موسوعة طعس العربيه


 


العودة   موسوعة طعس العربيه > الموسوعه العامه > منتدي نصره رسول الله( عاليه الصلاه والسلام )

منتدي نصره رسول الله( عاليه الصلاه والسلام ) لكل مسلم ومن أجل نصره رسول الله عاليه الصلاه والسلام من مواضيع عامه خاصه بالقضيه المطروحه ناقش وعبر عن رايك هنااا

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 07-03-2008, 07:30 PM   #1
أميرة الاحساس
كبار الشخصيات


تاريخ التسجيل: Apr 2007
رقم العضوية : 14728
مجموع المشاركات : 7,623
بمعدل : 12.78 مشاركة في اليوم
معدل التقييم : 100
Rep Power : أميرة الاحساس will become famous soon enough أميرة الاحساس will become famous soon enough

أميرة الاحساس âيه ôîًَىà




الإسلام دين الفطرة وكلمة الله.
ومن ثم لم يكن بد - وهو " ينظف القلب البشري " - أن يجعل في حسابه الباطن والظاهر، والشعور والعمل، والوجدان والسلوك.
وهو بذلك واقعي إلى أقصى حدود الواقعية...
إنه يعنى أشد العناية بعالم الروح ونظافة الضمير. وإنه يثق في أن القلب البشري مصدر الطاقة ومصدر الإشعاع. ولكنه - مع ذلك - لا يفترض في الناس كلهم أنهم من أولي العزم! لا يفترض فيهم أنهم يستطيعون دائماً أن يعيشوا بقلوب نظيفة في مجتمع غير نظيف، أو يمارسوا العدالة في مجتمع غير عادل، أو يحرصوا على الفضائل في مجتمع يحرص على المنكرات.
ففي " الفطرة " البشرية ضعف يحتاج إلى سند ويحتاج إلى معونة: (وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً).
هناك ثقلة الضرورة ودفعة الشهوات.
وهي " واقع " لا مصلحة في تجاهله، ولا سبيل إلى نكرانه.
ولا بد من تنظيمه.. لا بد من تنظيمه ليستطيع الإنسان أن يفرغ من ضغطه على الأعصاب والمشاعر. وينطلق حيث يشاء، حيث يليق بخليفة الله أن يكون.
من أجل ذلك يحرص الإسلام على واقع المجتمع أن يكون نظيفاً ليعاون الفرد على نظافة الضمير. ولن تكون نظافة المجتمع إلا بنظام اقتصادي عادل، ونظام اجتماعي متوازن، ونظام سياسي راشد محكم الرباط بالعقيدة الصحيحة والإيمان الصحيح.
* * *
من صميم مهمة الدين إذن في تنظيف القلب كانت هذه التشريعات وهذه التوجيهات التي تتناول الأسرة والمجتمع، وسياسة الحكم، وسياسة المال. يستوي في ذلك التشريع الاقتصادي، والتشريع السياسي، والتشريع الجنائي، والتشريع المدني، والتشريع الدولي.. والتوجيهات العديدة المتعلقة بكل هذه الشئون.
ولم يكن الإسلام - وهو جاد في تناول الإنسان والحياة البشرية بالتنظيم والتنظيف - ليغفل هذه الشئون الواقعية كلها، وينصرف إلى تهذيب الضمير في عالم المثل والأحلام. ولم يكن رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم ليتخلى عن مهمته الهائلة في ذلك الشأن، وينفض يديه منها، ويقول للناس: " أنتم أعلم بأمور دنياكم " أي تصرفوا أنتم في تشريعاتكم وتنظيماتكم، في سياسة المال وفي سياسة الحكم، في علاقات المجتمع، وفي القوانين التي تنظم الحياة..
كلا! لم يكن ليفعل ذلك. ولو فعل فما أدى إذن رسالة الله. والله هو الذي يقول له في مجال التكليف: (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) [118].
* * *
ولكن هذا الفريق من الناس الذي ذكرناه آنفًا، أو فريقاً غيره يقول: إن الحياة تتطور. فكيف إذن يمكن أن يشرع الله أو يشرع رسوله للأجيال التالية لعصر القرآن؟ إن ما كان يصلح منذ ألف وأربعمائة عام لا يصلح اليوم. وما كان حركة تقدمية ثورية في ذلك التاريخ يصبح اليوم أمراً رجعياً عتيقاً متجمداً لا يجاري التطور ولا يصلح للحياة.. ومن ثم قال الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الكلمة ليفتح الباب للتطور، ولا يقف بالناس عند تشريعات وتنظيمات قد اقتضتها بيئة معينة وظروف معينة، وإنما يتركهم يشرعون وينظمون فيما هم أدرى به من الأمور.
" التطور ".. ويح الناس من التطور!
إنه هوس يصيب هذا القرن العشرين! هوس يخيِّل إليهم أن الحياة كلها بلا قواعد، والكون كله بلا ناموس!
لقد كانت فكرة التطور اكتشافاً جديداً بالنسبة لأوربا في تاريخها الحديث، بعد أن غرقت فترة طويلة في ظلام العصور الوسطى، لا تعلم شيئاً ولا تساير ركب الحياة. وفي القرن التاسع عشر امتلأت رءوس المفكرين والعلماء بفكرة التطور، في العلم والسياسة والاقتصاد والاجتماع، ثم تلقفتها الجماهير في نهاية القرن الفائت وفي خلال هذا القرن.. تلقفتها بما يشبه اللوثة.. تفسر بها كل شيء وتفسد بها كل شيء!
