذا لزبان بن أحرب". وقد حفر صورة جمل تحت الكتابة، جعله لاعباً بذنبه، وله سنام ضخم لا يتناسب حجمه مع جسم الجمل، وله رقبة ورأس، أقرب إلى رقبة الزرافة ورأسها من رأس و رقبة الجمل. ولكن الرسم لا بأس به بصورة عامة، إذا أدركنا أن راسه من الأعراب الذين عاشوا قبل الإسلام.
ونجد في الأحجار الصفوية الأخرى، صور فرسان، وهم يتحاربون، أو يتسابقون، وصور خيل وحيوانات أخرى. وبعض هذه الصور في غاية من الاتقان والإبداع، وبعضها تمثل فناً بدائياً، لكنه يعبر عن وجود قابلية لدى راسمي هذه الصور الذين كانوا أعراباً يتنقلون في البوادي، وهم مع ذلك كتبة، لأننا نجد أسماء من رسم هذه الصور مكتوبة تحتها أو حولها لتدل عليهم.
واما العربية الشرقية، فقد عثرت البعثات التي نقبت بها على أعمال فنية عديدة، وقد عثر في "أبو ظبي" وفي أماكن أخرى من الخليج على آثار لم تكن معروفة من قبل. وقد أشرت في الأجزاء السابقة من هذا الكتاب إلى عثور المنقبين عن الآثار على آثار مهمة في البحرين وفي جزيرة "فيلكا" من جزر الكويت، وهي تشير إلى اثر الاختلاط الذي كان بين الهند، وفارس والروم والعراق وبين سكان الخليج، قبل الميلاد بعهود طويلة. ولا بد وأن تنبت في هذه الأرضين حضارة مختلطة، لأنها على ساحل البحر، وعلى طريق يعتبر من أهم طرق العالم في التجارة وفي المواصلات الدولية في القديم وفي الحديث.
وفي جملة ما عثر عليه في جزيرة "فيلكا" بقايا معبد يوناني، بناه جنود الاسكندر حين أقاموا واستقروا بها، وقد تمكنت البعثة "الدانماركية" التي نقبت في هذه الجزيرة من العثور عليه، ونظفت ساحته حتى ظهر على هذه الصورة التي تراها في الصفحة السابقة.
وفي جملة ما عثر عليه في جزيرة "فيلكا" نقود تعود إلى أيام "السلوقيين" خلفاء الاسكندر، وآثار اليونانيين الذين أقاموا في هذه الجزيرة منذ جاء جيش الاسكندر لفتح الهند. فاستقر قسم منهم بها وأنشأ معبداً فيها، عثر في أنقاضه على بقايا أعمدة حجرية استخدمت لرفع سقفه، يظهر عليها الأثر الهليني بكل وضوح، وعلى أحجار منقورة مزخرفة وعلى كتابات. وقد استخدم الحجر في أعمال البناء، كما ترى ذلك في الصورة المأخوذة لموضعه، بعد تنظيفه وإعادة دائرة الآثار والمتاحف في الكويت للاحجار الى مواضعها. كما عثر في هذه الجزيرة على جرار كثيرة تعود إلى العهد البرونزي، تشبه الجرار الخزفية التي لا زال الناس يستعملونها في مواضع متعددة من جزيرة العرب.
ومن أبدع ما عثر عليه في هذه الجزيرة، تمثال صغير من الطين المحروق يمثل "أفروديت"، يعود عهده إلى حوالي السنة "350" قبل الميلاد، وهو تاريخ انشاء هذا المعبد، ومخربشة جميلة، تمثل شجرة، يظهر انها كانت قد وضعت في أعلى واجهة المعبد. وتمثال رأس الاسكندر، تحيط به الهالة، وتمثال آخر، صنع من الطين المحروق، وعدد كبير من الأختام، حفرت عليها مناظر مختلفة، فيها صور حيوانات، يعود عهدها إلى القرن الثالث قبل الميلاد.
أما علم الفن العربي في العراق، فنحن لا نستطيع أن نتكلم عنه إلا بإيجاز مخل، وسبب ذلك، أن الحيرة التي كانت عاصمة المناذرة، والتي كانت من أكبر المستوطنات العربية، هدمت في الفتح الإسلامي وما بعده لاستخدام طابوقها وأخشابها في بناء "الكوفة". فقد بني مسجد الكوفة بأنقاض قصور الحيرة، فزالت بذلك معالم تلك المدينة، ولم يبق منها أي شيء بتوالي الأيام.
ويظهر من الأخبار الواردة في كتب أهل الأخبار، أن اهل الحيرة كانوا يتخذون "إيواناً" في قصورهم. يجعلونه موضعاً يجلسون فيه. عرف بالإيوان الحيري. وقد كانوا يزخرفون الجدر باستعمال "الآجر" المزخرف. كما كانوا يطلون الجدر على الطريقة العراقية القديمة بطبقة من "الجص"، ليظهر أملس أبيض، وكانوا يطلون الجدر الخارجية للبيوت بهذه الطبقة، ومن هنا ?? بدت مدينتهم وكأنها مدينة بيضاء، فقيل لها الحيرة البيضاء.
???????? ????التصوير
وقد عثر المنقبون والباحثون عن الآثار القديمة على رسوم بشر وحيوان ونبات نقشها الجاهليون على الصخور والحجارة، يرمز بعض منها إلى أمور دينية وأساطير قديمة. ويعبر البعض الاخر عن مواهب فنية عند حافري هذه الصور، وعلى مقدرة تقدر في الرسم، وعلى وجود ميول فطرية عند أصحابها في الفن، وفي محاولة إبراز العواطف النفسية والتعابير بلغة فنية يفهمها كل إنسان، هي لغة الرسم والنقش.
وفي أخبار أهل الأخبار إن أهل الجاهلية كانوا يتقربون إلى الصور،كما كانوا يزينون بيوتهم بالصور وبالنسيج المصور، كما كانوا يستعملون ستائر ذات صور، ويلبسون ملابس ذات صور ورسوم. ولما فتح الرسول مكة، أمر بتحطيم ما كان بها من أصنام وأوثان. وقد ذكر أهل الأخبار، انه كانت في الكعبة حمامة من عيدان فكسرها بيده ثم طرحها، ثم وجد صور الملائكة وغيرهم، فرأى ابراهيم مصوراً في يده الأزلام يستقسم بها، وصورة عيسى بن مريم وأمه، وصورة الملائكة أجمعين. فأمر الرسول بطمس تلك الصور، فغسلت بالماء، ومسحت بثوب بلّ بالماء، فطمست، إلا صورة عيسى بن مريم وأمه، إذ أمر الرسول بابقائها كما تقول الروايات، فبقيت إلى ايام "عبد الله بن الزبير"، فلما تهدم البيت، تهدمت الصورة معه.
وفي شعر "امرى القيس" اشارة إلى التصوير. ففي البيت: بلى ربّ يومٍ قد لهوت وليلة بآنسة كأنها خط تمـثـال
اشارة إلى التصوير. فالخط، الكتابة والرسم، والتمثال الصورة، والصنم، أي التمثال المجسد. والتماثيل الصور. وقد كانوا يصورون الصور ويرسمونها قبل الإسلام.
ولكننا لا نملك اليوم صوراً زيتية أو صوراً أخرى مرسومة بالألوان أو بالحبر أو الصبغ الأسود على أدم أو قراطيس، أو الواح، فإن مثل هذه الصور لا يمكن إن تعمر طويلاّ تحت الأتربة لذلك تبلى ولا استبعد احتمال عثور المنقبين في المستقبل على مثل هذه الصور، لما ذكرته من وجود الصور والتصوير عند الجاهليين.
وقد كان الجاهليون يقتنون الصور يضعونها في بيوتهم للزينة، كما كان هناك مصورون يعيشون من بيع الصور التي يرسمونها، وصناع تماثيل، ينحتونها أو يعملونها بالقوالب بجعل عجين الجبس فيها، فإذا جفّ أخذ شكل التمثال، فيباع. وقد أشير إلى التصوير وصنع التماثيل في الحديث، بمناسبة ما ورد فيه من كره الإسلام للتصوير، أو تحريمه كما ذهب إليه البعض، فقد كره في الإسلام تصوير كل ذي روح، مثل تصوير إنسان أو حيوان، وكره بيع المصورات، واتخاذ التصوير حرفة يتعيش منها. وقد سأل بعض المصورين "ابن عباس" رأيه في التصوير، وهي حرفته التي كان يتعيش منها، فنهاه عنها، إلا إذا صور شجراً أو شيئاً لا روح فيه. وكانت معيشة هذا المصور من صنعة يده، يصنع التصاوير ويبيعها للناس.
وقد كانت الوثنية لا تتعارض مع التصوير، بل كانت تشجعه وتشجع الفنون الجميلة. فقد كانت الأصنام عماد سنتهم، واليها كانوا يتقربون، وكانوا يضعونها في بيوتهم للتقرب إليها والتبرك بها، كما أنهم لم يكرهوا الغناء ولا الموسيقى، لما لهما من صلة بأعيادهما وبالطقوس الدينية.
وقد منع من بيع الأصنام، أي التماثيل في الإسلام، كما حرم بيع الصور المتخذة من جوهر نفيس، وكان بين أهل مكة وغيرها من القرى أناس يتعيشون من بيعها، ويتفننون في صنعها، فماتت بذلك هذه الحرفة التي هي من الفنون الجميلة، مثل التصوير.
ريم âيه ôîًَىà   رد مع اقتباس
قديم 10-02-2007, 08:35 AM   #120 (permalink)
عضو
 
تاريخ التسجيل: Mar 2007
العمر: 27
المشاركات: 3,982
Rep Power: 349
ريم will become famous soon enough ريم will become famous soon enough
الفصل العشرون بعد المئة

الفصل العشرون بعد المئة
أمية الجاهليين





الشائع بين كثير من الناس إن العرب قبل الإسلام كانوا في جهالة عمياء وضلالة، لا يقرأون، ولا يكتبون، وان الكتابة كانت قليلة بينهم، واستدلوا على رأيهم هذا باطلاقهم لفظة "الجاهلية" على ايامهم، وبما جاء من انهم كانوا قوماً "أميين لا يكتبون". واستدلوا على ذلك بحديث ذكر إن الرسول قاله، هو "إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب".
وقد تحدثت في الجزء الأول من هذا الكتاب عن معنى "الجاهلية"، وعن الآراء التي قيلت فيها، حديثاً فيه إفاضة وإحاطة، وقد قلت فيما قلته إن تفسير الجاهلية بالجهل، الذي هو ضد العلم، تفسير مغلوط، وان المراد من الجاهلية السفه والحمق والغلظة والغرور، وقد كانت تلك أبرز صفات المجتمع الجاهلي آنئذ، وتحدثت في كتابي: "تأريخ العرب قبل الإسلام" عن معنى الأمية وذلك في اثناء كلامي على أمية الرسول وآراء العلماء فيها من مسلمين ومستشرقين، وقلت إن للأمية معنى آخر غير المعنى المتداول المعروف، وهو الجهل بالكتابة والقراءة. فقد ذكر "الفرّاء" وهو من علماء العربية المعروفين، إن الأميين هم العرب الذين لم يكن لهم كتاب. ويراد بالكتاب، التوراة والانجيل. ولذلك نعت اليهود والنصارى في القرآن ب "اهل الكتاب"، وهذا المعنى يناسب كل المناسبة لفظة "الأميين" الواردة في القرآن الكريم، وتعني الوثنيين اي جماع قريش وبقية العرب، ممن لم يكن من يهود وليس له كتاب.
وللعلماء آراء في الأمية، وذلك لما لها من صلة بالرسول، ولما كان القرآن قد نعت قوم الرسول بالأميين، وجعل الرسول أمياً مثلهم، فقد ذهبوا إلى إن العرب كانوا قبل الإسلام أميين بمعنى انهم كانوا لا يقرأون ولا يكتبون إلا من شذّ منهم وندر، وإلا أفراداً من أهل مكة، زعموا انهم تعلموا الكتابة من عهد غير بعيد عن الإسلام، ولو أخذنا أقوالهم مأخذ الجد، وجب علينا القول بأنهم انما تعلموها في حياة الرسول أي قبل الوحي بسنين ليست بكثرة، وان مكة كانت المدينة الوحيدة التي عرفت الكتابة في جزيرة العرب، وهو كلام لا يقوم على علم. فقد كان بيثرب كتاّب يكتبون بكتاب مكة، وكان في أماكن أخرى كتّاب يكتبون بكتابهم أيضاً، فضلاً عن انتشار الكتابة بالمسند في العربية الجنوبية وفي مواضع أخرى من جزيرة العرب.
والرسول أمي، لم يقرأ ولم يكتب، فإذا أراد كتابة رسالة أو عهد أو تدوين للوحي، أمر كتابه بالتدوين. على ذلك أجمع المسلمون. وقد وردت في القرآن آيات مثل: )اقرأ باسم ربك(، وآية )وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذاً لارتاب المبطلون(. اخذها البعض على إن فيها دلالة على إن النبي كان يقرأ ويكتب، واستدل أيضاً ببعض ما ورد في كتب الحديث والسير، وفيه ما يفيد انه كان ملماً بالقراءة والكتابة، كالذي ورد في صلح "الحديبية" انه "هو الذي كتب الكتاب بيده الشريفة. وهو ما وقع في البخارى".
وما جاء في السيرة لابن هشام: "فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، يكتب الكتاب هو وسهيل". وما جاء في البخارى: "وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم، الكتاب ليكتب، فكتب هذا ما قاضى عليه محمد". وقالوا إن في هذا المذكور وفي غيره من مثل ما ورد من إن الرسول "لما اشتد وجعه، قال: ائتوني بالدواة والكتب اكتب لكم كتاباً لا تضلون معه بعدي أبداً"، ومثل ما ورد "في حديث أبي بكر رضي الله عنه، انه دعا في مرضه بسواة ومزبر فكتب اسم الخليفة بعده"، دلالة مريحة على قدرته على الكتابة والقراءة. وللعلماء كلام في الأدلة المذكورة، ولهم آراء في تفسير الآيات التي تعرضت لموضوع الأمية. والأمية في تفسير علماء اللغة من لا يكتب، أو العييّ الجلف الجافي القليل الكلام. قيل له أُمي لأنه على ما ولدته أمه عليه من قلة الكلام وعجمة اللسان، أو الجهل التام بالقراءة والكتابة. "لأن أمة العرب لم تكن تكتب ولا تقرأ المكتوب"، أو لأن الكتابة كانت فيهم عزيزة أو عديمة، أو الأمي الذي على خلقه الأمة، لم يتعلم الكتاب، فهو على جبلته. وقد ورد في الحديث: "إنا أمة أمية لا نكتب"، أو "إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب"، أو "بعثت إلى أمة أمية"، فذهبوا إلى إن العرب كانوا على أصل ولادة أمهم، لم يتعلموا الكتابة ولا الحساب، فهم على جبلتهم الأولى. "وكل شيء للعرب، فإنما هو بديهة وارتجال... ثم لا يقيده على نفسه ولا يدرسه احداً من ولده. وكانوا اميين لا يكتبون".
الموضوع الأصلى من هنا: موسوعة طعس العربيه http://www.t3as.com/vb/t42703-12.html#post154084
وقد وردت في القرآن الكريم لفظة "الأمي"، و "اميون"، و "اميين"، ونعت الرسول ب "النبي الأمي"،وردت في سور مكية وفي سور مدنية. وردت لفظة "الأمي" في سورة الأعراف، وهي من السور المكية، ووردت لفظة "أميون" و "الأميين" في سورة البقرة، وسورة آ ل عمران، وسورة الجمعة، وهي من السور المدنية. ويلاحظ إن الآيتين المكيتين، خاصتان بالرسول، فنعت فيهما ب "النبي الأمي"، اما الآيات المدنية، فقد قصد بها "الأميين"، الذين ليس لهم كتاب بمعنى المشركين.