بينما العالم الإسلامي لم يكن غريباً عن فكرة التطور وآثاره في حياة الجماعة. فقد فطن إليها ابن خلدون في مقدمته وعالجها علاجاً " علمياً " وافياً يشهد له بالبراعة والتدقيق. ولقد فطن إليها عمر بن عبد العزيز في صدر الإسلام إذ يقول " يجدّ للناس من الأقضية بقدر ما يجد لهم من القضايا " وفطن إليها الفقه الإسلامي كله، وهو يضع التفريعات الدائمة في كل شئون الحياة النامية المتجددة جيلاً بعد جيل.
ولكن الفكر الإسلامي لم يخرج عن صوابه وهو يحس بالتطور ويساوق خطاه. فلم يفهم من التطور أن الحياة بلا قواعد، والكون بلا ناموس! لم يفهم منه أن ينفصل عن الأصول الثابتة وينطلق بلا دليل!
وجاء " العلم " في القرون الأخيرة يؤيد الفهم الإسلامي للتطور، ولا يؤيد اللوثة التي أصابت الجماهير في أوربا، وأشباه العلماء هناك، وانتقلت عن طريقهم إلى الشرق في عصرنا الأخير.
* * *
الحياة البشرية تتطور، والكون كله يتطور.. نعم! ولكن هذا لا ينفي وجود قواعد ثابتة في هذا الكون وفي الحياة البشرية.. أولها وأبسطها، وأقربها إلى البديهة، صدور الكون كله عن إرادة الله الخالق المدبر، وانتظام سننه ونواميسه انتظاماً دقيقاً معجزاً لا يخل ثانية ولا ثالثة، ولا قيد شعرة في هذا الفضاء الهائل الرهيب!
السدم تتطور إلى نجوم.. والنجوم تتطور وهو تدور، فتسخن وتبرد، وتتكور وتنبعج. وتسرع وتبطئ.. ولكن شيئاً واحداً من ذلك لا يحدث بلا قانون، وشيئاً واحداً من ذلك لا يحدث مخالفاً للناموس الناموس الذي يكشف العلم طرفاً منه كلما تيسرت له الوسائل وأتيحت له الأدوات.
ومجموعتنا الشمسية الصغيرة التي نحن جزء منها، تتبع نواميس الكون وهي تتطور، وتسير على النهج الذي أراده لها الله منذ الأزل، لا تنحرف عنه لحظة إلى يمين أو شمال.
والأرض التي نعيش عليها تحكمها - في تطورها - النواميس الأزلية التي تحكم الكون، فيسير كل شيء على سطحها كما أراده الله وفق قانونه الذي ارتضاه.
الأكسجين هو الأكسجين.. والإيدروجين هو الإيدروجين. في الأرض والشمس وجميع النجوم سواء. والماء قدر من الأكسجين وقدران من الإيدروجين (أيد2) لا تتغير هذه النسبة سواء ركب الماء في المعمل أم هطل من السماء.. والمطر هو المطر.. بخار يصعد من البحر، فينطلق إلى الجو، فيتكاثف، فيتركز ويثقل، فينزل إلى الأرض.. سواء حدث ذلك " طبيعياً " أم أنزل صناعياً من السماء.. لا يتغير قانون واحد من قوانينه، ولا يختل في مساره عن الناموس.
والحياة على الأرض كذلك.. تطورت.. لا نعلم علم اليقين كيف، وإن كنا نحاول أن نصل إلى اليقين.. ولكنا نجد من أبحاث العلم ما يؤكد لنا تأكيداً قاطعاً أن الحياة لم تنشأ على الأرض مصادفة، ولم يكن استمرارها مئات الألوف من السنين كذلك بالمصادفة. وإنما هو نتيجة النظام المحدد المقرر الذي بنيت به المجموعة الشمسية وأخذت به مسارها في الفضاء. بحيث لو اختلت نسبة واحدة من النسب لانعدمت بذلك الحياة.. فهي إذن إرادة الخالق، وتدبيره الدقيق المعجز. ولولاه لم تقم حياة[119].
والإنسان بعد ذلك.. الإنسان الذي ملأه غرور العلم.. وأصابته لوثة التطور.. ذلك الإنسان يتطور. تتغير حياته يوماً بعد يوم، ويستحدث جديداً كل يوم. ولكنه مع ذلك خاضع للنواميس. النواميس التي تدخل التطور في حسابها، فإذا التطور ذاته جزء من القانون الثابت الذي يحكم الكون ويحكم الحياة!
* * *
يتطور الكون.. فهل تغيرت طبيعته؟ هل تغير تكوُّنه من طاقة أو مجموعة من الطاقات؟
كلا! لم يقل بذلك أحد من العلماء! وإنما تتغير " صوره " و" حالاته " ويظل جوهره ثابتاً على ما هو عليه.
ثم.. هل تغيرت الحقيقة السابقة على ذلك.. حقيقة الأزل والأبد وهي صدور الوجود عن إرادة الله؟
كلا! لا يقول بذلك أحد من العقلاء! فالكون في وجوده، كالكون في تطوره. كالكون في فنائه حين يقدر له الفناء، صادر عن إرادة الله، مرتبط دائماً بإرادة الله.
والإنسان كذلك يتطور.. فهل تتغير طبيعته؟ أم تتغير صوره وحالاته ويثبت الجوهر الذي فيه؟
هل تتغير الحقائق الأزلية في تكوينه:
أنه صدر عن إرادة رَبُّكَ: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) [120].
وأن البشر جميعاً من نفس واحدة: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ) [121].
وأن من هذه النفس - أي من جنسها - قد خلق " الزوج " الذي يكملها ويلتقي بها ويوائمها: (خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا) [122] (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً) [123].
وأن من هذه النفس وزوجها انبث الخلق كلهم والقبائل والشعوب (خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً) [124]. (وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) [125].
وأن الإنسان قبضة من طين الأرض ونفخة من روح الله. قبضى من طين الأرض تتمثل فيها عناصر الأرض المادية من حديد ونحاس وكلسيوم وفوسفور وأكسجين وإيدروجين، وتتمثل فيها شهوات الأرض ودوافع الأرض. ونفخة من روح الله تتمثل فيها روح الإنسان الشفيفة القادرة على السمو والرفعة، كما تتمثل فيها الإرادة الضابطة والقدرة على الاختيار: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ) [126] (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) [127] (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) [128].
هل تتغير هذه الحقائق الأزلية مهما تغيرت " مظاهر " الحياة؟ أم تتغير المظاهر والأصل في ثبوته لا يزال؟
وهل الإنسان في ذلك إلا بضعة من الناموس الأكبر الذي يحكم الكون ويحكم الحياة؟ بضعة محكومة بذلك الناموس، خاضعة لإرادة الله؟.
كل ما في الأمر أن الله قد ميز هذا المخلوق وكرمه حين نفخ فيه من روحه؟ فجعله " واعياً " لعملية الثبوت وعملية التطور. وجعل له الإرادة التي يختار بها طريقه: مع الخط الواصل المهتدي إلى الله، أو مع الخط الضال المنقطع عن الله. وجعل هذا الازدواج في طبيعته هو الناموس الثابت بالنسبة لدوره في الحياة، الذي يترتب عليه الجزاء في أخراه: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا).
* * *
في الإنسان إذن عنصر ثابت لا يتغير مهما تغيرت ظروفه، ومهما تطورت حياته على الأرض. لأنه يتصل بحقائق أزلية لا يدركها التغيير.
وفيه إلى جانب ذلك عنصر متغير. أو قل: " صور " متغيرة من الجوهر الثابت، و " حالات " متطورة للكيان الدائم. ولكنها في تغيرها وتطورها لا تخرج بالإنسان عن كونه الإنسان. ولا تنفصل في لحظة واحدة عن كيانه الدائم، بحكم ترابط النفس الإنسانية وشمولها لكل ما يشتمل عليه الإنسان.
ومن هذا الثبوت وهذا التطور في فطرة البشر - وهي كذلك فطرة الكون - نشأت في حياة الإنسان قواعد ثابتة وبجانبها أحوال متغيرة، ولكنها في تغيرها - كما أسلفنا - لا تنفصل عن القواعد الثابتة في الحياة.
فقد ترتب على الحقائق الأزلية الخالدة حقائق أخرى، فصارت مثلها خالدة دائمة لا تتغير.
ترتب عليها أن يحس الخلق - بفطرتهم ما دامت سليمة - يحسوا بعظمة الله بالقياس إلى ضآلتهم، فيعبدوه، ويستمدوا منه العون في الحياة.
وترتب عليها أن يحس الزوجان - اللذان خلقهما الله من نفس واحدة بحنين والتصاق بعضهما ببعض، وأن وجودهما لا يتكامل إلا متحدين متوادين متراحمين.
وترتب عليها أن يحس الناس - حين تصفو سريرتهم وتنظف نفوسهم - بالأخوة في الإنسانية، إذ هم جميعاً من نفس واحدة ذات رحم مع الجميع، فيتعاونوا ويتشاركوا في الخير..
تلك عناصر دائمة لأنها ترتكز على أسس دائمة.
وثمة عناصر أخرى تجدّ كل يوم، نتيجة تطور المعلومات البشرية، والتفاعل الدائم بين العقل والكون، يحاول أن يتعرف أسراره، ويستكنه كنهه، ويستخرج كنوزه، ويسخرها لمنفعته، فتقوم أوضاع جديدة، وينتقل الناس من بداوة إلى حضارة، ومن زرع إلى صناعة، ومن صناعة إلى...؟
والإسلام دين الفطرة يجاري البشرية في جانبيها جميعاً، بما يناسبهما جميعاً.
الجانب الأول يعطيه شرائع ثابتة. والجانب الآخر يعطيه أسساً ثابتة، ثم يترك له مجال التطور الدائم في إطار هذه الأسس الثابتة، متمشياً في ذلك مع فطرة الكون وفطرة الحياة.
الجانب الأول يعطيه العقيدة..
والعقيدة ليست ثابتة في الإسلام وحده، بل ثابتة في جميع الديانات منذ أرسل الله الرسل للناس يربونهم، ويعلمونهم حقيقة أزلية واحدة: أن الله واحد. وأن الخلق كله خلقه. وأن حق الألوهية على العباد أن يعبدوه ويخلصوا له الدين.
وتلك العقيدة الواحدة لا تتغير، لأن الأساس الذي تقوم عليه ثابت لا يتغير. وقد عني القرآن ببيان هذه الحقيقة، وخاصة في السور التي تستعرض رسالة الرسل الواحدة المكررة على مر الأزمان كسورة هود وسورة الأعراف.
وإلى جانب العقيدة يعطيه كذلك تشريعات الزواج والطلاق، والحدود. وتشريعات مدنية مختلفة.