وقد بحث "الراغب الاصبهاني" في معنى "الأمية" فقال: "والأمي: هو الذي لا يكتب ولا يقرأ من كتاب وعليه حمل: هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم. قال قطرب: الأمية: الغفلة والجهالة. فالأمي منه، وذلك هو قلة المعرفة. ومنه قوله تعالى: )ومنهم اميون لا يعلمون الكتاب إلا اماني(، اي إلا إن يتلى عليهم. قال الفراء: هم العرب الذين لم يكن لهم كتاب. والنبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والانجيل، قيل منسوب إلى الأمة الذين لم يكتبوا لكونهم على عادتهم. كقولك عامي لكونه على عادة العامة. وقيل: سمي بذلك لأنه لم يكن يكتب ولا يقرأ من كتاب، وذلك فضيلة له لاستغنائه بحفظه واعتماده على ضمان الله منه بقوله: سنقرئك فلا تنسى. قيل سمي بذلك لنسبته إلى أم القرى".
وقد ذهب بعض العلماء إلى إن الأميين من لا كتاب لهم من الناس، مثل الوثنيين والمجوس، قال الطبري في تفسير الآية: )وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم ? فإن اسلموا فقد اهتدوا(: "يعني بذلك جل ثناؤه، وقل يا محمد للذين أوتوا الكتاب من اليهود والنصارى والأميين، الذين لا كتاب لهم من مشركي العرب أ أسلمتم..". وذهب كثير من المفسرين إلى إن الأميين الذين لا كتاب لهم، اي الذين ليسوا يهوداً ولا نصارى. وورد: "إن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، كان يكره إن يظهر الأميون من المجوس على اهل الكتاب من الروم"، قال الطبري: "وكان النبي صلى الله عليه وسلم، يكره إن يظهر الأميون من المجوس على اهل الكتاب من الروم، ففرح الكفار بمكة وشمتوا، فلقوا اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: انكم اهل كتاب والنصارى اكل كتاب، ونحن اميون، وقد ظهر اخواننا من اهل فارس على اخوانكم من اهل الكتاب". فالمسلمون اهل كتاب، والمجوس اميون كمشركي مكة وبقية العرب المشركين، لا لكونهم، لا يقرأون ولا يكتبون، بل لأنهم لم يؤمنوا بالتوراة والانجيل.
ويلاحظ إن الآية: )وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين (، والآية: )ومن اهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده اليك، ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده اليك إلا ما دمت عليه قائماً، ذلك بأنهم قالوا: ليس علينا في الأميين سبيل( ؛ والآية: )ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا اماني (، وكذلك: )هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم (، لا تؤدي معنى الأمية، بمعنى الأمة الجاهلة بالقراءة والكتابة، لعدم انسجام التفسير مع المعنى،وانما تؤدي معنى وثنية، أي امة لم تؤمن بكتاب من الكتب السماوية، أي في المعنى المتقدم.
"والأمي والأمان -بضمهما - من لا يكتب أو من هو على خلقة الأمة لم يتعلم الكتاب، وهو باق على جبلته. وفي الحديث: إنا أمة امية، لا نكتب ولا نحسب. اراد انه على اصل ولادة امهم، لم يتعلموا الكتابة والحساب، فهم على جبلتهم الأولى.
وقيل لسيدنا محمد، صلى اللَه عليه وسلم، الأمي لأن امة العرب لم تكن تكتب ولا تقرأ المكتوب، وبعثه الله رسولا، وهو لا يكتب ولا يقرأ من كتاب، وكانت هذه الخلة احدى آياته المعجزة، لأنه صلى الله عليه وسلم، تلا عليهم كتاب الله منظوماً تارة بعد اخرى، بالنظم الذي انزل عليه، فلم يغيره ولم يبدل ألفاظه، ففي ذلك انزل الله تعالى: )وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولاتخطه بيمينك، إذا لارتاب المبطلون(. وقال الحافظ ابن حجر في تخريج احاديث الرافعي إن مما حرم عليه صلى الله عليه وسلم: الخط والشعر، وانما يتجه التحريم إن قلنا انه كان يحسنهما، والأصح انه كان لا يحسنهما، ولكن يميز بين جيد الشعر ورديئه. وادعى بعضهم انه صار يعلم الكتابة بعد ان كان لاّ يعلمها لقوله تعالى من قبله في الآية. فإن عدم معرفته بسبب الاعجاز. فلما اشتهر الإسلام وأمن الارتياب عرف حينئذ الكتابة. وقد روي عن ابن ابي شيبة وغيره: ما مات رسول الله صلى الله طيه وسلم، حتى كتب وقرأ، وذكره مجالد للشعبيّ. فقال ليس في الآية ما ينافيه. قال ابن دحية: واليه ذهب ابو ذر الفتح النيسابوري والباجي وصنف فيه كتاباً، ووافقه عليه بعض علماء افريقية وصقلية. وقالوا: إن معرفة الكتابة بعد اميته لا تنافي المعجزة، يل هي معجزة اخرى بعد معرفة اميته وتحقق معجزته، وعليه تتنزل الآية السابقة والحديث فان معرفته من غير تقدم تعليم معجزة. وصنف ابو محمد بن مفوز كتاباً رد فيه على الباجى وبيّن فيه خطأه، وقال بعضهم يحتمل إن يراد انه كتب مع عدم علمه بالكتابة وتمييز الحروف، كما يكتب بعض الملوك علامتهم وهم اميون، والى هذا ذهب القّاضي ابو جعفر السمناني".
وقد تعرض "الألوسي" لهذا الموضوع في تفسيره الآية: )وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك، إذاً لارتاب المبطلون. بل هو آيات بينات في صدور الذين اوتوا العلم، وما يجحد آياتنا إلا الظالمون(. فقال: "واختلف في انه صلى الله عليه وسلم، أكان بعد النبوة يقرأ ويكتب ام لا? فقيل انه عليه الصلاة والسلام لم يكن يحسن الكتابة، واختاره البغوي في التهذيب، وقال: انه الأصح. وادعى بعضهم انه صلى الله عليه وسلم، صار يعلم الكتابة بعد إن كان لا يعلمها، وعدم معرفتها بسبب المعجزة لهذه الآية، فلما نزل القرآن واشتهر الإسلام وظهر امر الارتياب تعرف الكتابة حينئذ. وروى ابن ابي شيبة وغيره: ما مات صلى الله عليه وسلم حتى كتب وقرأ. ونقل هذا للشعبي فصدقه، وقال: سمعت أقواماً يقولونه وليس في الآية ما ينافيه. وروى ابن ماجه عن أنس قال: قال صل الله عليه وسلم: رأيت ليلهَ أُسري بي مكتوباً على الجنة: الصدقة بعشر امثالها، والقرض بثمانية عشر.
ثم قال: ويشهد للكتابة احاديث في صحيح البخاري وغيره، كما ورد في صلح الحديبية: فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب وليس يحسن يكتب فكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبدالله، الحديث.
وممن ذهب إلى ذلك ابو ذر عبد بن احمد الهروي، وابو الفتح النيسابوري، وابو الوليد الباجي من المغاربة، وحكاه عن السمناني. وصنف فيه كتاباً، وسبقه إليه ابن منية. ولما قال ابو الوليد ذلك طعن فيه ورمي بالزندقة وسبّ على المنابر، ثم عقد له مجلس فأقام الحجة على مدّعاه، وكتب به الى علماء الأطراف، فأجابوا بما يوافقه، ومعرفة الكتابة بعد اميته صلى الله عليه وسلم، لا تنافي المعجزة، بل هي معجزة اخرى لكونها من غير تعليم.
وقد رد بعض الأجلة كتاب الباجي لما في الحديث الصحيح إنا أمة أمية نكتب ولا نحسب. وقال: كل ما ورد في الحديث من قوله: كتب، فمعناه امر بالكتابة، كما يقال: كتب السلطان بكذا لفلان. وتقديم قوله تعالى: من قبله على قوله سبحانه: ولا تخطه كالصريح في انه عليه الصلاة والسلام لم يكتب مطلقاً. وكون القيد المتوسط راجعاً لما بعده غير مطرّد. وظن بعض الأجلة رجوعه إلى ما قبله وما بعده، فقال: يفهم من ذلك انه عليه الصلاة والسلام كان قادراً على التلاوة والخط بعد انزال الكتاب، ولولا هذا الاعتبار، لكان الكلام خلواً من الفائدة. وأنت تعلم انه لو سُلّم ما ذكره من الرجوع، لا يتم امر الإفادة إلا إذا قيل بحجية المفهوم، والظانّ ممن لا يقول بحجيته.
ثم قال الألوسي في تفنيد هذه الردود ما نصه:
ولا يخفى إن قوله عليه الصلاة والسلام: إنا امة امية لا نكتب ولا نحسب، ليس نصاً في استمرار نفي الكتابة عنه عليه الصلاة والسلام. ولعل ذلك باعتبار انه بعث عليه الصلاة والسلام، وهو واكثر من بعث اليهم وهو بين ظهرانيهم من العرب اميون، لا يكتبون ولا يحسبون، فلا يضر عدم بقاء وصف الأمية في الاكثر بعد. واما ما ذكر من تأويل كتب بأمر بالمكاتية، فخلاف الظاهر. وفي شرح صحيح مسلم للنووي عليه الرحمة نقلاً عن القاضي عياض: إن قوله في الرواية التي ذكرناها: ولا يحسن يكتب فكتب، كالنص في انه صلى الله عليه وسلم كتب بنفسه، فالعدول عنه إلى غيره مجاز لا ضرورة إليه. ثم قال: وقد طال كلام كل فرقة في هذه المسألة وشنعت كل فرقة على الأخرى في هذا".
وبحث "القرطبي" في هذا الموضوع أيضاً، فقال: " وما كنت تتلو من قبله من كتاب، الضمير في قبله عائد إلى الكتاب، وهو القرآن المُنزل على محمد، صلى الله عليه وسلم، أي وما كنت يا محمد تقرأ قبله، ولا تختلف إلى اهل الكتاب، بل أنزلناه اليك في غاية الإعجاز والتضمين للغيوب وغير ذلك، فلو كنت ممن يقرأ كتاباً، ويخط حروفاً لارتاب المبطلون أي من اهل الكتاب، وكان لهم في ارتيابهم متعلق، وقالوا الذي نجده في كتبنا انه امي لا يكتب ولا يقرأ وليس به. قال مجاهد: كان اهل الكتاب يجدون في كتبهم إن محمداً صلى الله عليه وسلم، لا يخط ولا يقرأ، فنزلت هذه الآية؛ قال النحاس: دليلاً على نبوته لقريش، لأنه لا يقرأ ولا يكتب ولا يخالط اهل الكتاب ولم يكن بمكة اهل الكتاب فجاءهم بأخبار الأنبياء والأمم، وزالت الريبة والشك.
الثانية: ذكر النقاش في تفسير الآية عن الشعبي انه قال: ما مات النبي صلى الله عليه وسلم، حتى كتب. واسند أيضاً حديث ابي كبشة السلولي ؛ مضمنه: انه صل الله عليه وسلم، قرأ صحيفة لعيينة بن حصن، وأخبر بمعناها. قال ابن عطية: وهذا كله ضعيف، وفول الباجي رحمه الله منه.
قلت: وقع في صحيح مسلم من حديث البراء في صلح الحديبية إن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال لعليّ: اكتب الشرط بيننا: بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله، فقال له المشركون: لو نعلم انك رسول الله تابعناك - وفي رواية بايعناك - ولكن اكتب محمد بن عبدالله، فأمر علياً إن يمحوها، فقال علي: والله لا أمحاه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرني مكانها، فأراه فمحاها وكتب ابن عبدالله. قال علماؤنا رضي الله عنهم: وظاهر هذا انه عليه السلام محا تلك الكلمة التي هي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بيده، وكتب مكانها ابن عبدالله. وقد رواه البخاري بأظهر من هذا. فقال: فأخذ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الكتاب فكتب. وزاد في طريق أخرى: ولا يحسن إن يكتب. فقال جماعة، بجواز هذا الظاهر عليه وانه كتب بيده، منهم السمناني وأبو ذر والباجي، ورأوا إن ذلك غير قادح في كونه أمياً، ولا معارض بقوله: وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك، ولا بقوله: إن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، بل رأوه زيادة في معجزاته، واستظهاراً على صدقه وصحة رسالته، وذلك انه كتب عن غير تعلم لكتابة، ولا تعاطٍ لأسبابها، وانما أجرى الله تعالى على يده وقلمه حركات كانت عنها خطوط مفهومها ابن عبدالله لمن قرأها، فكان ذلك خارقاً للعادة، كما انه عليه السلام عِلم علم الأولين والآخرين من غير تعلم ولا اكتساب، فكان ذلك أبلغ معجزاته، وأعظم فضائله. ولا يزول عنه اسم الأمي بذلك، ولذلك قال الراوي عنه في هذه الحالة: ولا يحسن ان يكتب. فبقي عليه اسم الأمي مع كونه قال: كتب. قال شيخنا أبو العباس احمد بن عمر: وقد أنكر هذا كثير من متفقهة الأندلس وغيرهم، وشددوا النكير فيه، ونسبوا قائله إلى الكفر، وذلك دليل على عدم العلوم النظرية، وعدم التوقف في تكفير المسلمين، ولم يتفطنوا، لأن تكفير المسلم كقتله على ما جاء عنه عليه السلام في الصحيح، لا سيما رميُ من شهد له أهل العصر بالعلم والفضل والإمامة، على إن المسألة ليست قطعية، بل مستندها ظواهر أخبار آحاد صحيحة،غير ان العقل لايحيلها، وليس في الشريعة قاطع يحيل وقوعها.
قلت: وقال بعض المتأخرين من قال هي آية خارقة، فيقال له: كانت تكون آية لا تنكر لولا انها مناقضة لآية أخرى وهي كونه أمياً لا يكتب، وبكونه أمياً في أمة أمية قامت الحجة، وأفحم الجاحدون، وانحسمت الشبهة، فكيف يطلق الله تعالى يده فيكتب وتكون آية. وانما الآية الا يكتب،والمعجزات يستحيل ان يدفع بعضها بعضاً. وانما معنى كتب وأخذ القلم، أي أمر من يكتب به من كتاّبه، وكان من كتبة الوحي بين يديه صلى الله عليه وسلم، ستة وعشرون كاتباً.
الثالثة - ذكر القاضي عياض عن معاوية انه كان يكتب بين يدي النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال له: ألقِ الدواة وحرّف القلم وأقم الباء وفرّق السين، ولا تعوّر الميم، وحسن الله، ومدّ الرحمن، وجوّد الرحيم. قال القاضي: وهذا وان لم تصح الرواية انه صلى الله عليه وسلم، كتب، فلا يبعد ان يُرزق علم هذا، وُيمنع القراءة والكتابة.