الزواج والطلاق - أو العلاقة بين الرجل والمرأة عامة - عنصر ثابت له تشريع ثابت، لأنه يرتكز على أسس لا تتغير. هي الرجل من جهة والمرأة من جهة، والعلاقة الشديدة التي تجذب كلاً منهما للآخر وتشده إليه.
والحياة تتغير ظروفها: المجتمع يتغير. والاقتصاد يتغير. ونظم التعليم تتغير. والسياسة تتغير. ولكن ذلك لا يغير شيئاً من الحقيقة التي تحكمها الفطرة بوظائفها وعملياتها الحيوية، وغددها وكيماوياتها، وهي أن الرجل رجل والمرأة امرأة، ولا غنى لأحدهما عن الآخر، ولا انفصال ولا استقلال! [129].
والحدود - أي العقوبات المفروضة على الجرائم - عنصر ثابت كذلك، لأنه يرتكز على شيء ثابت: هو علاقة الإنسان بأخيه الإنسان - أو علاقة الفرد بالمجتمع - وحرمة كل إنسان التي لا يجوز أن يعتدي عليها الآخرون.
والحياة تتغير ظروفها: ارتباطات العمل تتغير. وعلاقات الإنتاج تتغير. وعلاقات الإنسان " بالآلة " تتغير. والنظم السياسية تتغير. ولكن ذلك لا يغير شيئاً من الحقيقة الثابتة التي تحكمها وقائع التاريخ البشري. وهي أن الناس كلهم من نفس واحدة، وعلاقة الرحم تربط الجميع [130].
وكذلك بعض التشريعات المدنية لها صفة الثبوت كالبيع والإيجارة والرهن والدين والوكالة.. إلخ فكانت لها تشريعات ثابتة. ومما يلفت النظر في هذا الشأن أن التشريع الفرنسي الحديث في المسائل المدنية قد أخذ كثيراً عن فقه مالك، إذ كان أقرب الفقهاء - جغرافياً - إلى فرنسا بسسب انتشار مذهبه في الشمال الإفريقي! كما أن الفقه الأوربي كله قد أخذ عن الفقه الإسلامي حين أعطى المرأة أخيراً جداً حق الملك والتعامل والتصرف الحر في الشئون المدنية [131].
أما الجانب المتطور من الحياة البشرية، وهو في الوقت ذاته متصل بالجانب الثابت، فهو سياسة الحكم وسياسة المال، و " شكل " المجتمع أو شكل البيئة، من بدوية إلى زراعية إلى تجارية إلى صناعية... إلخ.
وتلك أمور كما قلنا تتطور بتطور العقل البشري وتفاعله مع الكون، ولكنها في تطورها لا تنفصل عن الأصل الثابت، ولا يمكن أن تنفصل، بحكم وحدة الإنسان وترابطه، واستحالة تجزئته وتقطيعه وفصل بعضه عن بعض.
وفي هذه الأمور كان الإسلام حكيماً غاية الحكمة، مساوقاً للفطرة، ملبياً لحاجاتها، فوضع الخطوط العريضة ولم يضع التفصيلات. أو وضع " الإطار " الذي يريد للبشرية أن تتطور في حدوده، وترك لكل جيل من الأجيال المتعاقبة أن يضع " الصورة " في داخل الإطار. الصورة التي تناسبه، وتتفق مع ظروفه المادية ومبلغ من العلم والإنتاج. بشرط واحد: هو أن تكون الصورة على قدر الإطار، لا أكبر منه فيتحطم، ولا أصغر منه فيبدو حولها الفراغ.
في سياسة الحكم وضع أساسين: العدل والشورى:
(وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) [132]
(وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) [133].
ثم لم يحدد طريق الشورى. وهل يكون مجلس واحد أو مجلسان. وهل ينتخب المجلس أو يعين. وهل يكون التمثيل شخصياً أو مهنياً.. إلخ.. إلخ وترك ذلك للتجارب البشرية واجتهادها في التطبيق.
وفي سياسة المال وضع مجموعة من الأسس ذات طابع واحد يجمعها في النهاية. هو ضرورة اشتراك الناس في الخير، بحيث لا يكون هناك محروم.
قرر القرآن أن المال في الأصل مال الله، وهو أعطاه للجماعة: (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ) [134] (وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ) [135].
وقرر أن الجماعة هي صاحبة الحق الأول فيه، وأن الفرد " موظف " فيه، يستحقه بحسن قيامه عليه، فإذا لم يحسن القيام عليه عاد حق التصرف فيه إلى الجماعة: (وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً) [136].
وقرر أن الله يكره حبسه في يد فئة قليلة من الناس تتداوله فيما بينها ويحرم منه مجموع الأمة (كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ) [137]
وقرر فريضة الزكاة على الأموال حقاً معلوماً للفقراء، تأخذه لهم الدولة وتعطيه لهم من بيت المال: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا..) [138]
والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: " الناس شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار " [139]
ويقول: لأن يمنح أحدكم أخاه (أرضه) خير له من أن يأخذ خرجاً معلوماً " [140]

وعمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: " لولا آخر المسلمين ما فتحت قرية إلا قسمتها بين أهليها. كما قسم النبي صلى الله عليه وسلم خيبر " [141].
ثم لم يحدد طريقة اشتراك الناس في مال الله الذي أعطاه للجماعة وهل تكون بتأميم المرافق العامة. أم تكون بإشراك العمال في رأس المال، أم تكون بإعطائهم الأجور التي تكفل حاجاتهم الضرورية التي بينها الرسول صلى الله عليه وسلم على حديثه: " من ولي لنا عملاً وليس له منزل فليتخذ منزلاً أو ليست له زوجة فليتخذ زوجة، أو ليس له خادم فليتخذ خادماً، أو ليست له دابة فليتخذ دابة"[142].
لم يحدد صورة معينة من هذه الصور، وترك الأجيال المتعاقبة تفكر لنفسها في الصورة التي تناسبها، وتتلاءم مع إمكانياتها. ولم يضع - في سياسة المال أو سياسة الحكم - تفصيلات ثابتة جامدة، لكي لا تصطدم بالنمو المطرد في أحوال الجماعة، والتطور المستمر فيها. ولكنه مع ذلك لم يدع هذه الأمور تفلت من الأصول الثابتة. ولم يدعها للناس يتصرفون فيها بلا دليل، بحجة أنهم أعلم بأمور " دنياهم "! فقد كان هذا التصرف الحر - في أوربا، وفي خارج الإطار الإسلامي عامة - شناعة بشعة يندى لها جبين الإنسانية " المتطورة "! كان الإقطاع في أوربا ثم كانت الرأسمالية بكل ما فيها من مظالم غنية عن الوصف. وكلاهما حرام في نظر الإسلام، فهما يجعلان المال - سواء في صورة أرض أو رأس مال - دولة بين الأغنياء وحدهم، ويحرم منه بقية الناس. ثم كان الخلاص منهما هو الشيوعية - أي العبودية المطلقة للدولة، الدكتاتورية المطلقة على الأفراد!
والإسلام - كلمة الله لجميع البشر على الأرض ولجميع الأجيال - لم يكن ليترك الناس لمثل هذا " التطور " الذي يرسفون فيه في الأغلال، وإنما يأخذ بيدهم دائماً ويرشدهم، حتى وهو يترك لهم حرية النمو وحرية التكيف مع ما يجدّ من الأوضاع، لكيلا يشردوا عن الطريق، ولكي يحتفظوا بتحررهم الوجداني الدائم في جميع الأوضاع وجميع الأحوال.
* * *
تلك قصة التطور التي جُنّ بها الناس في القرن العشرين! تطور في أشكال الحياة الظاهرة، وثبات - مع ذلك - في الأصول.. فالإسلام لم يغفل ذلك التطور من حسابه. لم يقف في سبيله. وفي الوقت ذاته لم ينحسر عنه ويترك الناس بلا دليل. إنه يساوق التطور على الدوام ويحفظه من التعثر والانحراف. يحفظه برده إلى القواعد الثابتة في الحياة البشرية. إلى الله والعقيدة. والإطار الدائم الذي يرسم العلاقة التي ينبغي أن تكون بين أفراد الجنس الواحد، الذين انبثقوا من نفس واحدة، وما تزال تصل بينهم الأرحام.
وبذلك يكون الإسلام دين الفطرة.
وهو كذلك منهج الحياة [143].