قلت: هذا هو الصحيح في الباب انه ما كتب ولا حرفاً واحداً، وانما امر من يكتب وكذلك ما قرأ ولا تهجى. فإن قيل: فقد تهجى النبي، صلى الله عليه وسلم، حين ذكر الدجّال،.فقال: مكتوب بين عينيه ك ا ف ر، وقلتم إن المعجزة قائمة في كونه أمياً، قال الله تعالى: وما كنت تتلو من قبله من كتاب، الآية. وقال: إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب. فكيف هذا ? فالجواب ما نص صلى الله عليه وسلم، في حديث حذيفة، والحديث كالقرآن يفسر بعضه بعضاً. ففي حديث حذيفة: يقرأه كل مؤمن كاتب وغير كاتب، فقد نص في ذلك على غير الكتاب ممن يكون أمياً. وهذا من أوضح ما يكون جلياً".
وقد ذهب "الطبرسي" في تفسيره للآية المذكورة إلى إن الرسول ساوى قومه في المولد والمنشأ، لكنه جاء بما عجز عنه الآخرون من كلام الله والنبوة، فهو أمي مثلهم. ثم عرض رأي "الشريف المرتضى"، القائل: "هذه الآية تدل على ان النبي، صلى الله عليه وسلم، ما كان يحسن الكتابة قبل النبوة، فأما بعد النبوة فالذي نعتقده في ذلك التجويز، لكونه عالماً بالكتابة والقراءة والتجويز لكونه غير عالم بهما من يخر قطع على أحد الأمرين. وظاهر الآية يقتضي إن النفي قد تعلق بما قبل النبوة دون ما بعدها، ولأن التعليل في الآية يقتضي اختصاص النفي بما قبل النبوة، لأن المبطلين انما يرتابون في نبوته صلى الله عليه وسلم، لو كان يحسن الكتابة قبل النبوة. فأما بعد النبوة، فلا تعلق له بالريبة والتهمة فيجوز ان يكون قد تعلمها من جبرائيل عليه السلام، بعد النبوة".
وتعرض "الجاحظ" لهذا الموضوع أيضاً، فقال نقلاً عن كلام شيخ من البصريين، "إن الله انما جعل نبيه أمياً لا يكتب ولا يحسب ولا ينسب، ولا يقرض الشعر، ولا يتكلف الخطابة، ولا يتعمد البلاغة، لينفرد الله بتعليمه الفقه واحكام الشريعة، ويقصره على معرفة مصالح الدين دون ما تتباهى به العرب، من قيافة الأثر والبشر، ومن العلم بالأنواء وبالخيل، وبالأنساب وبالأخبار، وتكلف قول الأشعار، ليكون إذا جاء بالقرآن الحكيم، وتكلم بالكلام العجيب، كان ذلك أدل على انه من الله.
وزعم إن الله تعالى لم يمنعه معرفة آدابهم وأخبارهم وأشعارهم ليكون أنقص حظاً من الحاسب الكاتب، ومن الخطيب الناسب، ولكن ليجعله نبياً، وليتولى من تعليمه ما هو أزكى وأنمى. فإنما نقصه ليزيده، ومنعه ليعطيه، وحجبه عن القبائل ليجلي له الكثير".
وقد رد "الجاحظ" على كلامه هذا، بقوله: "وقد أخطأ هذا الشيخ ولم ُيرد إلا الخير. وقال بمبلغ علمه ومنتهى رأيه. ولو زعم إن أداة الحساب والكَتابة، وأداة قرض الشعر ورواية جميع النسب، قد كانت فيه تامة وافرة، ومجتمعة كاملة، ولكنه صلى الله عليه وسلم صرف تلك القوى وتلك الاستطاعة إلى ما هو أزكى بالنبوة، وأشبه بمرتبة الرسالة، وكان إذا احتاج إلى البلاغة كان أبلغ البلغاء، واذا احتاج إلى الخطابة كان أخطب الخطباء، وأنسب من كل ناسب، وأقوف من كل قائف، ولو كان في ظاهره، والمعروف من شأنه انه كاتب حاسب، وشاعر ناسب، ومتفرس قائف، ثم أعطاه الله برهانات الرسالة وعلامات النبوة، ما كان ذلك بمانعٍ من وجوب تصديقه، ولزوم طاعته، والانقياد لأمره على سخطهم ورضاهم، ومكروههم ومحبوبهم. ولكنه اراد ألا يكون للشاغب متعلق عما دعا إليه حتى لا يكون دون المعرفة بحقه حجاب وان رق، وليكون ذلك أخف في المؤونة، واسهل في المحنة. فلذلك صرف نفسه عن الأمور التي كانوا يتكلفونها ويتنافسون فيها، فلما طال هجرانه لقرض الشعر وروايته، صار لسانه لا ينطلق به، والعادة توأم الطبيعة. فأما في غير ذلك فإنه إذا شاء كان أنطق من كل منطيق، وأنسب من كل ناسب، وأقوف من كل قائف. وكانت آلته أوفر وأداته أكمل، إلا انها كانت مصروفة إلى ما هو أردَ.
وبين ان نضيف إليه العجز، وبين ان نضيف إليه العادة الحسنة وامتناع الشيء عليه من طول الهجران له، فرقٌ.
ومن العجب إن صاحب هذه المقالة لم يره عليه السلام في حال معجزة قط، بل لم يره إلا وهو إن أطال الكلام قصر عنه كلُ مطيل، وان قصر القول اتى على غابة كل خطيب، وما عدم منه إلا الخط واقامة الشعر، فكيف ذهب ذلك المذهب، والظاهر من امره عليه السلام خلاف ما توهم!?".
فهذا هو رأي الجاحظ في امية الرسول.
واما حديث:. "إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب"، فيعارضه حديث آخر ينسب إلى الرسول هو: "قريش اهل الله، وهم الكتبة الحسبة". "وبقال قريش اهل الله، لأنهم كتبة حسبة". والقرآن الكريم نفسه، يفند إن قريشاً لم يكونوا يحسنون الكتاب أو الحساب، لما فيه من آيات تناقض هذا الرأي. وفي الحديث، أحاديث كثيرة يجب عدم الأخذ بها، لأنها ضعيفة، ويشبه ان يكون الحديث المذكور واحد منها. ومن هذه الأحاديث الضعيفة، حديث: "حق الوالد على ولده ان يعلمه الكتابة والسباحة، والرماية، وان لا يرزقه إلا طيباً"، وحديث: " حق الوالد على ولده ان يحسّن اسمه، ويزوّجه إذا أدرك، ويعلمه الكتاب". والحديث المذكور من الأحاديث التي يرجع سندها إلى "ابي هريرة" وفي الأحاديث المنسوبة إليه احاديث كثيرة يجب عدم الأخذ بها.
ولو أخذنا بالحديث على علاته، وقبلناه دون نقد، كما يفعل كثير من الناس، وجب علينا الفول إن الرسول كان يقرأ ويكتب. ورد: "وذكر صاحبُ الشرعة أيضاً، انه صلى الله عليه وسلم، قال لمعاوية رضي الله عنه، وهو يكتب بين يديه: ألقِ الدواة، وحرّف القلم، وانصب الباء، وفرّق السين، ولا تعوّر الميم، وَحسّن الله، ومد الرحمن، وجوّد الرحيم"، وانه قال "لزيد بن ثابت" وهو احد كتّابه: "إذا كتبتَ بسم الله الرحمن الرحيم فبيّن السين فيه"، فهل يعقل صدور هذا الوصف، وهذه التسمية للحروف، وهذه المصطلحات من رجل أمي، لا يقرأ ولا يكتب. وقد روى الرواة هذين الحديثين مع تعارضهما لأقوال العلماء، ورووا أيضاً إن "ابا ذر" الغفاري سأل الرسول ": "يا رسول الله، كل نبي مرسل بمَ يرُسل ? قال: بكتاب منزّل. قلت: يا رسول الله، اي كتاب أنزل على آدم ? قال: ا ب ت ث ج إلى آخره. قلت: يا رسول الله، كم حرف ? قال: تسع وعشرون. قلت: يا رسول الله، عددت ثمانية وعشرين، فغضب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حتى احمرت عيناه، ثم قال: يا ابا ذر، والذي بعثني بالحق نبياً ! ما أنزل الله تعالى على آدم إلا تسعة وعشرين حرفاً. قلت: يا رسول الله، فيها ألف ولام. فقال عليه السلام: لام ألف حرف واحد، أنزله على آدم في صحيفة واحدة، ومعه سبعون ألف ملك. من خالف لام ألف، فقد كفر بما أنزل على آدم ! ومن لم يعدّ لام ألف فهو بريء مني وأنا بريء منه ! ومن لايؤمن بالحروف، وهي تسعة وعشرون حرفاً لا يخرج من النار ابداً". وبعد فهل نقبل بحديث من هذا النوع، وكل ما فيه يطعن في صحته !
ويظهر صراحة من الآية: "هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم، يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، وان كانوا من قبل لفي ضلال مبين"، إن مرادها من الأميين، ليس الجهل بالكتابة والقراءة، وانما العرب الذين لم يكن عندهم كتاب منزل من السماء. ودليل ذلك ما اورده "الطبري" في تفسيرها من اقوال وروايات. فقد قال: "والأميون هم العرب"، قال "قتادة": "هو الذي بعث في الأميين رسولاّ منهم. قال: كان هذا الحي من العرب امة أمية ليس فيها كتاب يقرأونه، فبعث الله نبيه محمداً، صلى الله عليه وسلم، رحمة وهدى يهديهم به"، وقال: " كانت هذه الأمة أمية لا يقرأون كتاباً"، وقال: "انما سميت امة محمد صلى الله عليه وسلم الأميين لأنه لم ينزل عليهم كتاباً"، وقوله: " ويعلهم الكتاب. يقول ويعلمهم كتاب الله وما فيه من امر الله ونهيه وشرائع دينه،والحكمة يعني بالحكمة السنن".
وقال: "ويزكيهم ويعلمهم الكتاب أيضاً، كما علم هؤلاء. يزكيهم بالكتاب والأعمال الصالحة ويعلمهم الكتاب والحكمة كما صنع بالأولين"، وقال في تفسير " وان كانوا من قبل لفي ضلال مبين. يقول تعالى ذكره، وقد كان هؤلاء الأميون من قبل ان يبعث الله فيهم رسولاً منهم في جور عن قصد السبيل وأخذ على غير هدى مبين، يقول يبين لمن تأمله انه ضلال وجور عن الحق وطريق الرشد". وقال "ابن كثير" في تفسيرها: " وذلك ان العرب كانوا قديماً متمسكين بدين ابراهيم الخليل عليه السلام فبدلوه وغيروه وقلبوه وخالفوه، واستبدلوا بالتوحيد شركَاً وباليقين شكاً... فبعث الله محمداً صلوات الله وسلامه عليه بشرع عظيم كامل لجميع الخلق، فيه هدايته والبيان لجميع ما يحتاجون إليه، من امر معاشهم ومعادهم". وقال "القرطبي": قال ابن عباس: الأميون العرب كلهم، من كتب منهم ومن لم يكتب، لأنهما لم يكونوا اهل كتاب".
فالأميون اذن هم العرب، لأنهم كانوا اهل شرك، وليس لهم كتاب، وليس للفظة صلة بالأمية التي تعني الجهل بالقراءة والكتابة.
واما حديث: " إنا امة أمية لا نكتب ولا نحسب. الشهر هكذا وهكذا: مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين". وقد نسب سنده إلى "ابن عمر"، فحكمه حكم الحديث السابق، وقد فسر الحساب، بأنه حساب النجوم وتسييرها، لا الجهل بالحساب.
وقد ذهب "شبرنكر" الى ان الرسول كان يقرأ ويكتب، وانه قرأ "اساطير الأولين"، و "شبرنكر"من المستشرقين العاطفيين، الذين يأخذون بالخبر، مهما كان شأنه فيبني حكماً عليه.
وقد ذهب بعض المستشرقين إلى إن المقصود من الأميين هنا الوثنيون. وان الأمية هذه اخذت من اليهود الذين كانوا يطلقون لفظة "امت"و "اميم " على غيرهم، يريدون بها الوثنيين. كما في جملة: "امت ها عالولام " Ummot ha Olam وقد أطلق اليهود على الغرباء وعلى كل من هو غير يهودي، "كوي" Goy للواحد، و "كويم" Goyim للجمع. وتقابل هذه اللفظة لفظة Gentile في اللاتينية. ويقال للغريب عنهم "اخريم" Ahrim و Nochrim، كذلك، تمييزاً لهم عن العبرانيين الذين يذهبون إلى انهم أمة مقدسة مفضلة على العالمين.
وذهب بعض المستشرقين اليهود إلى ان لفظة "الأميين" معربة من اصل "كوى" و "كوييم" المذكور.
والذي أراه إن لفظة "أمي" و "أمية" لم تكن تعني عند الجاهليين معنى عدم القراءة والكتابة والجهل بهما، وانما كانت تعني عندهم: مشركين ووثنين، وهو المعنى الذي ورد في القرآن الكريم. والذي نعت الرسول فيه بالأمي، لأنه من العرب، ومن قوم ليس لهم كتاب، عرفوا بذلك من قبل اهل الكتاب اليهود. أما تفسيرها بالجهل بالكتابة والقراءة، فقد وقع في الإسلام، اخذوه من ظاهر معنى لفظة "الكتاب" الواردة في القرآن، فظنوا انها تعني "الكتابة " بينما المراد منها الكتاب المُنزل، لعدم انسجام تفسيرها بالكتابة مع معنى الآية، ودليل ذلك انهم لما فسروا "الأمية" بمعنى عدم القراءة والكتابة حاروا في ايجاد مخرج لهذا التفسير، فقالوا ما قالوه في تفسيرها من انها سميت بالأمية لأنها علي خلقة الأمة، أو لأنها على الجبلة والفطرة، وأصل ولادة الأمهات وما شاكل ذلك من تفاسير مضطربة باردة، تخبر إن علماء اللغة لم يجدوا لها أصلاً ووجوداً عند الجاهليين فلجأوا إلى هذه التعليلات. ولو كانت الأمية معروفة عند أهل الجاهلية بهذا المعنى لاستشهدوا عليها بشعر من أشعار الجاهليين أو المخضرمين، ولما لجأوا إلى هذه التفاسير المتكلفة، لأن من عادتهم الاستشهاد بالشعر في تفسير الألفاظ، ولا سيما الألفاظ الغريبة، فعدم استشهادهم بشاهد من شعر أو نثر في تفسير الأمية هو دليل على إن اللفظة بهذا التفسير من الألفاظ التي ولدت في الإسلام، وانها لم تكن عربية خالصة، وانما سمعوها من اهل الكتاب.
وعندي إن يهود يثرب هم الذين أطلقوا لفظة "الأميين" على العرب المشركين، على عادتهم حتى هذا اليوم في نعت الغرباء عنهم بألفاظ خاصة مثل "كوييم"، لتمييزهم عن أنفسهم، باعتبارهم "شعب الله المختار" المؤمن بإله اسرائيل.
ومما يؤيد هذا الرأي، اننا نطلق في عربيتنا لفظة "الأمي" على من لا يعرف القراءة والكتابة معاً، بينما نطلق على الشخص الذي يحسن القراءة ولا يحسن الكتابة قارىء، أو قارئة، وذلك لوجود جماعة كانوا يحسنون القراءة، ولكنهم لا يكتبون.
ونجد اليوم من النساء من يحسنَّ القراءة ولا يكتبن، ولما نزل الوحي على الرسول: باقرأ، قال الرسول: ما أنا بقارىء، أو لست بقارىء، ولم يقل: أنا أمي، مما يدل على ان الأمية انما صارت تعبر عن عدم القراءة والكتابة فيما بعد.