التوقيع - أميرة الاحساس
  رد مع اقتباس
قديم 07-03-2008, 07:36 PM   #2
شيهانة
كبار الشخصيات


تاريخ التسجيل: Apr 2007
رقم العضوية : 14364
مجموع المشاركات : 3,534
بمعدل : 5.88 مشاركة في اليوم
معدل التقييم : 100
Rep Power : شيهانة will become famous soon enough شيهانة will become famous soon enough

شيهانة âيه ôîًَىà




بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين
شـكــ وبارك الله فيك يا أميرة الاحساس
لك مني أجمل تحية
على الموضوع الممتاز
ارجو المزيد والمفيد
تقبل تحياتي



  رد مع اقتباس
قديم 07-03-2008, 07:36 PM   #3
ريم
الــمــراقــب الــعــام


تاريخ التسجيل: Mar 2007
رقم العضوية : 13689
مجموع المشاركات : 4,038
بمعدل : 6.50 مشاركة في اليوم
العمر : 22
معدل التقييم : 100
Rep Power : ريم will become famous soon enough ريم will become famous soon enough

ريم âيه ôîًَىà




السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
جزاك الله كل خير
اخويأميرة الاحساس
على هذا ونتمنى كل جديد
السلام عليكم ورحمةالله وبركاته