ثم اننا لا نجد في اللغات القديمة لفظة واحدة في معنى "الأمية" التي نستعملها في عربيتنا في الوقت الحاضر، اي في معنى الجهل بالقراءة والكتابة معاً، وانما يقال لا يقرأ أو لا يكتب، أو يجهل القراءة والكتابة، فلا يعقل خروج العربية على هذه القاعدة. واستعمالها الأمية قبل الإسلام مصطلحاً للتعبير عن الجهل بالكتابة والقراءة معاً. ولم أعثر في النصوص الجاهلية على هذه اللفظة أو على لفظة اخرى تؤدي هذا المعنى.
ولا يعقل ان يكون اليهود أو غيرهم قد أطلقوا الأمية على العرب، بسبب جهل العرب الكتابة والقراءة. فقد كان سواد يهود ونصارى جزيرة العرب أمياً أيضاً، لا يقرأ و لا يكتب، إلا ان القرآن الكريم أخرجهم من الأميين، واستثناهم، وأطلق عليهم "اهل الكتاب"، وذلك يدل دلالة واضحة على إن المراد من "الأميين" العرب الذين لهم كتاب، اي العرب الذين لم يكونوا يهوداً ولا نصارى لا من لا يحسن الكتابة والقراءة. والقرآن الكريم هو الذي هدانا إلى لفظة "الأميين " فلم ترد اللفظة في نص من نصوص الجاهلية، وبفضله ايضاً عرفنا مصطلح "أهل الكتاب" دلالة على اهل الديانتين.
وأنا لا أريد ان أثبت هنا إن العرب قاطبة كانت أمة قارئة كاتبة، جماعها يقرأ ويكتب، وانها كانت ذات مدارس منتشرة في كل مكان من جزيرتهم،
تعلم الناس القراءة والكتابة والعلوم الشائعة في ذلك الزمن، فقول مثل هذا هو هراء، ما في ذلك شك، ولا يمكن أن يدعيه أحد ثم إن شيوع القراءة والكتابة بالمعنى المفهوم عندنا، لم يكن معروفاً حتى عند أرقى الشعوب إذ ذاك مثل اليونان والرومان والساسانيين في عالم ذلك العهد. فسواد كل الأمم كان جاهلاً لا يحسن قراءة ولا كتابة، وانما كانت القراءة والكتابة في الخاصة وفي أصحاب المواهب، والقابليات الذين تدفعهم مواهبهم ونفوسهم على التعلم والتثقف وتزعّم الحركة الفكرية بين أبناء جنسهم. ومن هنا كانت كل الأمم أمية من حيث الأكثرية و الغالبية، انما اختلفت في نسبة المتعلمين والمتخصصين والمجتهدين ودرجتهم فيها.
وفي هذا تتباين وتختلف أيضاً، فقد كان اليونان والرومان والعالم النصراني في الدرجة الأولى في العهد الذي قارب الإسلام، يليهم الفرس واليهود والهنود. أما العرب، فقد كانوا يتباينون في ذلك أيضاً تبايناً يختلف باختلاف أماكنهم كما سأبين ذلك.
فأهل البوادي، ولا سيما البوادي النائية عن الحواضر، هم أميون ما في ذلك من شك، لأن طبيعة البادية في ظروفها المعلومة لا تساعد على تعلم القراءة والكتابة، ولا على ظهور العلوم وتطويرها فيها، غير اننا لا تعني انهم كانوا جميعاً أميين، لا قارىء بينهم ولا كاتب. فقد كان بينهم من يقرأ ويكتب، بدليل هذه النصوص الجاهلية التي عثر عليها مبعثرة في مواضع متناثرة من البوادي، وفي أماكن نائية عن الحضارة. وهي كتابات أعراب ورعاة إبل وبقر وأغنام، دوّنوها تسجيلاً لخاطر، أو للذكرى، أو رسالة لمن قد يأتي بينهم، فيقف على أمرهم، ومن هنا نستطيع أن نقول إن أعراب الجاهلية، كانوا أحسن حالاً من أعراب هذا اليوم، فقد كان فيهم الكاتب القارىء، الذي يهتم بتسجيل خواطره، وباثبات وجوده بتدوينه هذه الكتابات، وأن الأمية المذكورة لم تكن أمية عامة جامعة، بل أمية نسبية، على نحو ما نشاهده اليوم في مجتمعاتنا من غلبة نسبة الأمية على نسبة المتعلمين.
وأما أهل الحواضر، فقد كان بينهم من يقرأ ويكتب، كما كان بينهم الأمي أي الجاهل بالقراءة والكتابة. كان منهم من يقرأ ويكتب بالقلم المسند، وكان بينهم من يقرأ ويكتب بالقلم الذي دوّن به القرآن الكريم، فصار القلم الرسمي للاسلام، بفضل تدوين الوحي به، كما كان بينهم من يكتب بقلم النبط وبقلم بني إرم. وكان بينهم من يكتب ويقرأ بقلمين أو أكثر.
وقد سبق إن ذكرنا إن الأحناف كانوا يكتبون ويقرأون، ورأينا بعضاً منهم كان يكتب بأقلام اعجمية، وكان قد وقف على كتب أهل الكتاب، وكانوا أصحاب رأي ومقالة في الدين وفي أحوال قومهم. وذكرت انهم قالوا عن بعضهم، مثل "ورقة بن نوفل"، انه كان "يكتب الكتاب العبراني،فيكتب بالعبرانية من الإنجيل ما شاء أن يكتب".
وقد ذكر "الهمداني" إن العرب كانت "تسمي كل من قرأ الكتب أو كتب:، صابئاً، وكانت قريش تسمي النبي، صلى الله عليه وسلم، أيام كان يدعو الناس بمكة ويتلو القرآن: صابئاً". فالصباة على تفسير "الهمداني"، هم الكتبة وكل من قرأ الكتب، وعلى ذلك يكون الحنفاء في جملة الصباة.
وقد ذكر أهل الأخبار انه كان لدى "الأكاسرة" ديوان خاص يدون فيه كل ما يخص عرب الحيرة وسائر العرب بالعربي، ويتولى أيضاً ترجمة كل ما يرد إلى الدولة بالعربية إلى الفارسية، ويترجم ما يصدر بالفارسية من الحكومة إلى العرب بالعربية، وان في جملة من اشتغل في هذا الديوان وقام بالترجمة فيه "زيداً العبادي"، أبا الشاعر الشهير "عدي بن زيد العبادي"، وزعم "ابن الكلبي" إن ملوك الحيرة كانوا يملكون دواوين فيها أخبارهم ومقدار مدد حكمهم وما قيل في مدحهم من شعر، وفي خبر صحيفة المتلمس وقراءة أحد غلمان الحيرة للصحيفة التي كان يحملها ما يشير إلى معرفة غلمان أهل الحيرة القراءة والكتابة.
وفي كل هذه الروايات والأخبار تفنيد لزعم من ذهب إلى إن العرب قبل الإسلام كانوا جميعاً في جهالة وأمية.
بل ورد في روايات أهل الأخبار في ترجمة عدي بن زيد العبادي المذكور: إن كان في الحيرة معلمون، يعلمون الأطفال القراءة والكتابة، يذهبون إلى بيوت الأطفال يعلمونهم إن شاء أهلهم، أو يعلمونهم في الكتاتيب. وقد ورد أيضاً: إن من الكتاتيب ما كانت تعلم بالعربية ومنها ما كانت تعلم بالفارسية. فكان جدّ عدي ين زيد العبادي مثلاً ممن تعلم في دار أبيه، وخرج من أكتب الناس في يومه "وطلب حتى صار كاتب ملك النعمان الأكبر. وكان أبوه زيد ممن حذق الكتابة والعربية، ثم علم الفارسية. ولما تحرك عدي، وأيفع، طرحه أبوه في الكتاب، حتى إذا حذق أرسله المرزبان مع ابنه شاهان مرد إلى كتاب الفارسية، فكان يختلف مع ابنه، ويتعلم الكتابة والكلام بالفارسية، حتى خرج من أفهم الناس بها، وافصحهم بالعربية، وقال الشعر وتعلم الرمي بالنشاب، فخرج مع الأساورة الرماة، وتعلم لعب العجم على الخيل بالصوالجة وغيرها".
وذكر أهل الأخبار إن "لقيط بن يعمر الإيادي" الشاعر كتب صحيفة إلى قومه إياد، يحذرهم من كسرى. وكان كاتباً ومترجماً في قصر كسرى، يكتب من الفارسية إلى العربية ومن العربية إلى الفارسية، فلما أراد كسرى الانتقام من قومه، كتب اليهم قصيدة في صحيفة، فيها: سلام في الصحيفة من لقيط إلى من بالجزيرة من إياد
وذكر إن "سعد بن مالك" أرسل ابنه "المرقش" الشاعر المعروف وأخاه إلى رجل من أهل الحيرة، فعلمهما الكتابة، فكانا يكتبان أشعارهما، وذكر انه كان يكتب بالحميرية، وانه كتب أبياتاً بها على خشب رحل "الغفيلي الذي تركه وحده لما مرض، فلما قرأوا الكتابة ضربوا "الغفيلي" حتى أقر.
وكان جفينة العبادي، وهو من نصارى الحيرة، وظئراً لسعد بن أبي وقاص، كاتباً، قدم المدينة في عهد عمر، وصار يعلم الكتابة فيها. وقد اتهمه "عبيد الله بن عمر" بمشايعة أبي لؤلؤة على قتل أبيه، فقتله وقتل ابنيه.
ولما نزل "خالد بن الوليد" الأنبار، رآهم يكتبون بالعربية ويتعلمونها، فسألهم: ما أنتم ? فقالوا: قوم من العرب، نزلنا إلى قوم من العرب قبلنا - فكانت اوائلهم نزلوها أيام بختنصر حين أباح العرب، ثم لم تزل عنها - فقال: ممن تعلمتم الكتاب ? فقالوا: تعلمنا الخط من إياد، وأنشدوه قول الشاعر: قومي إياد لو انـهـم أمـم أو لو أقاموا فتهزل النعـم
قوم لهم باحةُ العـراق إذا ساروا جميعاً والخط والقلم
ووجد "خالد بن الوليد" أهل "النقيرة" يعلّمون أولادهم الكتاب في كنيستها. وهي قرية من قرى "عين التمر". ومنها كان "حمران" مولى "عثمان بن عفان". ولما فتح "خالد" حصن عين التمر، وغنم ما فيه، "وجد في بيعتهم أربعين غلاماً يتعلمون الانجيل، عليهم باب مغلق، فكسره عنهم"، ثم أخرجهم، فقسّمهم في أهل البلاء، فكان منهم نصير، أبو موسى ابن نصير، وسيرين أبو محمد بن سيرين، وخمران مولى عثمان وغيرهم.
فنحن في العراق أمام مدارس تعلم العربية في القرى وفي الأماكن التي تكون غالبية سكانها من العرب، وتعلمهم أمور دينهم من نظر في الأناجيل وفي الكتب الدينية النصرانية والعلوم اللسانية المعروفة إلى غير ذلك من علوم ومعرفة وثقافة.
وورد في روايات أهل الأخبار ان عدداً من الشعراء الجاهليين كانوا يكتبن ويقرأون. وكان منهم من إذا نظم شعراً دوّنه ثم ظل يعمل في اصلاحه وتنقيحه وتحكيك ما نظمه إلى أن يرضى عنه. فينشده الناس. وممن كان يكتب ويقرأ سويد بن الصامت الأوسي، صاحب مجلة لقمان، والزبرقان بن بدر، وكعب ابن زهير، وكعب بن مالك الأنصاري، والربيع بن زياد العبسي، وكان هو واخوته من الكملة. وقد كتب إلى "النعمان بن المنذر". شعراً يعتذر إليه فيه.
وذكر ان أهل "دومة الجندل" كانوا يكتبون ويقرأون، وان أهل مكة انما تعلموا الكتابة من أحدهم. وورد إن قوماً من "طيء" تعلموا الكتابة والقراءة من كاتب الوحي لهود. وذكر إن "بشر بن عبد الملك" السكوني، أخو "أكيدر بن عبد الملك بن عبد الجن" السكوني الكندي صاحب دومة الجندل، وكان نصرانياً، يأتي الحيرة فيقيم بها الحين، تعلم الخط العربي من أهل الحيرة، ثم أتى مكة في بعض شأنه، فرآه "سفيان بن أمية بن عبد شمس " و "أبو قيس بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب" يكتب فسألاه أن يعلمهما، الخط، فعلمهما الهجاء، ثم أراهما الخط، فكتبا. ثم إن بشراً وسفيان وأبا قيس أتوا الطائف في تجارة فصحبهم "غيلان بن سلمة الثقفي"، فتعلم الخط منهم، وفارقهم بشر ومضى إلى ديار مضر، فتعلم الخط منه "عمرو بن زرارة بن عدس " فسمي عمرو الكاتب. ثم أتى بشر الشام، فتعلم الخط منه ناس هناك.
وتعلم الخط من الثلاثة الطائيين: "مرامر بن مرة"، و "أسلم بن سدرة"، و "عامر بن جدره"، الذين وضعوا الخط وقاسوا هجاء العربية على هجاء السريانية، فتعلمه منهم أهل الأنبار - رجل من طابخة كلب، فعلمه رجلاً من أهل وادي القرى، فأتى الوادي يتردد، فأقام بها،وعلم الخط قوماً من أهلها.
وقد وصف الشاعر "أبو ذؤيب" الهذلي كاتباً من اليمن وهو يكتب كتاباً، ولم يكن خط هذا الكتاب بالقلم العربي، قلم أهل مكة، وانما كان بقلم أهل اليمن وهو المسند. وذلك كما يظهر من تعابير هذا الشاعر الواردة في شعره، إذ يقول: عرفتُ الديار كرَقْم الـدوا ة يزبره الكاتب الحميريّ
برقم ووشى كما زخرفت بميشمها المُزدَهاة الهدي
أدانَ وأنـبـأه الأولــو ن أن المدان المليُّ الوفيّ
فنمنم في صحف كالـريا طِ فيهن إرث كتاب محيّ
وهي قصيدة عدتها أربعة عشر بيتاً، ذكر في أولها دروس الديار وطموسها إلى أن رثى ابن عمه "نشيبة" بخمسة أبيات من آخرها.
ويظهر من هذه الأبيات إن ذلك الكاتب الحميري كان يكتب بالحبر الموجود في دواة على شيء يصلح للكتابة عليه كأديم أو قرطاس، ولم يكن يستعمل المزبر المعمول من حديد لنقش الحروف على الحجر. وهذا مما يدل على ان أهل العربية الجنوبية كانوا يكتبون على مواد الكتابة الأخرى بالحبر والقلم، فعل أهل مكة وأهل الحيرة ودومة الجندل.
وذكر أهل الأخبار أيضاً، إن رجلين من "بني نهد بن زيد" يقال لهما "حزن" و "سهل" كانا يكتبان ويقرأ ان، وكانا قد زارا "الحارث بن مارية" الغساني، وكان عندهما حديث من أحاديث العرب، ولهما ظرافة وأدب وصحبة، فنزلا منزلاً طيباً من قلب الحارث، فحسدهما "زهير بن جناب الكلبي" وكان من ندماء الملك، فأراد افساد مكانهما عنده، فقال له: "هما يكتبان إليه بعورتك وخلل ما يريان منك". يريد اخباره انهما كانا يتجسسان عليه فيكتبان بأخباره إلى خصمه "المنذر" الأكبر، ملك الحيرة، جدّ النعمان بن المنذر.
وأما عرب بلاد الشام، فلم يذكر أهل الأخبار شيئاً عن علمهم بالكتابة والقراءة، ولكن ذلك لا يمكن أن يكون دليلا على جهلهم بها. ولا سيما انهم كانوا على اتصال ببني إرم في بلاد الشام وبعرب بلاد العراق، ثم انه يجوز انهم كانوا يكتبون بقلم بني إرم، على عادة معظم شعوب الشرق الأدنى إذ ذاك، في الكتابة به، لأنه كان قلم العلم والثقافة والأدب في ذلك الحين. ثم اننا سمعنا إن ملوكهم المتنصرين كانوا يرأسون مجالس المناظرات في أمور الدين، ويبحثون مع رجال الدين في موضوعات دينية، ويدافعون عن مذهب اليعاقبة في طبيعة المسيح، ومثل هؤلاء الملوك لا يعقل أن يكونوا جهلة أميين لا يقرأون ولا يكتبون.
وقد سبق أن تحدثت عن،الكتابات الصفوية وعن كتابات عربية شمالية أخرى، عثر عليها السياح والمستشرقون في مواضع متعددة من "الصفاة" وفي البوادي، كتبت على صخور وهشيم صخور منثور، دلّ البحث فيها على انها كتابات أعراب، كان أصحابها يتنقلون من مكان إلى مكان طلباً للمرعى والصيد.
وتدل تلك الكتابات الصفوية على إن أعراب الجاهلية كانوا في أيام الجاهلية أحسن حالاً من حيث علمهم بالكتابة والقراءة من أعراب هذا اليوم. فالكتابات الصفوية الكثيرة المبعثرة في البوادي، هي كتابات أعراب، متجولين، كانوا يرعون الإبل وبقية الماشية،فكانوا يسلوّن أنفسهم بالكتابة والتصوير على الحجارة، بينما لا نكاد نجد بين اعراب هذا اليوم من يكاد يقرأ ويكتب.
كما تحدثت عن كتابات ثمودية، وثمود قوم من لبّ العرب ومادة العرب البائدة الأولى في عرف النسابين، وتحدثت أيضاً عن القلم المسند بلهجاته ولغاته، فهل يصدق بعد هذا قول من زعم إن العرب قبل الإسلام كانوا في جهالة عمياء، لا يقرأون ولا يكتبون.
ولا يعقل أن يكون المذكورون أميين كتبوا للتسلية والتلهية، وان الأوامر والقوانين التي دوّنها ملوك اليمن قبل الإسلام وأعلنوها للناس بوضعها في المحلات العامة وفي الأماكن البارزة كانت مجرد تدوين أو تزويق وتزيين، لا للاعلان ولإفهام المواطنين بمحتوياتها. إن تدوين تلك الكتابات ووضع الحجارة الفخمة المكتوبة للاعلان، دليل على إن في الناس قوماً يقرأون ويكتبون ويفهمون، وان الحكومات انما أمرت بتدوينها لإعلام الناس بمحتوياتها للعمل بها، كما تفعل الحكومات في الوقت الحاضر عند إصدارها أمراً أو قانوناً بإذاعته بالوسائل المعروفة على الناس للوقوف عليها، وان من بين الحجارة الصفوية واللحيانية والثمودية المكتوبة، ما هو رسائل وكتب وجهت إلى أشخاص معروفين، كما نفعل اليوم في توجيه الرسائل إلى الأقرباء والأصدقاء.
ووجد عند ظهور الإسلام قوم كانوا يكتبون ويقرأون ويطالعون الكتب بمكة ولهم إلمام بكتب أعجمية، ومن هؤلاء. "الأحناف" وقد ذكر عن بعض إنهم كانوا يجيدون بعض اللغات الأعجمية،. وانهم وقفوا على كتب اليهود والنصارى وعلى كتب اخرى. وفي معركة "بدر" اشترط الرسول على من أراد فداء نفسه ولم يكن موسراً من أهل مكة، أن يعلم عشرة نفر من المسلمين القراءة والكتابة، كما كان من عادة أهل مكة تدوين ما يجمعون عليه وما يلزمون أنفسهم به في صحف يختمونها بخواتمهم وبأسمائهم لتكون شواهد على عزمهم كالذي فعلوه في الصحيفة. وذكر إن أمية بن أبي الصلت كان فيمن قرأ الكتب ووقف عليها، وذكروا غيره أيضاً.
وذكر أهل الأخبار إن قوماً من أهل يثرب من الأوس والخزرج، كانوا، يكتبون ويقرأون عند ظهور الإسلام، ذكروا فيهم: سعد بن زرارة، والمنذر ابن عمرو، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وكان يكتب بالكتابين العربية والعبرية أو السريانية، ورافع بن مالك وأسيد بن حُضير، ومعنى "معن" بن عدي البلوي، وأبو عبس بن كثير، واوس بن خولى، وبشير بن سعيد، وسعد بنُ عبادهَ، والربيع بن زياد العبسي، وعبد الرحمن بن جبر، وعبدالله ابن أُبي، وسعد بن الربيع، وقد رجعوا أصل علمهم بالكتابة والقراءة إلى قوم من يهود يثرب، مارسوا تعليم الصبيان القراءة والكتابة، دعوهم "بني ماسكة"، ويظهر، إن صحت هذه الرواية، إن يهود يثرب كانوا يكتبون بالعربية أيضاً، وانهم كانوا يعلمونها للعرب. وتعرض البلاذري لهذا الموضوع فقال: "كان الكتاب في الأوس والخزرج قليلاً، وكان بعض اليهود قد علم كتاب العربية، وكان تعلمه الصبيان بالمدينة في الزمن الأول، فجاء الإسلام وفي الأوس والخزرج عدة يكتبون". ونجد هذا الخبر في موارد أخرى، أخذته دون أن تشير إلى السند، فظهر وكأنه حقيقة مسلمة وخبر متواتر، حتى جاز على المحدثين، فبنوا عليه حكماً، هو أن الكتاب كان في يثرب قليلاً، حتى جاء الإسلام، فانتشر بها، وانه لو كانت الكتابة منتشرة عندهم، لما كلف الرسول القارئين الكاتبين من أسرى بدر، بأن يعلم كل واحد منهم عشرة من صبيان المدينة القراءة والكتابة، فداءً لنفسه من الأسر.
ويظهر إن يهود يثرب، وربما بقية يهود، مثل يهود خيبر، وتيماء وفدك ووادي القرى، كانوا يكتبون بقلمهم، كما كانوا يكتبون بالعربية، ويظهر من استعمال "البلاذري" جملة: "وكان بعض اليهود قد علم كتاب العربية، وكان تعلمه الصبيان بالمدينة في الزمن الأول"،إن يهود يثرب كانوا يكتبون بالعربية، كما كان يكتب بها صبيان المدينة، وكانوا يعلمون الكتابة لصبيان يثرب في مدارسهم. وفي هذا الخبر وأمثاله دلالة على إن الكتابة كانت معروفة بين أهل يثرب أيضاً قبل الإسلام، وانها كانت قديمة فيهم، ولهذا فلا معنى لزعم من قال انها انتشرت بيثرب في الإسلام، وان الكتابة كانت قليلة بها قبل هذا العهد.
وقصد أهل الأخبار بجملة "وكان بعض اليهود قد علم كتاب العربية، الكتابة بالخط العربي الشمالي، لا بالقلم المسند، لأن هذا هو مرادهم من "الكتاب العربي" و "كتاب العربية"، ويظهر إن اليهود قد تعلموا الخط العربي من عرب العراق وبلاد الشام، أو من التجار والمبشرين الذين كانوا يفدون إلى الحجاز، وأما القلم المسند، الذي هو قلم العرب الجنوبين، فلم يكن مستعملاً في يثرب، وإلا لأشير إليه، مع انها من القواعد المتعصبة للقحطانية، وحاملة الدعوة الى اليمن قبل الإسلام وفي الإسلام. وهذا يدل على إن المسند كان قد طورد في جزيرة العرب قبل الإسلام، وأن سلطانه كان قد تقلص كثيراً، خارج العربية الجنوبية قبل نزول الوحي على الرسول، وربما كان القلم العربي الشمالي قد دخل العربية الجنوبية أيضاً قبل الإسلام، فأخذ ينافس المسند فيها، ولا سيما في المناطق التي تركزت فيها النصرانية وتحكمت في أهلها، فأخذ النصارىَ يقاومون ذلك القلم، لأنه قلم الوثنية، ويعلّمون أولاد النصارى القلم العربي الشمالي، لأنه قلمهم الذي كانوا يعلمون به في كنائس العرب في العراق وفي دومة الجندل وبلاد الشام.
وقد أطلق العرب على الذي يكتب بالعربية ويحسن العوم والرمي، وقيل الحساب أيضاً، والجَلَد أي الشجاعة، وقول الشعر، وأصحاب الشرف والنسب: الكملة. وجمع بعض أهل الأخبار إلى ذلك استواء القامة وكمال الإنسان. ومن هؤلاء الكملة: "سعد بن عبادة بن دليم" سيد الخزرج، وهو من أسرة غنية تطعم الفقراء، ولها أطم يأوي إليه الفقراء للأكل. ولما نزل النبي يثرب، كانت جفنة "سعد" تدور مع النبي، وكان يعشي كل ليلة أهل الصفة.
ومن الكملة: الربيع بن زياد العبسي. وكان هو واخوته من الكملة. و "رافع بن مالك"، و "أسيد بن حضير"، و "عبد الله ين أبي"، و "أوس بن خولى"، و "سويد بن الصامت"، و "حضير الكتائب".
ويظهر من النظر إلى قائمة أسماء من أدخلهم أهل الأخبار في الكملة، إن الكتابة والرماية والعوم، لم تكن الشروط الأساسية الكافية، لكي يعد الإنسان كاملا، فقد توفرت هذه الشروط في أناس آخرين، لم يدخلوا مع ذلك في الكملة، وانما هنالك أشياء اخرى بالاضافة إلى الأمور المذكورة، هي الشرف وكمال الجسم والعقل والامتناع عن الهجر في الكلام، والتحلي بالحكمة وبالفطانة واللب وقول الشعر المحكم الحكيم.
وكان "عبد الرحمان بن جبر"، أبو عبس الأنصاري، يكتب بالعربية قبل الإسلام. ومات سنة أربع وثلاثين.
وكان "المنذر"، "منذر بن عمرو بن خنيس بن حارثة بن لوذان" الخزرجي من الكتبة. وكان أحد السبعين الذين بايعوا الرسول، وأحد النقباء الاثني عشر. "وكان يكتب في الجاهلية بالعربية". قتل يوم بئر معونة. وكان "أبو جبيرة بن الضحاك" الأنصاري، ممن يكتب. وقد تولى الكتابة للخليفة "عمر".
وكان "قيس بن نشبة" عم الشاعر "العباس بن مرداس" السلمي، أو ابن عمه من الكتبة. ذكر انه كان ممن قرأ الكتب وتأله في الجاهلية. والعباس بن مرداس نفسه كان كاتباً، ذكر انه لما سمع إن رجلاً من أهل مكة اشترى إبلاً لقيس بن نشبة فلواه حقه، وان "قيساً" قام بمكة يقول: يا آل فهرٍ كنت في هذا الحرمفي حرمة البيت وأخلاق الكرم أظلم لا يمنع مني من ظلم بلغ ذلك "عباس بن مرداس" فكتب إليه أبياتاً منها:
واَئتِ البيوت وكن من أهلها مدداً تلـــق ابـــن حــــــرب وتـــــــلـــــــق الـــــــمـــــــرء عـــــــبّـــــــاســـــــا
فقام العباس بن عبد المطلب وأخذ له بحقه، وقال: أنا لك جار ما دخلت مكة، فكانت بينه وبين بني هاشم مودة.
وفي جملة من كان يكتب ويقرأ من أهل مكة "حرب بن أمية". واليه ينسب قوم من أهل الأخبار ادخال الكتابة بين قريش. وهو أبو "أبي سفيان ابن حرب"، فهو جدّ "معاوية بن أبي سفيان". وورد إن الذي حمل الكتابة إلى قريش بمكة "أبو قيس بن عبد مناف بن زهرة". فهو ناشر الكتابة على هذه الرواية بين أهل مكة. والاثنان على رأي أهل الأخبار من أقدم كتّاب مكة اذن، بل هما ناشرا الكتابة بها. وقد ذهب "ابن قتيبة" إن "بشر بن عبد الملك العبادي" علم "أبا سفيان بن أمية"، و "أبا قيس بن عبد مناف بن زهُرة" الكتاب، فعلّما أهل "مكة". وقد ذكر "السيوطي" عن "أبي طاهر" السلفي في "الطيوريات" بسنده عن "الشعبي"، انه "قال: أول العرب الذي كتب بالعربية حرب بن أمية بن عبد شمس". تعلم من أهل الحيرة، وتعلم أهل الحيرة من أهل الأنبار..
ولو أخذنا برأي من قال إن "حرب بن أمية" أو "أبو سفيان بن أمية"، ما أول من علم أهل مكة الكتابة، نكون قد جعلنا "بني أمية" أول من أدخل القلم إلى مكة، بفضل تعليم "بشر" لهم هذا القلم. ومنهم انتشر بين أهل مكة في عهد غير بعيد عن ايام النبي.
وذكر إن في جملة من كان يكتب قبل الإسلام."عمرو بن عمرو بن عدس"، وذكر "ابن النديم" إن "أسيد بن ابي العيص" كان من كتّاب العرب. وذكر انه كان في خزانة "المأمون" كتاب بخط "عبد المطلب بن هاشم" في جلد أدم، فيه ذكر حق "عبد المطلب بن هاشم" من أهل مكة على فلان بن فلان الحميري، من أهل وزل صنعا عليه ألف درهم فضة كيلاً بالحديدة ومتى دعاه بها أجابه. وكان الخط شبه خط النساء.
وكان "حنظلة بن أبي سفيان" ممن يحسن الكتابة والقراءة بمكة. فقد ورد في الأخبار انه كتب من مكة إلى والده "أبو سفيان"، وكان إذ ذاك مع العباس بن عبد المطلب بنجران، يخبره خبر الرسول. وكان والده يكنى به. وقد قتله "علي بن أبي طالب" يوم "بدر".
وكان "بغيض بن عامر بن هاشم" من كتاّب قريش قبل الإسلام. وهو الذي كتب الصحيفة على بني هاشم. وورد إن "أبا الروم بن عبد شرحبيل" واسمه "منصور بن عكرمة" هو الذي كتب الصحيفة.
وكان "الوليد بن الوليد" وهو أخو "خالد بن الوليد" ممن يكتب ويقرأ، وكان "خالد" ممن يقرأ ويكتب كذلك. وكان الوليد سبب اسلام "خالد". فقد كان قد فر من مكة ولحق بالرسول عمرة القضية، وكتب إلى أخيه خالد، إن الرسول قال له: "لو أتانا، لأكرمناه، وما مثله سقط عليه الإسلام في عقله"، فوقع الإسلام في قلب خالد. وكان سبب هجرته.
وكان "نافع بن ظريب بن عمرو بن نوفل ين عبد مناف بن قصي " القرشي ممن يكتب. أسلم يوم الفتح. وهو الذي كتب المصاحف لعمر بن الخطاب، أو المصحف، وذكر انه كان يكتب المصاحف، وانه كتب المصاحف لعثمان، فيظهر انه كان من نسّاخ المصاحف، ينسخها للناس.
وكان "حاطب بن أبي بلتعة" من الكتّاب. وكان حليفاً لبني أسد بن عبد العُزى، ويقال حالف الزبير، وقيل مولى "عبيد اللّه بن حميد بن زهير بن الحارث بن أسد". وهو الذي كتب كتاباً إلى أهل مكة يخبرهم بتجهيز رسول الله اليهم، فنزلت فيه: "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم". وقد شهد مع علي بن ابي طالب على كتاب رسول الله لسلمة بن مالك السلمي، الذي كتب الرسول به اقطاعه ما بين ذات الحناظي إلى ذات الأساود.