  رد مع اقتباس
قديم 07-03-2008, 07:36 PM   #4
بنت الصحراء
كبار الشخصيات


تاريخ التسجيل: Apr 2007
رقم العضوية : 14318
مجموع المشاركات : 6,191
بمعدل : 10.28 مشاركة في اليوم
معدل التقييم : 100
Rep Power : بنت الصحراء will become famous soon enough بنت الصحراء will become famous soon enough
إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى بنت الصحراء إرسال رسالة عبر مراسل Yahoo إلى بنت الصحراء

بنت الصحراء âيه ôîًَىà




السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
جزاك الله كل خير
اخويأميرة الاحساس
على هذا ونتمنى كل جديد
السلام عليكم ورحمةالله وبركاته



  رد مع اقتباس
قديم 07-03-2008, 07:36 PM   #5
أبونوافـ
المدير العام


تاريخ التسجيل: Jun 2007
رقم العضوية : 3
مجموع المشاركات : 3,268
بمعدل : 6.24 مشاركة في اليوم
معدل التقييم : 100
Rep Power : أبونوافـ will become famous soon enough أبونوافـ will become famous soon enough

أبونوافـ âيه ôîًَىà




لسلام عليكم ورحمة الله
وبركاته الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين
شـكــ وبارك الله فيك ياأميرة الاحساس
على موضوعك
لك مني أجمل تحية



  رد مع اقتباس
قديم 07-03-2008, 07:36 PM   #6
.ابوتركي.
كبار الشخصيات


تاريخ التسجيل: Sep 2007
رقم العضوية : 26416
مجموع المشاركات : 2,028
بمعدل : 4.58 مشاركة في اليوم
معدل التقييم : 100
Rep Power : .ابوتركي. will become famous soon enough .ابوتركي. will become famous soon enough

.ابوتركي. âيه ôîًَىà




SIZE="4"]
شكراً جزيلاً لموضوعك
يا أميرة الاحساس ننتظر
منك الجديد بفارغ الصبر
تحياتي



  رد مع اقتباس
قديم 07-03-2008, 07:36 PM   #7
الخفوق
كبار الشخصيات


تاريخ التسجيل: May 2007
رقم العضوية : 15464
مجموع المشاركات : 9,912
بمعدل : 17.72 مشاركة في اليوم
معدل التقييم : 100
Rep Power : الخفوق will become famous soon enough الخفوق will become famous soon enough

الخفوق âيه ôîًَىà




مشكووووووووور
اخوى أميرة الاحساس
جزاك الله كل خير
يعطيك ربى الف عافية
و الى الامام تحياتى



  رد مع اقتباس
قديم 07-03-2008, 07:36 PM   #8
نجم الليل
:: أداري ::


تاريخ التسجيل: Feb 2007
رقم العضوية : 12480
مجموع المشاركات : 2,542
بمعدل : 3.82 مشاركة في اليوم
معدل التقييم : 100
Rep Power : نجم الليل will become famous soon enough نجم الليل will become famous soon enough

نجم الليل âيه ôîًَىà




[/center][/size]



  رد مع اقتباس
قديم 07-03-2008, 07:36 PM   #9
.زينا
كبار الشخصيات


تاريخ التسجيل: Sep 2006
رقم العضوية : 7403
مجموع المشاركات : 2,033
بمعدل : 2.54 مشاركة في اليوم
معدل التقييم : 100
Rep Power : .زينا will become famous soon enough .زينا will become famous soon enough

.زينا âيه ôîًَىà




[center][size="4"]



  رد مع اقتباس
قديم 07-03-2008, 07:36 PM   #10
صقر
كبار الشخصيات


تاريخ التسجيل: Apr 2007
رقم العضوية : 14360
مجموع المشاركات : 2,627
بمعدل : 4.37 مشاركة في اليوم
معدل التقييم : 100
Rep Power : صقر will become famous soon enough صقر will become famous soon enough

صقر âيه ôîًَىà




السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
جزاك الله كل خير
اخويأميرة الاحساس
على هذا ونتمنى كل جديد
السلام عليكم ورحمةالله وبركاته



  رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
سلسلة { اعترافات فتاة } (1) غندورة الفتاوي الشرعيه والاسئله 0 01-28-2008 07:56 PM


Powered by vBulletin
Copyright ©2000 - 2008, Jelsoft Enterprises Ltd

 

SEO by vBSEO 3.2.0 ©2008, Crawlability, Inc.