وكان الحكم بن أبي أحيحة سعيد بن العاصي، وهو الذي سماّه رسول الله "عبدالله" من اولئك الذين أمرهم الرسول إن يعلم الكتاب بالمدينة. وكان كاتباً قتل يوم "مؤته".
يقول أهل الأخبار: ولما نزل الوحي كان "في قريش سبعة عشر رجلاً كلهم يكتب: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعثمان بن عفان، وأبو عبيدة بن الجرّاح، وطلحة، ويزيد بن أبي سفيان، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وحاطب بن عمرو، أخو سهيل بن عمرو العامري من قريش، وأبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي، وأبان بن سعيد بن العاص بن أمية، وخالد بن سعيد أخوه، وعبدالله بن سعد بن أبي سرح العامري، وحويطب بن عبد العزى العامري، وأبو سفيان بن حرب بن أمية، ومعاوية بن أبي سفيان، وجهيم بن الصلت بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف، ومن حلفاء قريش: العلاء الحضرمي".
ولكننا لو أحصينا أسماء من كان يكتب من اهل مكة، ممن نص أهل الأخبار على أسمائهم، وممن لم ينصوا على اسمهم، وانما ذكروهم عرضاً في اثناء كلامهم عنهم فذكروا انهم كانوا يكتبون ويقرأون، لوجدنا إن عددهم أكثر بكثير من هذا الرقم المذكور، رقم سبعة عشر كاتباً، أو بضعة عشر نفراً، وهو عدد ورد اليهم على ما يظهر من خبر آحاد، انتشر في الكتب، فصار متواتراً منتشراً حتى في كتب المؤلفين في هذا اليوم، اتخذوه دليلاً على أمية العرب قبل الإسلام.
وقد استعان الرسول بقوم كتبوا له، أشار العلماء إلى أسمائهم. منهم من كتب له الوحي، فعرفوا من ثم ب "كتاب الوحي". ومنهم من كتب له بريده ورسائله، ومنهم من تولى له تدوين المغانم وأمور الزكاة والخرص والصدقة وما إلى ذلك من امور اقتضاها تطور الظروف والأحوال، ومنهم مثل "زيد بن ثابت " من كتب له بالعربية وبالعبرانية أو السريانية. وذكر إن بعضهم كان مثل زيد يكتب بغير العربية أيضاً. وكان ممن كتب له: "علي بن ابي طالب"، و "عثمان بن عفان"، و "معاوية بن أبي سفيان"، و "حنظلة الأسيدي"، و "خالد بن سعيد بن العاص"، و "ابان بن سعيد"، و "العلاء بن الحضرمي"، و "عبد الله بن أبي سرح".
وروي إن "أول من كتب له أبي بن كعب، وكان إذا غاب أُبي كتب له زيد بن ثابت".، وكان يكتب في الجاهلية.
وجاء في ترجمة أنس بن مالك: أن أمه جاءت به يوم قدم الرسول يثرب وقالت له: "يا رسول الله، هذا ابني وهو غلام كاتب". ومعنى هذا أن غلمان يثرب كانوا يقرأون ويكتبون.
وقد ورد في أخبار "بدر" أنه كان في أسرى قريش قوم يقرأون ويكتبون، وقد امر رسول الله بفك رقاب هؤلاء الأسرى على أن يكون فداؤهم تعليم كل واحد منهم عشرة من صبيان المسلمين الكتابة والقراءة. وقد علّم كل واحد منهم صبيان يثرب الكتابة فانتشرت الكتابة بينهم.
وذكر أن ممن كتب لرسول الله: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، والزبير بن العوّام، وخالد وابان ابنا سعيد بن العاص، وحنظلة الأسيدي، والعلاء بن الحضرمي، وخالد بن الوليد، وعبداللّه بن رواحة، ومحمد بن مسلمة، وعبدالله بن سعد بن أبي سرح، وعبدالله بن عبدالله بن ابي بن سلول، والمغيرة بن شعبة، وعمرو بن العاص، ومعاوية بن أبي سفيان، وجهيم بن الصلت، ومعيقيب بن أبي فاطمة، وشرحبيل بن حسنة، وعبدالله ابن الأرقم الزهري. وذكر أن عدد من كتب للرسول ثلاثة وأربعون كاتباً.
وأول من كتب للنبىّ من قريش "عبدالله بن سعد بن أبي سرح"، وأول من كتب له مقدمه المدينة "أبي بن كعب"، وهو أول من كتب في آخر الكتاب: وكتب فلان بن فلان. وهو من كتاب الوحي والرسائل. وقد كان "عبد الله بن الأرقم الزهري" من كتاب الرسائل للرسول، وأما الكاتب لعهوده إذا عهد وصلحه إذا صالح، فعلي بن أبي طالب. وقد وردت في أواخر بعض كتب الرسول أسماء كتاب تلك الكتب.
وفي طبقات "ابن سعد" صورة كتاب أمر بتدوينه رسول الله لنهشل بن مالك الوائلي من باهلة، كتبه "عثمان بن عفان".
وكان "علي بن أبي طالب" من كتاب الوحي، والكاتب لعهود الرسول إذا عهد، وصلحه إذا صالح. ذكر أنه تعلم الكتابة وهو صغير، ابن أربع عشرة سنة، تعلمها في "الكتاب".
وكان من كتّاب رسول الله الذين كتبوا له الرسائل إلى سادات القبائل يدعوهم فيها إلى الإسلام: خالد بن سعيد بن العاص، والمغيرة بن شعبة، ومعاوية، وعبدالله بن زيد، وأُبي بن كعب، وعليّ. وجُهيم بن الصلت، والأرقم ابن أبي الأرقم المخزومي، والزبير بن العوّام، والعلاء بن الحضرمي، وعقبة، والعلاء بن عقبة، وعثمان بن عفّان، ومحمد بن مسلمة الأنصاري، وثابت بن قيس بن شماس.
وعبدالله بن سعد بن أبي سرح، من كتاب الرسول، وقد كان أول مرتد في الإسلام. ارتد وكان قد خالف في كتابه إملاءه، فأنزل الله فيه آيات من القرآن نهى فيه عن اتخاذه كاتباً فهرب، فلما كان يوم "الفتح" التجأ الى "عثمان" أخوه من الرضاعة فأجاره، واستجار له "عثمان" عند النبي فأجاره له. وقد عينه "عثمان" عاملاً على مصر، وافتتح إفريقية، ومات سنة ست وثلاثين، أو سبع وخمسين، أو تسع وخمسين. وروي انه كان أول من كتب له من قريش.
وهناك رواية يرجع سندها إلى "أنس بن مالك"، تذكر أن "رجلاً كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان إذا أملى عليه سميعا بصيراً، كتب سميعاً عليماً، وإذا املى عليه سميعاً عليماً، كتب سميعاً بصيراً. وكان قد قرأ البقرة وآل عمران، وكان من قرأهما قرأ قرآناً كثيراً، فتنصر الرجل، وقال إنما كنت أكتب ما شئت عند محمد.. قال: فمات". ولا نعرف كاتباً ينطبق عليه هذا الوصف سوى "عبدالله بن سعد بن أبي سرح". فهو المراد بهذه القصة. وهي قصة لا يمكن أن تكون صحيحة، لأن ارتداد "عبدالله" إنما كان بمكة، فدليل النص عليه في سورة الأنعام، وهي سورة مكية، فكيف يكون قد قرأ سورة البقرة وآل عمران، ثم تنصر، وهما سورتان مدنيتان.
وفي "عبدالله" نزلت الآية: "ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً، أو قال: أوحى إليّ ولم يوحَ إليه شيء. ومن قال: سأنزل مثل الذيّ أنزل الله"، على رأي أكثر المفسرين. "كان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم، وكان فيما يملي عزيز حكيم، فيكتب غفور رحيم، فيغيره، ثم يقرأ عليه كذا وكذا لما حوّل، فيقول نعم سواء. فرجع عن الإسلام، ولحق بقريش. وقال لهم: لقد كان ينزل عليه عزيز حكيم، فأحوّله ثم أقول لما أكتب، فيقول: نعم سواء. ثم رجع إلى الإسلام قبل فتح مكة". وورد في رواية أخرى: "وكان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم، فكان إذا أملى عليه سميعاً عليماً، كتب هو عليماً حكيماً: وإذا قال: عليماً حكيماً، كتب سميعاً عليماً، فشك وكفر. وقال: إن كان محمد يوحى إليه، فقد أوحي إليّ وإن كان الله ينزله، فقد أنزلت مثل ما أنزل الله. قال محمد: سميعاً عليماً. فقلت أنا: عليماً حكيماً. فلحق بالمشركين، ووشى بعمار وجبير عند ابن الحضرمي، أو لبني عبد الدار، فأخذوهم فعذّبوا".
وورد في رواية أخرى: "كان قد تكلم بالإسلام فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذات يوم يكتب له شيئاً، فلما نزلت الآية التي في المؤمنين: ولقد خلقّنا الإنسان من سلالة. أملاها عليه، فلما انتهى إلى قوله: ثم أنشأ خلقاً آخر، عجب عبدالله في تفصيل خلق الإنسان، فقال: تبارك الله أحسن الخالقين. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هكذا أنزلت عليّ، فشك عبدالله حينئذ، وقال لئن كان محمد صادقاً لقد أوحي إلي كما أوحي إليه، ولئن كان كاذباً، لقد قلت كما قال. وذلك قوله: ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله. وارتد عن الإسلام".
وورد أنه كان يقول: كنت أصرف محمداً حيث أريد. كان يملي عليّ. عزيز حكيم، فأقول: أو عليم حكيم، فيقول: نعم كلُّ صواب. فهدر النبي دمه. وذكر أنه "قال لقريش: أنا آتي بمثل ما يأتي به محمد. وكان يملي عليه الظالمين، فيكتب: الكافرين، يملى عليه سميع عليم، فيكتب: غفور رحيم وأشباه ذلك. فأنزل الله: ومن أظلم ممن افترى على الله كَذباً، أو قال أوحي إليّ، ولم يوح إليه شيء. ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله. فلما كان يوم فتح مكة أمر رسول الله بقتله، فكلمه فيه عثمان بن عفّان، فأمر رسول الله بتركه.
وقد ذكر "الجاحظ" أنه "كتب لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم، فخالف في كتابة املائه. فانزل الله فيه آيات من القرآن نهى فيه عن اتخاذه كاتباً، فهرب حتى مات بجزيرة العرب كافراً". والصحيح أنه هرب، فلما كان يوم الفتح أمن النبي الناس إلا أربعة نفر وامرأتين. عكرمة، وابن خطل، ومقيس ابن صبابة، وابن أبي سرح، فأما عبدالله فاختبأ عند عثمان، فجاء به حتى اوقفه على النبى، وهو يبايع الناس، فاستجار له عثمان، فأجاره. وعاش وشهد فتح مصر مع "عمرو بن العاص"، وأمرَّه "عثمان" على مصر. واختلف في وفاته، فقيل مات سنة "536" وقيل عاش إلى سنة تسع وخمسين. وكان أخاً لعثمان في الرضاعة.
وكَان "جهيم بن الصلت بن مخرمة بن عبد المطلب بن عبد مناف المطلبي"، ممن تعلم الخط في الجاهلية، فجاء الإسلام وهو يكتب، وقد كان كتب لرسول الله. ذكر انه كان هو و "الزبير بن العوّام" يكتبان أموال الصدقات. وهو الذي كتب كتاب الرسول إلى "يحنه بن رؤبة" بتبوك، وكتابه ليزيد بن الطفيل الحارثي.
وذكر اسم "الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي" في جملة من كتب للرسول. ففي طبقات ابن سعد، أنه كتب له كتابه لعبد يغوث بن وعلة الحارثي، وكتابه لعاصم بن الحارث الحارثي، وكتابه للأجب، رجل من "بني سُليم".
وكان اسمه "عبد مناف بن أسد بن عبدالله بن عمر بن مخزوم"، ويكنى "أبا عبدالله"، كان من السابقين الأولين، قيل أسلم بعد عشرة، وقيل قبل ذلك. وكان رسول الله يجلس في داره التي على "الصفا"، حتى تكاملوا أربعين رجلاً، وكان آخرهم إسلاماً "عمر" فلما تكاملوا أربعين رجلاً خرجوا،وأقطعه النبي داراً بالمدينة.
و "عبدالله بن الأرقم بن أبي الأرقم" من كتاب الرسول كذلك. كان يجيب عنه الملوك، وبلغ من أمانته عنده أنه كان يأمره أن يكتب إلى بعض الملوك فيكتب ويختم ولا يقرأه لأمانته عنده، "قال عمر: كتب إلى النبي، صلى الله عليه وسلم كتاب. فقال لعبدالله بن الأرقم الزهري: أجب هؤلاء عني، فأخذ عبدالله الكتاب فأجابهم، ثم جاء به، فعرضه على النبى صلى الله عليه وسلم، فقال: أصبت، قال عمر ? فقلت: رضي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بما كتبت، فما زالت في نفسي يعني حتى جعلته على بيت المال". وكتب لأبي بكر وعمر، وكان على بيت المال أيام عمر، وكان أميراً عنده. وذكر أنه كان إذا غاب عن الرسول، وغاب زيد بن ثابت، واحتاج الرسول إن يكتب إلى أحد أمر من حضر إن يكتب. فمن هؤلاء عمر وعلي وخالد بن سعيد و المغيرة.
وكان عبدالله من الأرقم بن عبد يغوث الزهري، والعلاء بن عقبة، يكتبان بين الناس المداينات وسائر العقود والمعاملات. وذكر إن "عبدالله بن الأرقم" الزهري، كان من المواظبين على كتابة الرسائل عن النبي.
وكان "حنظلة بن الربيع بن صيفي" الأسيدي، من كتاب الرسول، وقد نعته الطبري ب "كاتب النبي". وعرف ب "الكاتب". وهو من "بني أسيد"، وبنو أسيد من أشراف تميم. وهو ابن أخي "أكثم بن صيفي" حكيم العرب. وقد عرف ب "حنظلة الكاتب". وذكر انه كان " خليفة كل كاتب من كتاّب النبي، إذا غاب عن عمله، فغلب عليه اسم الكاتب. وكان يضع عنده خاتمه، وقال له: ألزمني، واذكرني بكل شيء لثالثة. فكان لا يأتي على مال ولا طعام ثلاثة ايام إلا أذكره، فلا يبيت رسول الله وعنده شيء منه". ومات بمدينة الرها.
ومن كتّاب الرسول: "شرحبيل بن حسنة" الطابخي. ويقال الكندي، ويقال التميمي. وهو ممن سيره "أبو بكر" في فتوح الشام. وكان أميراً على ربع من أرباع الشام لعمر بن الخطاب، وقد مات في طاعون "عمواس".
وكان "خالد بن سعيد بن العاص" "خالد بن سعيد بن العاصي"ممن كتب للرسول. كتب له كتابه إلى "بني عمرو بن حمير". وهو من السابقين الأولين. وقد استعمله الرسول على صدقات مذحج وعلى صنعاء، فلم يزل عليها الى أن مات رسول الله. وكان له اخوة هما: أبان وعمرو بن سعيد بن العاص، وكانا ممن عملا للرسول. فلما توفي الرسول، رجعا مع خالد عن أعمالهم، فخرجوا إلى الشام، وفي جملة ما كتبه خالد، كتاب الرسول لبني أسد، وكتابه للعدّاء بن خالد بن هوذة ومن تبعه من عامر بن عكرمة، وكتابه لراشد ابن عبد السلمي، وكتابه لحرام بن عبد عوف من "بني سُليم"، وكتابه لبني غاديا، وهم قوم من يهود، وكتابه لبني عريض، قوم من يهود، وكتابه لثقيف، وكتابه لسعيد بن سفيان الرعليّ.
وكان "ابان بن سعيد بن العاص" "العاصي"، وهو اخو خالد، ممن أسلم بعد هجرة الرسول إلى يثرب. ويقال ايام خبير. وكان هو الذي تولى إملاء مصحف عثمان على زيد بن ثابت، يوم جمعه في خلافة عثمان، أمرهما بذلك عثمان. وذلك في رواية من جعله حياً إلى ايام الخليفة "عثمان". وزعم في روايات أخرى انه قتل يوم أجنادين سنة ثلاث عشرة، أو يوم اليرموك. وقيل قتل يوم مرج الصفر. وذكر في رواية انه توفي سنة سبع وعشرين في خلافة عثمان.
وكان "طلحة" من الكتبة. وهو أحد الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام، وأحد الستة أصحاب الشورى. وكان تاجراً، وكان عند وقعة بدر في تجارة في الشام. ولما قدم المدينة آخى النبى بينه والزبير. وذكر انه آخى بينه وبين "كعب بن مالك" حين آخى بين المهاجرين والأنصار. وكان من الأغنياء، كانت غلته ألفاً وافياً تهل يوم. والوافي وزنه وزن الدينار، وعلى ذلك وزن دراهم فارس التي تعرف بالبغلية.
والزبير بن العوّام في جملة من كتب للرسول. كتب له كتابه لبني معاوية بن جرول الطائيين.
و "أبو عبيدة بن الجراح"، من هذه الجماعة الكاتبة القارئة. وهو من الأوائل الذين دخلوا في الإسلام، كان إسلامه قبل دخول النبي دار "الأرقم"، وقد آخى الرسول بينه وبين "سعيد بن معاذ".
و "العلاء بن الحضرمي"، وهو "عبدالله بن عماد"، وكان أبوه قد سكن مكة وحالف حرب بن أمية، وكان للعلاء عدة إخوة منهم: "عمرو بن الحضرمي"، وهو أول قتيل من المشركين، وماله أول مال خمس في المسلمين، وبسببه كانت وقعة بدر. وقد استعمل النبي "العلاء" على البحرين. وهو الذي كتب للرسول كتابه لبني معن الطائيين، وكتابه لأسلم من خزاعة.وكان أخوه "ميمون بن الحضرمي" صاحب بئر "ميمون" التي بأبطح مكة، احتفرها في الجاهلية. وذكر "المسعودي" أن العلاء ربما كتب بين يدي النبي مع "ابان ابن سعيد".
و "يزيد بن أبي سفيان" أخو "معاوية" من الكتاب كذلك توفي سنة "18" أو "19" للهجرة. وهو ممن أسلم يوم الفتح، وقد كان عمر قد استخلفه على "الشام" بعد وفاة "معاذ"، فلما مات استخلف أخاه "معاوية".
وكان "معاوية بن أبي سفيان" من كتبة الرسول. وذكر أنه كان "من الكتبة الحسبة الفصحاء". ومعنى هذا أنه كان يتقن الكتابة والحساب. ولم يذكر من ذكر سيرته متى تعلم الكتابة. ولا استبعد أن يكون قد تعلمها بمكة قبل دخوله في الإسلام. وهو ممن ولد قبل الإسلام وأسلم عام الفتح. فتكون كتابته للرسول اذن بعد هذا العام. ومن كتبه التي كتبها للرسول كتابه لربيعة بن ذي مرحب الحضرمي، وكتابه لبني قرة بن عبدالله بن أبي نجيح النبهانيين، وكتابه لعتبة بن فرقد، وكتابه لوائل بن حجر لما أراد الشخوص إلى بلاده. وذكر "المسعودي" أن "معاوية" كتب للرسول قبل وفاته بأشهر.
و "المغرة بن شعبة" من دهاة العرب وشياطينهم. أسلم قبل عمرة الحديبية. وكان يقال له "مغيرة الرأي". وكان رسول "سعد" إلى "رستم"، أصيبت عينه باليرموك، وروي انه كان أول من وضع ديوان البصرة، واول من سلم عليه بالامرة. وهو الذي كتب كتاب رسول الله إلى أهل نجران. وكتابه ليزيد بن المحجل الحارثي. وكتابه لبني قنان بن ثعلبة من بني الحارث، وكتابه لبني جُوين الطائيين، وكتابه لعامر بن الأسود بن عامر بن جوين الطائي، وكتابه لبني الجُرمز بن ربيعة، ومم من جهينة. وذكر انه والحصيٍن بن نمير كانا يكتبان ما بين الناس.
و "معيقيب" ابن أبي فاطمة، من "ذي أصبح" وقيل من "بني سدوس".
وكان حليفاً لبني عبد شمس. اسلم بمكة. وقد ولاه "عمر" بيت المال، ثم كان على خاتم "عثمان". وورد انه كان حليف بني أسد، وكان يكتب مغانم رسول الله.
وكان "عقبة بن عامر بن عبس" الجهني الصحابي المشهور من الكتاب وصف بأنه "كان قارئاً عالماً بالفرائض والفقه، فصيح اللسان، شاعراً كاتباً، وهو أحد من جمع القرآن". وعثر على مصحفه بمصر على غير تأليف مصحف "عثمان" "وفي أخره: كتبه عقبة بن عامر بيده". ونجد في طبقات "ابن سعد" صورة كتاب أمر الرسول بكتابته لعوسجة بن حرملة الجهني في آخره: "وكتب عقبة وشهد".
وجاء في خبر ضعيف أنه كان للرسول كاتب يقال له "السجل"، وكاتباً يقال له: "ابن خطل، بكعب قدام النبي، صلى الله عليه وسلم، فكان إذا نزل: غفور رحيم، كتب رحيم غفور، وإذا نزل: سميع عليم، كتب عليم سميع. وفيه: فقال ابن خطل: ما كنت أكتب إلا ما اريد، ثم كفر ولحق بمكة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، من قتل ابن خطل، فهو في الجنة.فقتل يوم الفتح وهو متعلق بأستار الكعبة". وهذا وهم، وقد خلط صاحب هذا الخبر بين "عبدالله بن أبي سرح" وبين "ابن خطل" الذي لم يرد في الأخبار انه كتب للرسول.
وذكر "ابن دحية" أن في "بني النجار" كاتباً كان يكتب الوحي للرسول ثم تنصر. وهو خبر لا نجده في الموارد الأخرى، ولم ينص على اسم الكاتب، والأغلب في نظري أنه من الأخبار الموضوعة، وضع على بني النجار للإساءة اليهم، وضعه من كان يتحامل عليهم.
ويظهر إن كتّاب الرسول قد وزعوا الأعمال الكتابية فيما بينهم، أو إن الرسول هو الذي وزع تلك الأعمال عليهم، حيث خصص كل واحد منهم بعمل من الأعمال. فقد روي إن علياً وعثمان كانا يكتبان الوحي فإن غابا كتب أبي بن كعب وزبد بن ثابت. وان خالد بن سعيد بن العاص ومعاوية يكتبان بين يديه في حوائجه، وان المغيرة بن شعبة والحصين بن نمير يكتبان ما بيٍن الناس. وان عبدالله بن الأرقم والعلاء بن عقبة يكتبان بين القوم في قبائلهم ومياههم وفي دور الأنصار بين الرجال والنساء. وان زيد بن ثابت يكتب إلى الملوك مع ما كان يكتبه من الوحي. وإن معيقيب بن أبي فاطمة الدوسي يكتب مغانم رسول الله. وان حنظلة بن الربيع "ربيعة" بن المدقع بن أخي اكثم بن صيفي الأسدي، "الأسيدي"، خليفة كل كاتب من كتاّب النبي، إذا غاب عن عمله فغلب عليه اسم الكاتب. وكان يضع عنده خاتمه. وقال له: الزمني واذكرني بكل شيء لثالثة. فكان لا يأتي على مال ولا طعام ثلاثة ايام إلا اذكره، فلا يبيت رسول اقه وعنده شيء منه. فهو كاتب عام يكتب للرسول في كل أموره، وهو خليفة كل الكتّاب. ولهذا غلبت عليه لفظة "الكاتب". وقد كانت وفاته في خلافة "عمر"، ومات في "الرها" من بلاد مضر.
وذكر أن "المغيرة بن شعبة" و "الحصين بن نمير" يكتبان ايضاً فيما يعرض من حوائجه.
و "حذيفة بن اليمان " "توفي سنة 36 ه" ممن بكتب خرص النخل. وخصص" المسعودي" عمله بخرص الحجاز.
وذكر "عبدالله بن زيد" الضمري في جملة كتاّب رسول الله إلى الملوك.ونجد في طبقات "ابن سعد" صورة كتاب أرسله رسول الله "لمن أسلم من حدَسٍ من لخم"، كتبه له "عبدالله بن زيد".
وكان "العلاء بن عقبة" فيمن كتب للنبي. وذكر أن الرسول كان يبعثه والأرقم في دور الأنصار. وكانا يكتبان بين الناس المداينات والعهود والمعاملات. وفي جملة ما كتبه للرسول كتابه لبني شنَخْ من جهينة، وكتابه للعباس بن مرداس السلمي، أنه أعطاه "مدفواً". وذكر أنهما كانا يكتبان بين القوم في قبائلهم ومياههم، وفي دور الأنصار بين الرجال والنساء.
و "أُبي بن كعب بن قيس" من كتّاب الوحي، وهو من يثرب من "بني النجار" من "الخزرج". وقد عرف ب "سيد القرّاء"، وكان أقرأ الناس للقرآن. وكان أحد فقهاء الصحابة وأقرأهم لكتاب الله. وكان ممن كتب للنبى قبل "زيد بن ثابت" ومعه أيضاً. وذكر انه كان أول من كتب لرسول الله مقدمه المدينة، وأول من كتب في آخر الكتاب: "وكتب فلان" وكان إذا لم يحضر دعا رسول الله "زيد بن ثابت" فكتب. وكان وزيد يكتبان الوحي بين يدى الرسول، ويكتبان كتبه إلى الناس وما يقطع وغير ذلك. ونجد في طبقات ابن سعد، صور كتب دوّنها أُبي للرسول، منها كتابه لخالد بن ضماد الأزدي، وكتابه لعمرو بن حزم، وهو عهد يعلمه فيه شرائع الإسلام وفرائضه وحدوده، حيث بعثه إلى اليمن، ومنها كتابه لجنادة الأزدي، وكتابه للمنذر ابن ساوى، وكتابه إلى "العلاء بن الحضرمي"، بشأن ارسال ما تجمع عنده من الصدقة والعشور، وكتابه لجماّع في جبل تهامة كانوا قد غصبوا المارة من كنانة والحكم والقارة ومن اتبعهم من العبيد، وكتابه لبارق من الأزد. وقد شهد على صحته أبو عبيدة بن الجرّاح وحذيفة بن اليمان.
وزيد بن ثابت من الأنصار، من "بني النجار". ولما قدم الرسول المدينة استكتبه، فكتب له الوحي، كما تولى له أمر كتابة الرسائل. ذكر أنه تعلم الكتابة على أسرى "بدر" في جماعة من غلمان الأنصار. فقد "كان فداء الأسرى من أهل بدر أربعين أوقية أربعين أوقية، فمن لم يكن عنده علّم عشرة من المسلمين، فكان زيد بن ثابت ممن عُلّم". وذكر أنه جاء إلى أبيه وهو يبكي، فقال ما شأنك ? قال: ضربني معلمي، قال: الخبيث يطلب بذحل بدر، والله لا تأتيه أبداً.
وروي أنه في السنة الرابعة من الهجرة أمر الرسول زيد بن ثابت أن يتعلم كتاب يهود، وقال لا آمن أن يبدّلوا كتابي. فتعلم كتابهم، وتولى أمر كتابة رسائل الرسول اليهم، والرد على رسائلهم. ونسب إليه اتقانه الكتابة بلغات أخرى. ذكر المسعودي منها: الفارسية والرومية والقبطية والحبشية. وأنه تعلم ذلك بالمدينة من أهل هذه الألسن، وكان يكتب إلى الملوك ويجيب بحضرة النبى ويترجم له وقيل إنه كان من أعلم الصحابة بالفرائض. وكان هو الذي تولى قسم غنائم اليرموك. وتولى جمع القرآن في أيام أبي بكر، بتكليف من الخليفة. وذكر أنه كان "رأساً بالمدينة في القضاء والفتوى والقراءة والفرائض". وقد عرض زيد القرآن على رسول الله، "وكان آخر عرض رسول الله، صلى الله عليه وسلم، القرآن على مصحفه، وهو اقرب المصاحف من مصحفنا".
وكان حين قدم رسول الله المدينة ابن احدى عشرة سنة. وكان يوم "بعاث " ابن ست سنين وفيه قتل ابوه. ويظهر انه كان قد تعلم الكتابة وهو صغير. ذكر انه أتي بزيد النبي مقدمه المدينة، فقيل هذا من بني النجار وقد قرأ سبع عشرة سورة، فقرأ عليه فأعجبه ذلك، فقال: تعلم كتاب يهود، فإني ما آمنهم على كتابي. فتعلمها، وتولى الكتابة بالعبرانية أو السريانية بين الرسول واليهود، فضلاً عن كتابة رسائله وما ينزل عليه من الوحي حين يكّون عنده لذلك عدّ من البارزين في قراءة القرآن. وبرز في القضاء والفتوى والفرائض،وعدّ من اصحاب الفتوى، وهم ستة: عمر وعليّ وابن مسعود وأُبي وأبو موسى، وزيد بن ثابت، وهو الذي جمع القرآن.
وهو الذي جمع القرآن في عهد "ابي بكر"، وقد اختلفت في سنة وفاته، فقيل مات سنة اثنتين أو ثلاث أو خمس وأربعين، وقيل سنة احدى أو اثنتين، أو خمس وخمسين. وفي خمس وأربعين قول الأكثر، وذكر ان حسان رثاه بقوله: فمن للقوافي بعد حسان وابنـه ومن للمعاني بعد زيد بن ثابت
وعهد رسول الله إلى "زيد" احصاء الناس والغنائم، وتقسيمها عليهم حسب حصصهم.
وكان "ثابت بن قيس بن شماس" الأنصاري ممن كتب للرسول. كتب له كتابه لوفد ثُمالة والحدّان. وقد شهد على الكتاب ووقع عليه "سعد بن عبادة"، و "محمد بن مسلمة". وكان خطيب الأنصار. وقد قتل يوم اليمامة". وهو الذي أمره الرسول أن يجيب على خطاب خطيب. "تميم" ولسانها الناطق "عُطارد ابن حاجب". فكان خطيب المسلمين.
و "محمد بن مسلمة"، هو من الأوس. ولد قبل البعثة، وهو أول من سُمّي في الجاهلية محمداً. أسلم قديماً على يدي "مصعب بن عمير"، وآخي الرسول بينه وبين "أبي عبيدة". واستخلفه الرسول على المدينة في بعض غزواته. وقد كتب للرسول كتابه لمهري بن الأبيض. توفي سنة "43" أو "46".
وكان "أوس بن خولي" من كتاب يثرب، ولما كان صلح "الحديبية " وأراد الرسول تدوين الصلح "دعا أوس بن خولي يكتب، فقال سهيل: لا يكتب إلا ابن عمك عليّ، أو عثمان بن عفان، فامر علياً فكتب". وهو من الخزرج. ولما الرسول بين الأنصار والمهاجرين آخى بينه وبين شجاع بن وهب. وكان من "الكملة"، ولما قبض الرسول وأرادوا غسله، حضرت الأنصار، وابت على المهاجرين إلا أن يحضر منها أحد، فقيل لهم: اجتمعوا على رجل منكم، فاجتمعوا على أوس بن خولي، فحضر غسل رسول الله ودفنه مع أهل بيته. وتوفي في خلافة عثمان.
وكان "عبد الله بن رواحة" الخزرجي من كتاّب الرسول ومن الشعراء المعروفين بيثرب ومن السابقين الأولين من الأنصار وأحد النقباء ليلة العقبة. وكان الرسول يقول له: "عليك بالمشركين"، فينظم الشعر فيهم. وكان يناقض "قيس بن الخطيم" في حروبهم، ولما دخل الرسول مكة في عمرة القضاء كان ابن رواحة بين يديه، وهو يقول: خلّوا بني الكفار عن سبيله اليوم نضربكم على تأويله
ضرباً يزيل الهام عن مقيله ويذهل الخليل عن خليلـه
ومدح الرسول، وكان من جيد مدحه له قوله: لو لم تكن فيه آيات مبينة كانت بديهته تنبيك بالخبر
وذكر بعض أهل الأخبار أنه لما نزلت: "والشعراء يتبعهم الغاوون. قال عبدالله بن رواحة: قد علم الله أني منهم، فأنزل الله: إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات". وسورة الشعراء التي فيها آية: )والشعراء يتبعهم الغاوون( وما بعدها، من السور التي نزلت بمكة إلا هذه الآية وما بعدها، وهي أربع آيات في آخرها، نزلت بالمدينة في شعراء الجاهلية، ثم استثنى منهم شعراء المسلمين منهم: حسان بن ثابت وكعب بن مالك، وعبدالله بن رواحة، فقال تعالى: )إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيراً، وانتصروا من بعد ما ظلموا، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون(، فصار الاستثناء ناسخاً له من قوله والشعراء يتبعهم الغاوون.
وهناك كتبة آخرون كتبوا الكتاب والكتابين والثلاثة للرسول، ذكر "المسعودي " أنه لم يثبت اسماءهم في جملة أسماء من كتب للرسول لأنه لم يكتب من أسماء كتاب الرسول إلا من ثبت على كتابته واتصلت أيامه فيها وطالت مدته وصحت الرواية على ذلك من أمره دون من كتب الكتاب والكتابين والثلاثة إذ كان لا يستحق بذلك أن يسمى كاتباً ويضاف إلى جملة كتابه.
وذكر إن كتاب النبي كانوا يكتبون بالخط المقور، وهو النسخي. أما الخط "المبسوط" ويسمى باليابس، فقد استعمل في النقش على الأحجار وأبواب المساجد وجدران المباني، وفي كتابة المصاحف الكبيرة، وما يقصد به الزينة والزخرف، وغلب علبه اطلاق لفظ "الكوفي".
وكان بشير بن كعب العدوي ممن قرأ الكتب. وذكر انه كان من التابعين. وكان "عبدالله بن عمرو بن العاص" ممن قرأ الكتب، وكان يكتب الحديث بين يدي رسول الله، ويقرأ بالسريانية.
وذكر أهل الأخبار إن رجلاً من أهل اليمن كان يقرأ الكتب، وان امرأة اسمها "فاطمة بنت مرّ"، كانت قد قرأت الكتب كذلك.
وكان من النساء من يحسن القراءة والكتابة. منهن: "الشفاّء بنت عبدالله بن عبد شمس" القرشية العدوية. من رهط "عمر". أسلمت قبل الهجرة، وهي من المهاجرات الأول. وكانت من عقلاء النساء، وكان "عمر" يقدمها في الرأي. وكان رسول الله يزورها ويقيلّ عندها في بيتهّا، وكانت قد اتخذت له فراشاً وإزاراً ينام فيه، وقد أمرها الرسول أن تعلم "حفصة" الكتابة، فعلمتها، كما علمتها "رقية" تسمى "رقية النملة". وقد تعلمت الكتابة في الجاهلية.
وكانت "حفصة" زوج النبي وابنة "عمر" تكتب. وكانت "ام كلثوم " بنت "عقبة" تكتب. وكذلك كانت "عائشة بنت سعد"، و "كريمة بنت المقداد"، و "شميلة".
وورد إن "عائشة" زوج الرسول، انها كانت تقرأ المصحف ولا تكتب. ولا شك في انهما تعلمتا القراءة في الإسلام.
وورد في بعض الأخبار أن العرب كانت تسمي كل من قرأ الكتب او كتب: صابئاً. وكانت قريش تسمي النبي ايام كان يدعو الناس بمكة ويتلو القرآن صابئاً.
وقد اشتهر أهل اليمن بشيوع الكتابة والقراءة فيهم، فكان غلمانهم يتعلمونها ويرددون قراءة ما يكتبون ويقرأون وقد أشير إلى ذلك في شعر "لبيد" فورد: فنعاف صارة فالقنان كأنها=زبر يرجعها وليد يمان متعود لحنٌ يعيد بـكـفـه قلماً على عسب، ذبلن وبان
والزبر: الكتب، فقال: كأن تلك المنازل كتب يرددها وليد يمان، أي غلام يمان، لأن الكتاب فيهم، لأنهم اهل ريف. متعود لذلك: فهِمٌ، ولحِنُّ: بمعنى فهم، يعيد بكفه قلماً، يكتب في العسب والبان. وكانوا يكتبون في العسب والبان والعرعر. فيظهر من ذلك أن أهل اليمن، حتى غلمانهم، كانوا يكتبون، ويردد الأطفال الكتب، لحفظها ولتعلمها، على نحو ما يفعلون في الكتاتيب هذا اليوم.
ويظهر أن ثقيفاً كانت قد حذقت الكتابة وبرزت بها. فقد ورد أن عمر بن الخطاب قال: "لا يملين في مصاحفنا إلا غلمان قريش وثقيف"، وأن عثمان بن عفان قال: "اجعلوا المملي من هذيل والكاتب من ثقيف". وذكر أن "غيلان بن سلمة بن معتب"، و هو ممن أسلم يوم الطائف، كان كاتباً كما كان معلماً.
وورد في الأخبار أن الجاهليين كانوا يضعون الكتب التي ترسل إلى الملوك من الافاق، على لوح ضمت إليه ألواح من جوانبه، فلا يمسها إلا يد الملك، يأخذ ما يشاء ويترك ما يشاء ويجيب على ما فيها. وفي هذا الخبر دلالة على شيوع الكتابة والمراسلات عند الجاهليين، وعلى وجود ديوان خاص لدى الملوك، يتولى، النظر في المراسلات. وفي هذا المعنى ورد في شعر لبيد: أو مذهبٌ جدد علـى ألـواح هن الناطق المبروز والمختوم
ويظهر إن قوماً من الشعراء كانوا يكتبون و يقرأون. و منهم من كان على ثقافة و علم. ورد في شعر للشاعر "لبيد" قوله: رجلا السيولُ عن الطلول كأنها زُبر تجدّ متونها أقـلامـهـا
و لا يمكن صدور هذا البيت، إلا من رجل كاتب له ذكاء حاد، و ربما كان ذلك الشاعر كاتباً يدون شعره و يحفظه عنده، فوصفه مثل هذا للطول، لا يمكن أن يقال إلا من رجلٍ له علم بالكتابة، و حذق و دراية.
و في البيت الآتي: فمدافع الريّان عُرّي رسمهـا خلقاً كما ضمن الوحي سِلامها
أشار إلى الكتابة كذلك، فالوحي هو الكتابة، و السِّلام الحجارة، أي كان ما بقي من رسمها بعد أن عربت، مثل ما يبقى من الكتابة في الأحجار.ويؤخذ من ذلك إن الحجارة كانت- كما ذكرت في مواضع من هذا الكتاب - مادة من مواد الكتابة عند الجاهليين.
وفي شعر لبيد: فنعاف صارةَ فالقنان كأنها زُبر يرجعها ولـيد يمـان
مُتعود لحنٌ يعيد بـكـفّـه قلماً على عُسب، ذبلن وبان
دلالة واضحة على إلمامه بالكتابة والقراءة، وعلى وقوفه على خط أهل اليمن، وعلى دراسة غلمان اليمن للزبر، وهي الكتب.
بل ورد: إن لبيداً كان يدون شعره، ويهذبه بعد كتابته، وانه كان يكتب. روي: "إن عمر بعث إلى المغيرة بن شعبة، وهو على الكوفة، يطلب إليه أن يستنشد من قبله من شعراء الكوفة ما قالوه في الإسلام. فأجابه الأغلب، وردّ عليه لبيد قائلا: إن شئت ما عفى عنه - يعني الجاهلية - فقال: لا، أنشدني ما قلت في الإسلام. فانطلق، فكتب سورة البقرة في صحيفة، ثم أتى بها، وقال: أبدلني اللهُ هذه في الإسلام مكان الشعر. فكتب المغيرة بذلك إلى عمر، فنقص عطاء الأغلب خمس مئة، وجعلها في عطاء لببد".
وكان الشاعر "المرقش"، وهو من شعراء الحيرة، كاتباً قارئاً، تعلم الكتابة والقراءة في "الحيرة" مع أخيه "حرملة" عند رجل من أهل الحيرة. وكذلك كان الشاعر "لقيط بن يعمر الإيادي" كاتباً قارئاً، وقد عرف بين أهل الأخبار ب "صحيفته" التي أرسلها إلى قومه "إياد"، ينذرهم فيها بعزم "كسرى" على غزوهم، وهي قصيدة افتتحت بهْذا البيت: سلام في الصحيفة من لقيط إلى من بالجزيرة من إياد
ويجب ألا ننسى الشاعر: "أمية بن ابي الصلت"الذي لم يكن كاتباً قارئاً حسب، بل كان واقفاً على كتب أهل الكتاب كذلك، وكان يقرأها، ويقتبس منها، وقد استخدم في شعره ألفاظاً ذكر انه أخذها من كتب أهل الكتاب.
ونضيف إلى من تقدم: "الزبرقان بن بدر"، و "النابغة الذبياني " و "الربيع بن زياد العبسي"، و "لبيد بن ربيعة العامري"، و "كعب ابن زهير بن أبي سلمى".
ودعوى إن الجاهليين كانوا أميين وعلى الفطرة والبديهة، لا يحسنون كتابة وقراءة خلا نفر بمكة وأشخاص بيثرب، دعوى باردة سخيفة، لا يمكن لمن له إلمام بأحوال الجاهلية أن يصدق بها. فأهل الأخبار الذين يروون هذه الرواية، يعودون فيخطئون أنفسهم، بسرد أسماء رجال من جزيرة العرب ومن العراق وبلاد الشام، ذكروا انهم كانوا يقرأون ويكتبون، بل ذكروا أكثر من ذلك، ذكروا إن منهم من كان يقرأ العبرانية أو السريانية، كالأحناف، ثم انهم يذكرون أخبار مراسلات سادات القبائل في مختلف مواضع جزيرة العرب مع الرسول، ومكاتبة مسيلمة مع النبى وتأليفه كتاباً زعم انه وحىِ نزل عليه من السماء مثل ما نزل على الرسول، فهل يعقل بعد ذلك، قول قائل إن العرب كانوا أميين، خلا نفر. وقد رأينا انهم تركوا آلاف الكتابات باللهجات العربية الجنوبية وبالثمودية والحيانية والصفوبة، بل قد نجد الكتابة في بعض قبائل الجاهلية مثل قبائل الصفاة، اكثر اتساعاً وانتشاراً مما عليه الحال بين قبائل هذا اليوم.
وبعد، فالأمية الجماعية التي فرضها أهل الأخبار على الجاهليين، فجعلوهم اميين مائة بالمائة، لم تكن امية صحيحة، وإنما جاءت من وهم في فهم المراد من المواضع التي اشرت إليها من القرآن، بدليل مناقضة أهل الأخبار أنفسهم، بذكر أسماء من ذكرناهم وممن لم نذكرهم ممن كان يقرأ ويكتب بهذا القلم العربي الذي دوّن به القرآن. وبدليل ما أوردته من أقوال المفسرين في الأمية، من أنها الوثنية، لا الأمية بمعنى الجهل بالكتابة والقراءة حتماً، لعدم انسجام هذا المعنى مع تفسير الآيات، ثم إن القرآن الكريم حين تعرض للأمية، بمعنى عدم القراءة والكتابة، قال: )وكذلك أنزلنا إليك الكتاب فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به، ومن هؤلاء من يؤمن به وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون. وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذاً لأرتاب المبطلون(. فعبر بذلك تعبيراً مبيناً عن معنى عدم القرإءة و الكتابة، بأفصح عبارة، فقال: "وما كنت تتلو من قبله من كتاب، لا تخطه بيمينك"، ولو كانت الأمية بهذا المعنى لما أهمل ذكرها في هذا المكان. ومن ذلك الوهم جاءت الأحاديث الضعيفة من أنه كلن من أمة أمية لا تحسب ولا تكتب، ولعاطفة دينية، شددوا في أمية العرب، فحِعلوها جميعاً اميين، لاظهار معجزة للرسول - هو في غنى عنها- في انه ظهر بالنبوة في امة أمية، وجاء من الله باًحسن بيان، وهي حجة له على أهل الكتاب والمشركين.
وبعد، فقد فهمنا من روايات أهل الأخبار، إن أهل مكة انما تعلموا الكتابة في عهد غير بعيد عن الإسلام. فهل يعني هذا انهم لم يكونوا يحسنون الكتابة والقراءة قبل هذا العهد ابداً? والذي اراه ان ذلك شيء غير معقول، وان أهل مكة كانوا يكتبون ويقرأون، كانوا يكتبون بالمسند، القلم الذي كتب به أكثر أهل جزيرة العرب قبل الإسلام، بدليل ما نقرأه في كتب أهل الأخبار من زعمهم ان أهل مكة كانوا يجدون بين الحين والحين كتابات مدونة بالمسند في مقبرة مكة القديمة وفي مواضع أخرى منها، وفي عثور الناس على هذه الكتابات دلالة على أن سكان مكة كانوا يكتبون بالمسند أو بأقلام مشتقة منه، ولا يعقل عدم استعمال أهل الحجاز لهذا القلم، وقد وجدنا انه والأقلام المشتقة منه، قد كونت قلم اهل هذه البلاد قبل الإسلام، والظاهر انهم وجدوا إن القلم الذي كان يكتب به النبط وبقية العرب، مثل عرب الحيرة، كان أسهل استعمالاً ومرونة من القلم المسند البطيء الحركة، وانه لا يأخذ حجماً كبيراً بالقياس إلى الخط العربي الجنويي، لذلك فضلوه على هذا القلم، واستعملوه عوضاً عنه، دون أن يجروا عليه تحويراً أو تغييراً، لاصلاح ما فيه من خلل، فلما جاء الإسلام، أجرى عليه ما أجرى من تحوير وتغيير وتطوير.
ريم âيه ôîًَىà   رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
المفصل , العرب , الإسلام , تاريخ , قبل


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
وثائق بريطانية تخص العوازم فهد سعد طعس قبيلة العوازم 2 12-26-2009 02:41 AM

الصفحات الإضافية سياسة الخصوصية - Privacy Policy

Bookmark and Share


الساعة الآن 07:07 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
Content Relevant URLs by vBSEO 3.5.2 TranZ By Almuhajir
المواضيع المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي موسوعة طعس العربية و إنما تمثل كاتبها فقط
This Forum used Arshfny Mod by islam servant